شرح تطهير الاعتقاد 14

الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 14، ألقاها

حكم الجهل بالشرك وأثره على الكفر

يناقش حكم من يجهل أن عمله يعتبر شركًا، ويوضح أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر حتى وإن لم يقصد معناها. يُقدم أمثلة توضح الفرق بين القصد وعدم القصد في الكفر.

دعوة غير الله وآثارها على التوحيد

يناقش حكم من يدعو غير الله مع الله، ويبين أن الدعاء هو عبادة، ومن يدعو غير الله يكون مشركا. يُوضح أن من وقع في الشرك بعد إسلامه يعتبر مرتدا إذا أقيمت عليه الحجة.

وجوب إقامة الحجة على المشركين ودعوتهم إلى التوحيد

يشرح وجوب دعوة المشركين إلى التوحيد وإقامة الحجة عليهم، فإن رجعوا حقنت دماؤهم وأموالهم، وإن أبوا قاتلوا حتى يكون الدين كله لله. يُؤكد على أهمية الدعوة والجهاد في سبيل الله.

تحذير من الشرك بجميع أشكاله

يحذر من الشرك بجميع أشكاله، ويؤكد على عدم التفريق بين أنواعه. يُنهي بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشددًا على خطورة الشرك وأهمية الثبات على التوحيد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد بن أمير صنعاني رحمه الله في كتابه "تطهير الاعتقاد": إن قلت هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه، يعني ما مر ذكره من فعل القبوريين عند من يعظمونهم، فيدعونهم ويستغيثون بهم، ويطوفون بقبورهم، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، إلى آخر ذلك من أنواع العبادات التي يفعلونها عندها. إذا قلت إنهم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه، يعني يجهلون أن هذا من الشرك، فكأنه يقول هل يعذرون بذلك؟ قال: قلت قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد معناها. من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد معناها، إذا كان يعلم أن هذا محرم، لكن لا يعلم أنه يوصله إلى الكفر، فإنه يكفر بذلك. نعم، أما إن تكلم بكلمة الكفر غير قاصد لها، غير قاصد لها، فجرت على لسانه من غير قصد، هذا يعذر ولا يكفر بذلك، كما في حديث الرجل الذي أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام أنه ضاعت عليه ناقته، وفيها زاده، فلما وجدها قال من شدة الفرح: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك". هذه الكلمة كفر، لكن قالها من غير قصد، جرت على لسانه من غير قصد، فلم يكفر بذلك. ومثله إذا كان الإنسان حاكياً للكفر، فإنه لا يكفر، إذا قال مثلاً: من قال كذا فهو كافر، أو كفر، وهو يحكي لفظ الكفر ولا يقصده، فهذا لا يكفر، بخلاف من قاله قاصداً، فإنه يكفر بذلك، وإن لم يقصد المعنى، أو كان لا يعلم أن هذا يؤدي به إلى الكفر، فإنه يكفر بذلك. ومثله من استهزأ بشيء من الدين، وهو لا يعلم أن الاستهزاء يوصل بصاحبه إلى الكفر، فإنه يكفر، كما في قصة أولئك الذين استهزأوا بنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة تبوك، فقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أكذب ألسناً، ولا أكثر أكلاً، أو أشبع بطوناً، ولا أجبن عند اللقاء. فنزلت الآيات في تكفيرهم: "قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا، قد كفرتم بعد إيمانكم". ومثله من ارتكب الزنا مثلاً، زنا وهو يعلم أن الزنا حرام، لكن ما يعلم أن الزاني إذا زنا وهو محصن أنه يرجم بالحجارة، فهل يسقط عنه الحد؟ الجواب: لا، ما يسقط عنه، ما دام يعلم أنه حرام، فلا عذر له في ذلك، ويقام عليه الحد، بخلاف لو كان يجهل تحريم الزنا، هذا يعذر بجهله. وهكذا يقال فيمن تكلم بكلمة الكفر، فإنه يكفر، وإن لم يقصد معناها. قالوا: هذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام، يعني هؤلاء الجهل من أمثال هؤلاء من القبوريين. قال: ولا ما هي التوحيد، يعني حقيقة التوحيد الذي هي إفراد الله بالعبادة، ونبذ الشرك بجميع أنواعه، وعدم صرف شيء من العبادات لغير الله جل وعلا. قال: فصاروا حينئذ كفارا كفرا أصليا. هكذا قال رحمه الله: أن أمثال هؤلاء الذين ما عرفوا التوحيد وأشركوا في عبادة الله جل وعلا، مع قولهم "لا إله إلا الله"، فإنهم لم يوحدوا الله بذلك، وهم ما زالوا على الكفر. فلم يكونوا من أهل الإسلام، فهم كفار، كما قال: كفار أصليون، يعني لم يسلموا أبدا. وهذا القول فيه نظر، ولهذا نبه بعض أهل العلم على هذه العبارة من المؤلف رحمه الله، كالشيخ عبداللطيف عبدالرحمن آل الشيخ في رسالته "مصباح الظلام في الرد على من كذب أو كذب على الشيخ الإمام"، كما ذكر المحقق حفظه الله، وبيّن في كلامه أن أمثال هؤلاء من القبوريين الذين يدعون غير الله ويستغيثون بغير الله، ويذبحون لغير الله، ويصرفون العبادات لغير الله جل وعلا، فهؤلاء تقام عليهم الحجة، فإذا بلغتهم الحجة وأصروا على بقاء على ما هم عليه، فهنا يحكم عليهم بالكفر والردة، ولا يكونوا كفاراً أصليين. ونبه على عبارة الإمام الصنعاني رحمه الله في هذا الموضع، وأن هذا لا يوافق عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، أن هؤلاء المشركين لم يسلموا في الأصل، هذا ليس بصحيح، بل هم أسلموا، لكن وقعوا في الشرك من جانب آخر. وهكذا أيضاً نقل عن الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله في قوله بأنهم كفار أصليون، فأجاب رحمه الله بأنهم مرتدون عن الإسلام، إذا قيمت عليهم الحجة، ومن كان جاهلاً فقد يعذر بجهله، لكن ما يكون كافر كفراً أصلياً، من دخل في الإسلام ونطق بالشهادتين وانتسب إليه، فهو في الظاهر مسلم، فإن كان عنده أفعال شركية وأفعال كفرية، هنا تقام عليه الحجة، فإن أقيمت عليه حكم عليه بعد ذلك بالكفر والردة، لكن لا يكون كافراً كفراً أصلياً كما قال المؤلف رحمه الله. قال: فإن الله تعالى قد فرض على عباده إفراده بالعبادة، أن لا تعبدوا، وإخلاصها، وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين. فالله عز وجل أمر عباده أن يفردوه بالعبادة، أن لا تعبدوا إلا الله، وهذا معنى "لا إله إلا الله"، أي لا معبود بحق إلا الله جل وعلا. وهذا هو التوحيد الذي يجب على كل عبد تحقيقه لله جل وعلا، وأن يخلص العبادة لله، فلا يقصد بعمله ولا بقوله ولا بفعله غير الله جل وعلا. قال: ومن نادى الله ليلاً أو نهاراً، أو سراً أو جهاراً، أو خوفاً أو طمعاً، ثم نادى معه غيره، فقد أشرك في العبادة، ولو فعل ذلك في سائر أوقاته، وفي سائر أحواله، وفي سائر عمره، يدعو الله جل وعلا ويتقرب إليه بالعبادة، ويدعو غيره معه، فهو مشرك في عبادة الله جل وعلا. قال: فإن الدعاء من العبادة، وقد سماه الله تعالى عبادة في قوله: "إن الذين يستكبرون عن عبادتي"، بعد قوله: "ادعوني أستجب لكم". فسمى الله جل وعلا الدعاء عبادة. قال: وقال جل وعلا: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي"، أي عن دعائي. فسمى الدعاء عبادة. وهكذا مثله قول الله جل وعلا عن إبراهيم عليه السلام: "وأعتزلكم وما تدعون من دون الله، وأدعو ربي، عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقية". فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، فسمى دعاءهم عبادة. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "الدعاء هو العبادة"، كما جاء عند أبي داود والترمذي من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما. فسمى النبي عليه الصلاة والسلام الدعاء عبادة، بل جعل العبادة كأنه تكون منحصرة بالدعاء. فإذا كان الأمر كذلك، فمن دعا غير الله جل وعلا، فقد صرف العبادة لغير الله، ومن صرف العبادة لغير الله، فقد وقع في الشرك، من صرف العبادة لغير الله، فقد وقع في الشرك في عبادة الله جل وعلا. قال: فإن قلتها، فإذا كانوا مشركين، وجب جهادهم، والسلوك فيهم ما سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشركين، يعني في قتالهم واستباحة دمائهم وأموالهم، حتى يرجعوا إلى دين الإسلام، إما أن يرجعوا فيعصموا، تعصم دماؤهم وأموالهم، وإما أن يبقوا على ما هم عليه، فيقاتلوا حتى يكون الدين كله لله. قال: قلت: إلى هذا ذهب طائفة من أئمة العلم، فقالوا: يجب أولاً دعاؤهم إلى التوحيد، وإبانة أن ما يعتقدونه لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عنهم من الله شيئا، وأنهم أمثالهم، يعني هؤلاء الذين يتقربون إليهم بأنواع الطاعات والعبادات، هم مثلهم بشر. "إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم، فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين". كيف يعقل أن إنسان يدعو من هو مثله، ويتقرب إليه بأنواع الطاعات والقربات، وهو لا يملك لنفسه شيئا؟ قالوا: إن هذا الاعتقاد منهم فيهم شرك، لا يتم الإيمان بما جاءت به الرسل إلا بتركه والتوبة منه، وإفراد التوحيد اعتقادا وعملا لله تعالى. وهذا يدل على أن المؤلف رحمه الله يعذر بالجهل، ولهذا قال أولاً: يدعون إلى التوحيد، وتقام عليهم الحجة، ويبين لهم أن ما يفعلونه من الشرك في عبادة الله، وأنه لا يجوز، وأن الواجب إفراد الله جل وعلا بالعبادة، هذا قبل قتالهم. قالوا: هذا واجب على العلماء بيان أن ذلك الاعتقاد الذي تفرعت عنه النذور والنحائر والطواف بالقبور، شرك محرم، وأنه عين ما كان يفعله المشركون لأصنامهم، يعني من تقربهم إليهم بهذه الطاعات والقربات من الذبح والنذر والطواف إلى آخره. وفعلهم هذا أوقعهم في الكفر، وكفرهم الله جل وعلا، واستباح النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم وأموالهم. قال: فإذا أبانته العلماء للأئمة والملوك، وجب على الأئمة والملوك بعث دعاة إلى إخلاص التوحيد، فمن رجع وأقر، حقن عليه دمه وماله وذراريه، يعني النساء والأطفال، لأنه إذا رجع وتاب، حينئذ كان معصوم الدم والمال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم". قال: ومن أصر، فقد أباح الله منه ما أباحه لرسوله صلى الله عليه وسلم من المشركين، يعني من قتالهم وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم. ولا فرق بين أولئك المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، وبين هؤلاء المتأخرين الذين يعبدون القبور والمشاهد والأولياء. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على