شرح القواعد المثلى  37

شرح القواعد المثلى 37

الدرس في شرح القواعد المثلى 37، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾ والرد على شبهة التحريف

يوضح المقطع شبهة أهل التعطيل التي تزعم أن الآية تدل على انتقال الله من الأرض إلى السماء، ويرد أهل السنة بأن المراد بالاستواء هو العلو والاستواء على السماء، وأن حرف (إلى) جاء بمعنى (على) كما رجح ابن جرير، مؤكدين أن علو الله صفة ذاتية لازمة لا فعلية.

وجهان في معنى الاستواء إلى السماء

يعرض المقطع قولين: الأول أن الاستواء بمعنى العلو والاستواء على السماوات بحمل (إلى) على (على) لتناوب حروف الجر، والثاني أنه بمعنى القصد التام والإقبال على خلق السماوات لتعدية الفعل بـ (إلى)، وينسب الأول لابن عباس والسلف والثاني لابن كثير والبغوي.

التضمن اللغوي في تفسير استوى إلى السماء ورد شبهة التحريف

يشرح المقطع مفهوم التضمن اللغوي حيث يأتي الفعل بمعنى فعل آخر يناسب حرف الجر، مستدلاً بقوله تعالى ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ حيث تضمن (يشرب) معنى (يروى) لتناسب الباء، وكذلك (استوى إلى) تضمن معنى القصد لتناسب (إلى)، مؤكداً أن هذا التفسير موافق للغة والشرع وليس تحريفاً.

اختتام الدرس وتأجيل الأمثلة المتبقية

أعلن المحاضر عن انتهاء حصة اليوم وقرر تأجيل المثالين الخامس والسادس إلى الدرس القادم لطولهما وحاجتهما لوقت كافٍ، وختم بالدعاء والتسليم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد، فلا يزال الشيخ العثيمين عليه رحمة الله يذكر بعض الشبه التي أوردها أهل التعطيل والتحريف على أهل السنة، وأنهم أولوها، فإما أن يوافقون على هذا التحريف، وإما أن يداهنوننا ويسكتون عنا. فذكر أربع أمثلة مما نُسب إلى الإمام أحمد، ولم يصح آخرها. ما أخذناه في الدرس الماضي وهو: «إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن». قال المؤلف رحمه الله: المثال الرابع: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾. وهذه الآية وردت في القرآن في موضعين: في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾، والآية الثانية في سورة فصلت: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. فما هو إراد أهل التحريف على أهل السنة؟ قالوا: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾ ظاهرها أنه كان نازلا في الأرض ثم صعد إلى السماء. فيقولون لأهل السنة: هل أنتم تقولون بهذا؟ أن الله قبل خلق السماوات والأرض كان في الأرض ثم صعد بعد خلق السماوات إلى السماء؟ فيقول أهل السنة: لا،حن لا نقول بهذا. فيقول أهل التحريف: إذن أنتم أولتم، صرفتم هذا اللفظ عن ظاهره. صرفتم هذا اللفظ عن ظاهره. والجواب: إما مجمل أو مفصل. فالمجمل: يقال: نحن ما نسلم لكم أن هذا تحريف. نحن لا نسلم لكم أن هذا تحريف، بل الآية ظاهرها خلاف ما فهمتم، كما سيأتي. ثم نقول لهم: هناك كذلك، كما هو في الوجه الثاني الذي ذكره الشيخ، دليل إما متصل أو منفصل يبين معنى هذا اللفظ، وسيأتي هذا في الرد المجمل إن شاء الله. قال: والجواب أن لأهل السنة في تفسيرها قولين. إذن هذا هو الرد الآن المفصل في هذه الآية: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾. لأهل السنة فيها قولان: أحدهما: أنها بمعنى ارتفع إلى السماء، وهو الذي رجحه ابن جرير. قال في تفسيره بعد أن ذكر الخلاف: «وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾: استوى عليها وارتفع، فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سماوات». فهنا «إلى» أتت بمعنى «على». ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني على السماء. فلا يلزم من ذلك أن يكون سبحانه وتعالى قبل أن يصعد أو قبل أن يستوي على السماء في الأرض. فالله عز وجل ليس كمثله شيء، فهو مع علوه، وعلوه من الصفات... من الصفات... هل هي الفعلية؟ لا. لا يزال سبحانه وتعالى وما يزال في علوه سبحانه وتعالى. طيب، فالعلو ليست صفة فعلية وإنما هي صفة ذاتية له سبحانه وتعالى. ثم يقال أيضا: رد آخر، إذا كان بهذا المعنى: استوى على السماوات، أي: على عليهن، وهو على العرش، ومن على على العرش فقد على على السماء. فالله سبحانه وتعالى نعم خلق السماوات والأرض وهو على عرشه سبحانه وتعالى مستوٍ، فالعرش فوق السماوات، فإذن هو على السماوات. صح؟ سبحانه وتعالى هو على السماوات. مع أن الشيخ ابن العثيمين ذكر أن هذا القول يعني ضعيف، تفسير ابن جرير، والصحيح ما سيأتي من القول الثاني في تفسيرها، وهو تفسير من تفسير ابن كثير. قال: وذكر البغوي في تفسيره قول ابن عباس وأكثر مفسري السلف، يعني هذا التفسير، ذكروا هذا التفسير، وذلك تمسكهم بظاهر «استوى» لأن عندهم «استوى» بمعنى «على» و«ارتفع»، ففسروا الاستواء هنا بالعلو، ففسروا الاستواء بالعلو، وتفويضا لعلم كيفية هذا الارتفاع، يعني لا أحد يعلم بكيفية هذا الارتفاع، فأخذوا بظاهر الآية، ولا يلزم من ذلك أنه كان في الأرض أو في السفل، ما يلزم ذلك. فالله عز وجل ليس كمثله شيء. مثال آخر: «ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا»، فأهل السنة يقولون: مع نزوله فهو مستوٍ على عرشه. فمن الذي يقول أن العلو على السماوات يلزم منه النزول قبل الاستواء؟ هذا من شبه الخالق بالمخلوق، من شبه الخالق بالمخلوق. أما من عظم الله حقه عظيمة فهو يؤمن بأن صفات الله عز وجل ليس كصفات المخلوق، فلا يشبه الخالق بالمخلوق. فالله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى. هذا رد وقول في تفسير الآية ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾: فسروا «إلى» بمعنى «على»، فهو من باب تناوب حروف الجر. قالوا: حروف الجر تتناوب. حروف الجر تتناوب كما قال الله عز وجل: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، هل معنى «في جذوع النخل» في ظرفية داخل النخل؟ لا، وإنما المراد على جذوع النخل، فـ «في» هنا أتت بمعنى «على». فحروف الجر تتناوب، و«إلى» هنا أتت بمعنى «على». ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني على السماء. ولا يلزم من علوه على السماوات أنه كان تحتها، بل هو مستوٍ على عرشه سبحانه وتعالى، ولما خلق السماوات والأرض فهو على السماء لأن العرش فوق السماء. هذا قول. القول الثاني: أن الاستواء بمعنى القصد التام. وما معنى القصد التام؟ يعني قصد قصدا تاما كاملا في خلق السماوات والأرض. ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾ فسواهن سبع سماوات، يعني قصد قصدا تاما في خلق السماوات والأرض. وهذا ليس تحريف، لأن له وجه في اللغة. أهل السنة ما يفسرون من تلقاء أنفسهم ومما تمليه عليهم عقولهم كما أهل التحريف، وإنما يرجعون في ذلك إلى اللغة. فيأتي الاستواء بمعنى القصد، كما مثل الشيخ هنا. قال: وإلى هذا القول ذهب ابن كثير في تفسير سورة البقرة، والبغوي في تفسير سورة فصلت. قال ابن كثير: «أي: قصد إلى السماء، والاستواء هنا ضمن معنى القصد والإقبال لأنه عدي بـ (إلى)». فالاستواء إذا كان بمعنى العلو ما يعدى بـ (إلى) وإنما يعدى بـ (على): استوى على العرش. طيب، لكن هنا جاء بـ (إلى)، جاء بحرف الجر (إلى)، فقالوا: ضمن معنى القصد لأن القصد يجر بـ (إلى): قصدت إلى كذا، ولا يقال: على كذا. فهو من باب التضمن. وما معنى التضمن؟ يعني الفعل ليس هو المراد، إنما مراد فعل آخر تضمنه هذا الفعل. وهذا أسلوب في اللغة يسمى التضمن. ومثلوا له كما سيأتي أيضا من كلام الشيخ بقول الله عز وجل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾. فالعين: هل يشرب بها أو يشرب منها؟ منها. لكن لماذا هنا جاء بـ (بها)؟ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ قالوا: لأن «يشرب» تضمن معنى فعل آخر وهو «يروى». يعني: شرب مع ارتواء، فيكون المعنى: عين يرتوي بها عباد الله يفجرونها تفجيرا. وهذا نفس الشيء: «استوى» هنا ضمن معنى فعل آخر وهو «القصد». يعني: قصد إلى السماء، قصد إلى السماء. لأن هذا يأتي في اللغة، يأتي الاستواء بمعنى القصد. وارجع إلى كتب اللغة تجد ذلك: أن من معاني الاستواء القصد. فإذا هذا له وجه في اللغة، فهل يعد تحريفا؟ لا، لا يعد تحريفا، لأن هذا بمقتضى الدليل، بمقتضى الدليل، بل قول المفسرين، ومنه ابن كثير عليه رحمة الله، والبغوي كذلك. وعلى هذا فلا إشكال في ذلك، لا إشكال في هذه الآية، وليس هذا من التحريف الذي يزعم أهل التحريف أن أهل السنة سلكوه. قال المؤلف: وهذا القول، يعني القول الثاني، ليس صرفا للكلام عن ظاهره. قال: وذلك لأن الفعل «استوى» اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء، لأن «إلى» من معانيها الغاية والانتهاء. فـ «استوى إلى السماء» يعني: قصد قصدا تاما، فانتهى أمره سبحانه وتعالى إلى خلق السماوات والأرض. فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: «اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء»، فانتقل إلى معنى يناسب الحرف المقرون به. ما هو هذا المعنى؟ القصد، ليس العلو. فهمتم هذا الآن؟ قال: ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ حيث كان معناها: «يروى بها» عباد الله، لأن الفعل «يشرب» اقترن بالباء: «يشرب بها»، فانتقل إلى معنى يناسبها وهو «يروى». فالفعل يضمن معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به. ألا إن الباء تناسب «يروى» لا تناسب «يشرب»، وكذلك «إلى» تناسب «القصد» لا تناسب «العلو». فهمتم هذا الآن؟ هذا معنى قوله: «حيث كان معناها يروى بها» أو «يروى بها» عباد الله، لأن الفعل «يشرب» اقترن بالباء، فانتقل إلى معنى يناسبها وهو «يروى». فالفعل يضمن معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام، يعني ليتفق الكلام. وهذا تغطيه اللغة، فلا مدخل لأهل التحريف في هذا الدليل، بل هو يعني دليل عليهم، ليس دليلا لهم، ليس دليلا لهم. فأهل السنة يدورون مع الدليل حيث دار، ويفسرون الأدلة بما تغطيه اللغة والسياق والمعنى، وهذا ليس من التحريف، وهذا ليس من التحريف. بخلاف أهل البدع والأهواء، فإن تحريفهم بمقتضى العقل، وإن خالف الشرع، وإن خالف الشرع. ولعلنا بهذا اليوم نكتفي، ونترك المثال الخامس والسادس في الدرس القادم لأنه طويل ويحتاج إلى وقت كاف، فنؤجل ذلك إن شاء الله إلى الدرس القادم، والله تعالى أعلم.