شرح تطهير الاعتقاد 25

الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 25، ألقاها

مقدمة في الكرامات وتمييزها

يناقش مفهوم الكرامات ويفرق بين الكرامات الحقيقية والكرامات الشيطانية، مشددًا على أهمية اتباع الكتاب والسنة في التمييز بينهما. يُوضح أن الولاية الحقيقية تكون بالإيمان والتقوى.

أفعال الجن والشياطين وتأثيرهم

يتناول أفعال الجن والشياطين وتشكلهم بأشكال مختلفة، ويشرح كيف يستغلون هذه القدرات لإغواء البشر. كما يذكر أمثلة من الأحاديث النبوية التي تثبت قدرتهم على التشكل والتأثير.

تمييز كرامات الأولياء عن مكر الشيطان

يتناول موضوع كرامات الأولياء وضرورة تمييزها عن مكر الشيطان، حيث يذكر أن بعض الظواهر الخارقة قد تكون من فعل الجن وليست كرامات حقيقية، ويشير إلى ارتباط كرامات الأولياء بالإيمان والتقوى.

ختام وختام الصلاة على النبي

ينهي النص بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبرًا عن احترام وتقدير له، ويشير إلى نهاية الحديث أو المقال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد بن أمير الصنعاني رحمه الله في كتابه «تطير الاعتقاد»: فإن قلت: إنه قد يتفق من هؤلاء الذين يلوكون لفظ الجلالة ويضيفون إليها أهل الخلاعة والبطالة خوارق، كطعن أنفسهم، وحملهم لمثل الحنش والحية، وأكلهم النار -يعني كانوا يقول: كيف يكون هؤلاء من أهل الباطل وهم تحصل لهم مثل هذه الأفعال، وهذه التي هي من خوارق العادات، كطعن أنفسهم ولا يضرهم ذلك، وحملهم للحيات ولا تضرهم، وهكذا أكلهم النار ولا يضرهم ذلك- قال: قلت: هذه أحوال شيطانية، وإنك لملبوس عليك إن ظننتها كرامات للأولياء؛ للأموات؛ لما هتف هذا الضال بأسمائهم وجعلهم أندادا وشركا، فهؤلاء الموتى أنت تفرض أنهم أولياء الله، فهل يرضى ولي الله أن يجعله المجذوب ندا لله وشريكا له؟ إن زعمت ذلك فقد جئت شيئا إدا، وصيرت هؤلاء الأموات مشركين، وأخرجتهم -وحاشاهم- عن دائرة الإسلام والدين، حيث جعلتهم أندادا لله راضين. وكون الإنسان صالحا ووليا من أولياء الله -والولي كل من كان لله جل وعلا مؤمنا تقي- ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، فكل مؤمن بالله جل وعلا تقي لله فهو ولي، ليس الولي صاحب القبة أو صاحب القبر، أو من لبس عمامة كبيرة، أو كذلك أيضا من أظهر بعض الأفعال التي هي من خوارق العادات، وزعم أنه بهذه الأفعال يكون وليا من أولياء الله، لا؛ الولي كل من كان مؤمنا تقيا. وكونه مؤمنا تقيا ولله ولي، ليس معنا أنك تدعوه من دون الله، وتعتقد فيه النفع والضر، وتستغيث به، وتصرف له أنواع العبادات؛ فهذه الولاية إن حصلت له فهو الذي ينتفع بها، والله عز وجل ما أمرك بدعاء الأولياء، ولا بالاستغاثة بهم، ولا بالتقرب إليهم بأنواع العبادات والطاعات، فإنك إن فعلت ذلك جعلتهم أندادا من دون الله جل وعلا، وجعلتهم شركاء لله في ربوبيته وألوهيته، وبهذا لا شك أنك تقع في ذنب عظيم، ألا وهو الشرك بالله جل وعلا، وجعلهم أندادا لله سبحانه وتعالى. قال: «أو تزعمون أن هذه كرامات لهؤلاء المجاذيب الضلال المشركين، التابعين لكل باطل، المنغمسين بين بحار الرذائل، الذين لا يسجدون لله تعالى سجدة، ولا يذكرون الله وحده؟» إن زعمت هذا فقد أثبت الكرامات للمشركين، وهدمت بذلك قواعد الدين؛ يعني إن زعمت أن هذه من الكرامات لهؤلاء الذين عرفوا بالشرك بالله جل وعلا، وفعل السحر والشعوذة، فهؤلاء أتباع للشيطان، وليس أتباعا للرحمن، وليس مراد المؤلف إنكار الكرامات؛ فأهل السنة والجماعة يثبتون الكرامات، وأن الله عز وجل قد يجري على يد عبده المؤمن بعض الأفعال التي هي من خوارق العادات كرامة لله جل وعلا لهذا العبد، لكن هذا يعرف باستقامة هذا الإنسان على دين الله جل وعلا، واتباعه لشرع الله، وتمسكه بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ فالعبرة بالنظر في حال من حصلت له الكرامة، إن علم وعرف منه الاستقامة على دين الله وشرعه، واتباعه للكتاب والسنة، فهذه كرامة، وإن كان من أهل الباطل والزيغ والضلال والانحراف والبدع والخرافات، ومن يقع في السحر والشعوذة، فهذا يعلم أن هذه أحوال شيطانية، وليست من الكرامات. ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: «وهكذا الليث، إذا رأيت الرجل يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، فلا تصدقه حتى ترى اتباعه للكتاب والسنة»؛ يعني إذا كان متبعا للكتاب والسنة فهذه كرامة، فعاد جعلها الله عز وجل، وإما إن كان مخالفا للكتاب والسنة، الشخص مضيع للصلوات، مرتكب للمحرمات، ثم يدعي أن هذه كرامة تحصل له، ويعلم من هذا أن هذه أحوال شيطانية، وأنها من أفعال الجن والاستعانة بهم. قال: «وإذا عرفت بطران الأمرين، علمت أن هذه أحوال شيطانية، يفعلها الشياطين لإخوانهم من هؤلاء الضالين، معاونة من الطرفين على إغواء العباد». وقد ثبت في الأحاديث أن الشياطين والجان يتشكلون بأشكال الحية والثعبان. نعم، وقد ثبت ذلك في عدة أحاديث، ومن أحاديث أبي سعيد رضي الله عنه في صحيح الإمام مسلم، وهكذا أيضا في قصة الرجل الصحابي الذي كان حديث عهد بعرس، فلما رجع إلى أهله وجد امرأته خارج البيت، فأخذته الغيرة، فرفع عليها سيفه أو رمحه، فقالت: لا تعجل، وانظر ما في داخل البيت، فنظر، فإذا حية ملتوية على الفراش، فضربها برمحه، قال الراوي: فلم ندري أيهما أعجل موتا؛ يعني قتلها فمات مباشرة، فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، أخبر أن هناك جماعة من الجن قد سكنوا المدينة، وكانت هذه الحية من الجن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ببعض الأحاديث في صحيح الجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الحيات تتشكل؛ يعني بشكل الحية والكلاب ونحوها. قال: «وهذا أمر مقطوع بوقوعه؛ يعني تشكل الجن بمثل هذه الحيوانات». قال: «أبهم الثعابين التي يشاهدها الإنسان في أيدي المجاذيب؛ يعني هؤلاء الذين يدعون الكرامات». قال: «وقد يكون ذلك من باب السحر، وهو أنواع؛ يعني السحر أنواع عديدة». وقد ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره في سورة البقرة، نقلا عن أبي عبد الله الرازي، ثمانية أنواع من أنواع السحر. قال: «وتعلمه ليس بالعسير، بل بابه الأعظم الكفر بالله، وإهانة ما عظمه الله تعالى؛ من جعل مصحف في كنيف -يعني حمام ونحوه-؛ يعني من هذه الأفعال الكفرية التي يتعلم بها السحرة السحر؛ من رمي المصحف في الحمام، والبول عليه، أو كتابة المصحف بدم الحيض، أو تمزيق المصحف، أو نحو هذه الأفعال الكفرية، حتى تميل إليه الشياطين، ثم يسجد لها حتى تقوم بطاعته». قال: «والشياطين أعظم عناية في إغواء العباد عن طرق الهداية والرشاد». وقد أخرج أبو بكر البزار في مسنده «البحر الزخار» عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: كنت مع أبي نريد النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كنا ببعض الطريق مررنا بحي، فبتنا فيه، فإذا الراعي قد جاء إلى أهل الحي يسعى، يقول: لست أرعى لكم؛ فإن الذئب يجيء كل ليلة يأخذ شاة من الغنم، والصنم ينظر ولا ينكر ولا يغير، قالوا: أقم علينا -أحسبه قال- حتى نأتيه، قال: فأتوه فتكلموا حوله، قال للراعي: أقم الليلة، قال: إني مقيم، قال أبي: أقيم الليلة حتى ننظر، فبتنا ليلتنا، حتى إذا كان صلاة الغداة -يعني الصبح- أقبل الراعي يشتد إلى أهل القرية، يقول لهم: البشرى، ألا ترون الذئب مربوطا بين الغنم بغير وثاق؛ يعني محبوسا من غير أن يكون فيه وثاق -يعني حبل- قال: فجاءوا وجئنا معهم، قال: فقال: نعم، هكذا فاصنع؛ يعني معنى أنه لما أتوا إلى الصنم وكلموه، لما جاء الذئب أمسكه وأوثقه من غير وثاق، قال: فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه أبي الحديث، فقال: «يتلعب بهم الشيطان» انتهى؛ يعني هذا من تلعب الشيطان بهم حتى يتعلقوا بهذا الصنم ويعتقدوا فيه، لكن هذا الحديث لا يصح؛ فهو من طريق أزهر بن سنان، وهو ضعيف. قال: «فإذا بلغ من الشيطان مثل هذا بأن يتمثل ذئبا ويعقد بين الغنم؛ ليتم إضلال العباد بعبادة الأوثان، لكن معناه صحيح، وأن الشيطان يفعل مثل ذلك، بل ما هو أعظم من ذلك حتى يضل العباد». قال: «فكيف يستنكر المؤمن الصادق في الإيمان أن يتلعب الشيطان بالقبوريين والمجاذيب، ويتصور ثعبانا يقلبونه في أيديهم، ونارا يأكلونها، وغير ذلك لمن صدق إيمانه ويقينه؟». وقد ذكر -وذكر ابن تيمية في كتابه «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان»- أنه يعرف من تخاطبه النبات بما فيها من المنافع؛ وإنما تخاطبه الشياطين التي دخلت فيها؛ يعني أن النبات ينطق، والذي يكلمه هو الجن، ليس النبات نفسه. قالوا: أعرف من يخاطبه الحجر والشجر، ويقول: «هنيئا لك يا ولي الله»، ويقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك. قالوا: أعرف من يقصد صيد الطير، فتخاطبه العصافير، وتقول: «صدني حتى يأكلني الفقراء»، ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الإنس، ويخاطبه بذلك. ومنهم من يكون في البيت مغلقا عليه، فيرى نفسه خارجه، وبالعكس، وهو لم يفتح؛ يعني أن البيت مغلق، وبالعكس معناه: يكون في خارج البيت، في نفسه داخل البيت، وهذا من فعل الجن، وهذا من فعل الجن، ليس بأمر عجيب أو غريب أن يحصل مثل ذلك. وأذكر أن بعض إخواننا ذكر لنا في منطقة في سقطرة، في مسجد من المساجد، ذكروا موضعا في المسجد، أن من بات فيه يجد نفسه في خارج المسجد، ففعل ذلك أحد الشباب، فبات في هذا الموضع، فلما أصبح وجد نفسه خارج المسجد، وكان هذا الموضع الظهر أن هناك جماعة من الجن يصلون فيه، ولا يرضون أحدا أن يجلس فيه، فمثل هذا يعني شيء قد يحصل. قال: «وكذلك في أبواب المدينة، وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة». قال: «ويرونه أنوارا، ويحضر عنده من يطلبه، ويكون ذلك من الشياطين يتصورون بصورة صاحبه؛ يعني بصورة الشخص من الناس». ومن ذلك بعض الأموات الذين ربما يقول بعض الأحياء: يقول: «رأيت فلانا خرج من القبر وجلس معي، أو صافحني»، وهو الجن، جن تمثل بصورته حتى يضله. قال: «وأعرف من يخاطبه مخاطب، ويقول: أنا من أمر الله، ويعده أنه المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني مهدي أهل السنة، المهدي المنتظر». قال: «ويظهر له الخوارق، مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في الهواء، والمواشي، فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير والجراد يمينا وشمالا ذهب حيث أراد، وإذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي أو نومه أو ذهابه حصل ما أراد من غير حركة منه في الظاهر». قال: «وتحمله إلى مكة، وتأتي به، وتأتيه بأشخاص في صور جميلة، وتقول له: هذه الملائكة الكروبيون أرادوا زيارتك، والملائكة الكروبيون ذكروا في حديث، لكنه لا يصح». قال: «فيقول في نفسه: كيف تصوروا بصورة المردان؟ فيرفع رأسه فيجدهم بلحة، وكله من مكر الشيطان». وهذا باب لو ذكرت ما أعرف منه لاحتاج إلى مجلد كبير. وقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾؛ زجر وتنبيه على أنه ليس كل من حصلت له نعمة دنيوية تعد كرامة، وأن الله أكرمه بها، ولا كل من قدر عليه رزقه يكون مهينا له بذلك؛ بل هو سبحانه يبتلي عبده بالسراء والضراء، فقد يعطي النعم الدنيوية من لا يحبه، ولا هو كريم عنده؛ ليستدرجه بذلك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتم الله عز وجل يعطي العبد على معاصيه، فاعلموا أنه استدراج». قال: «وقد يحمي منها من يحبه ويواليه؛ لئلا تنقص بذلك مرتبته عنده؛ يعني قد يضيق ربنا جل وعلا على بعض عباده من أهل التقوى والصلاح والعلم، محبة منه جل وعلا له، حتى لا تغريه الدنيا، أو تصده، أو تبعده عن طاعة الله جل وعلا، أو يفعل بسببها ما يكرهه منه». وأيضا كرامات الأولياء لا بد أن يكون سببها الإيمان والتقوى. طيب، هذا الموضع إن شاء الله نقرأه في الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا، صلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على