الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 34، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
الطاعة تنشر ذكر العبد الحسن بين الناس وتجعله يلقى البر والخير أينما توجه. كما أن الذكر الصالح يعد عمراً ثانياً للإنسان في الدنيا.
استقامة المؤمن وتواضعه تجلب توفيق الله وبشراه في الدنيا ونعيماً عظيماً في الآخرة. محبة الله للعبد تورث محبة الملائكة والناس له وتتحقق بالود في الأرض.
الطاعة سبب لنيل محبة الله وعزته، فيحصل العبد على ودٍ في قلوب الناس ويسير في الأرض عزيزاً. كما تظهر آثار الطاعة كنور في الوجه والقلب وسعة في الرزق ورضا الله.
من يعمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن يدخل الجنة ويرزق فيها بغير حساب. الداعي يختم بالدعاء بالتوفيق للطاعات والنجاة من النار.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الناظم أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى: «قال: وتنشر عنك في الدنيا جميلًا، وتَلقَى البر فيها حيث كنت». وفي بعضها: «البر»، و«تَلْقَى البر»؛ أي: أبواب الخير والطاعات فيها حيث كنت. وفي النسخة المحققة: «وتَلْقَى البر». والمراد أن صاحب الطاعة يلقى الطائع مثله، والمحسن مثله، والصالح مثله، كما أن المفسد يلقى من المفسدين أمثاله. قال: «وتنشر عنك في الدنيا جميلًا، وتَلْقَى البر فيها حيث كنت، وتمشي في مناكبها عزيزًا، وتجني الحمد مما قد غرست». وهذا البيت لا يزال الناظم الإلبيري رحمه الله تعالى ينثر من هذه النصائح وهذه الحكم والفوائد التي ينبغي أن يستفيد منها طالب العلم خاصة، والمسلمون على وجه العموم. وها نحن ذا أوشكنا نقترب من النهاية، وكم يا إخوان نشعر بحلاوة هذه الأبيات وسلاستها، وما فيها من الفوائد والحكم التي نحن أحوج ما نكون إليها. وهنا يقول: «وتنشر عنك في الدنيا جميلًا». فأهل الصلاح يا إخوان، وأهل الطاعة، يجعل الله لهم الذكر الجميل والثناء الحسن في أوساط الناس، فتجد أن الناس يترضون عنهم ويترحمون عليهم، وهكذا يذكرون من محاسنهم وجميل أفعالهم وآدابهم وأخلاقهم التي تميزوا بها. ومر معنا بيتان لمن يلقب بأمير الشعراء، فمن هو أمير الشعراء يا صالح؟ أمير الشعراء من هو يا أبا محمد؟ أمير الشعراء أبو العتاهية؟ لا، رجل معاصر مات قريبًا. نعم، يا بَني، أحمد شوقي، شاعر مصري مشهور كان يلقب بأمير الشعراء، كان يقول: «دقات قلب المرء قائلة له: إن الحياة دقائق وثوانِ فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها، فالذكر للإنسان عمر ثانٍ». أرأيتم أعلامًا وعلماء، وهكذا أبطالًا، خلد التاريخ ذكرهم، ماتوا قبل ما يزيد على الألف سنة، ولا زال ذكرهم موجودًا؟ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كأنهم أحياء بيننا، يذكرون بالجميل، ويُترضى عنهم، وتذكر مناقبهم وبطولاتهم. قال: «فالذكر للإنسان عمر ثانٍ». وهكذا من بعد الصحابة. وقوله: «وتَلْقَى البر فيها حيث كنت»، يعني أن أهل الطاعة يلقون من البر والإحسان والخير والفضل من الله تبارك وتعالى ومن الناس حيثما كانوا، وأينما توجهوا، فتفتح لهم أبواب الخير، وتفتح لهم أبواب الفضائل، ويسر الله لهم ما لا يتيسر لغيرهم. وهذا يا إخوان هو بسبب استقامتهم، وبسبب صلاحهم، وبسبب تقواهم، يهديهم ربهم بإيمانهم، فيسر الله عز وجل لهم من الإكرام في الدنيا، مع ما ينتظرهم في الآخرة من النعيم والجزاء العظيم عند الله تبارك وتعالى، فتوفيق في الدنيا، وهداية في الدنيا، وبشارة في الدنيا، مع ما ينتظرهم في الآخرة. قال تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: 14]، فأصبحوا ظاهرين. وهكذا قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: 30-31]، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وربنا عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]. في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى إذا أحب عبدًا نادى: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله قد أحب فلانًا فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». وجاء خارج الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾. ما هو الود يا إخوان؟ سيجعل لهم الرحمن ودًا. أولاً: في أي سورة هذا يا سعيد؟ في أي سورة؟ ما سمعت الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾؟ سورة البقرة؟ أخبرهم أين أصحاب سقطرى؟ نعم، ما شاء الله، عندك، أحسنت. بقي من أصحاب سقطرى أو انتهوا؟ نعم، أبو عامر، أين أبا عامر؟ سعود، سعود. طيب، من أين؟ نعم، ما شاء الله، تفضل. نعم، رفعت يا سعيد، هاتها، من أين؟ من أين الإجابة؟ من الجيران، صح؟ نعم، كان شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى إذا سأل طالبًا فأحس أن الإجابة ليست من عنده، قال: «من عندك أو من عند الجيران؟» يقول: «من عند الجيران»، فيقوم الشيخ مباشرة بتضعيفهم، لتضعيف الملقن والمتلقن. يقول: «يا إخواننا، فلان وفلان ضعيفان؛ لأن المحدثين كانوا يضعفون الشيخ الذي يتلقن، يحدث، يقف، يلقنه طلابه، يقول: نعم كذا وكذا، فكانوا يضعفون من كان هذا حاله، ولهذا يكتبون في تراجم بعض المحدثين: وكان يتلقن، هذا يدل على ضعفه، هذا يدل على ضعفه». إذن نعود لسؤالنا: «سيجعل لهم الرحمن ودًا». يا أبا أحمد، معناه؟ حب. نعم، محبة. «الود» والوداد، مر معنا أنه يعتبر مرتبة من مراتب المحبة، يجعل الله لهم محبة في قلوب الناس، وقبولًا عند الناس، وقبولًا عند الناس. وقوله: «وتمشي في مناكبها عزيزًا، وتجني الحمد مما قد غرست». وقوله: «وتمشي في مناكبها»، ما معنى «مناكبها»؟ ما معنى «مناكبها»؟ ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15]، يا أبا الفراء. قال: «وتمشي في مناكبها»، مناكب الأرض أي أرجائها، أي أرجائها. «تمشي عزيزًا» أي كريمًا بسبب طاعتك، وبسبب صلاحك، وبسبب ما قدمت من الإحسان والمعروف والمعروف. فربنا عز وجل يعز من يشاء بطاعته، ويذل من يشاء بمعصيته. فكما أن أهل المعاصي في ذلة، فأهل الطاعة هم في عزه. من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا، ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [المنافقون: 8]. قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: «قال: أي من كان يحب أن يكون عزيزًا في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله تعالى، فإنه يحصل له مقصوده، لأن الله تعالى مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعًا». وأطاع يا إخوان لها آثار عظيمة، ولها كذلك أيضًا آيات، ولها عواقب حميدة تعود على هذا الإنسان في نفسه وفي أهله وفي مجتمعه. فالطاعة يا إخوان دليل على محبة الله عز وجل لأهلها، كما في قوله عز وجل: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾، وهكذا في قوله في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل...» ماذا ماذا يا بطاهر؟ «حتى أحبه». أحسنت، «حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». قال العلماء: أي أنه يوفقه للخير، لا يسمع إلا خيرًا، ولا ينظر إلا إلى خير، وهكذا في بقية جوارحه. «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». انظروا، يعني ماذا؟ فائدة الطاعة والعبادة حين أن يقوم بها العبد لله تبارك وتعالى. وهكذا هي سبب لأن يرضى ربنا عز وجل عنه: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8]. زد على هذا أن الطاعة تعطي صاحبها نورًا، نورًا في الدنيا في وجهه، وهكذا أيضًا نورًا في الآخرة، نورًا في الآخرة. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: «إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق». ماذا نريد بعد هذا إذا كانت هذه بعض آثار الطاعة، وبعض آثار العمل الصالح الذي يوفق الله عز وجل له من شاء من خلقه وعبيده؟ وزد بعد هذا كله أنها سبب لدخول الجنة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: 40]. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن يوفق لفعل الطاعات واجتناب المحرمات، وممن يكرمهم ربنا عز وجل بدخول الجنان، ويعيذهم من النيران، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.