الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 15، ألقاها
يناقش المقطع الاستغاثة بغير الله ويفرق بين الجائزة والممنوعة. الاستغاثة الجائزة تكون بالحي الحاضر القادر.
طلب الدعاء من الصالحين الحي الحاضر جائز ولكن الأولى تركه، مع الاستدلال بأحاديث نبوية وآيات قرآنية. يُفرق بين طلب الدعاء من الأحياء والأموات.
يُحذر من صرف العبادة لغير الله ويُوضح أن طلب الدعاء من الأموات أو الأحياء الذين لا يملكون نفعًا شرك بالله. التقرب إلى الأولياء بالقبور يعد صرفًا للعبادة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد بن الأمير الصنعاني رحمه الله في كتابه "تطهير الاعتقاد": فإن قلت: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث، فإنه قد صح أن العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وينتهون إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد اعتذار كل واحد من الأنبياء، فهذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر. يعني إذا ادعى القبوريون واستدلوا باستغاثة الناس يوم القيامة بالأنبياء على جواز الاستغاثة بغير الله جل وعلا على جهة الإطلاق، والاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة واردة في الأحاديث، وثبتت في الأحاديث الصحيحة، كما في الصحيحين من حديث أنس، وكذلك أيضا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في إخباره عليه الصلاة والسلام بما يقع للناس من شدة وكرب في الموقف، فيأتون الأنبياء يطلبون منهم أن يشفعوا لهم عند الله جل وعلا، فكل يقول: نفسي، نفسي، حتى يأتون النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول: أنا لها، فيسجد تحت العرش، ويفتح الله عز وجل عليه من المحامد ما لم يكن يعلمه من قبل، فيقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فإذا استدل بهذا الحديث على جواز الاستغاثة بغير الله، بدعاء الأموات ودعاء من في القبور ودعاء الأولياء الصالحين، واستغاثة بهم، فالجواب: قلت: هذا تلبيس، فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا ينكرها أحد، فهذا النوع من الاستغاثة الذي يحصل للناس يوم القيامة هي من النوع الجائز، هي من النوع الجائز، هو أن تستغيث بحي حاضر قادر في شيء يقدر عليه، هذا جائز، أن تقول لشخص: يا فلان أغثني، مثلا غرقت في البحر، وعندك من يحسن السباحة، وهو حاضر قادر، تقول: أغثني، هذا جائز، أراد عدو أن يصيبك بسوء أو يعتدي عليك، وعندك من يستطيع الدفاع عنك، وتقول: أغثني، هذا جائز، فهذا حي حاضر قادر، شيء في استطاعته وقدرته، فهذا النوع جائز. ونحن إنما ننكر الاستغاثة الممنوعة، وهي التي تكون بالغائب أو بالميت أو بالحي الحاضر في شيء لا يستطيع له، وليس في قدرته، فهذا هو الممنوع، والاستغاثة التي ننكرها. قال: وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾، وهذه استغاثة جائزة. قال: وإنما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم، وطلب أمور لا يقدر عليها إلا الله تعالى، من عافية المريض وغيرها. بل أعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم من الأحياء من أتباع من يعتقدون فيه قد يجعلون له حصة من الولد إن عاش، يعني يجعلون له نصيبا من هذا الولد إذا عاش ولم يمت، فله نصفه أو ثلثه أو نحو ذلك. قالوا: يشترون منه الحملة في بطن أمه ليعيش لهم، يعني يجعلون له مال صدقة لهذا الولي حتى يعيش هذا الولد. قالوا: يأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون، يعني الأوائل ما فعلوا مثل فعلهم. قالوا: لقد أخبرني بعض من يتولى قبض ما ينذر القبوريون لبعض أهل القبور، أنه جاءه إنسان بدراهم وحلية نسائية، يعني مما تتحلى به النساء من الذهب أو الفضة، قال: وقال: هذه لسيده فلان، يريد صاحب القبر، نصف مهر ابنتي لأني زوجتها، وكنت ملكت نصف مهرها فلانا، وهذا من النذور الشركية. قال: يريد صاحب القبر، وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام. نعم، استغاثة العباد يوم القيامة، وطلبهم من الأنبياء أن يدعوا الله تعالى ليفصل بين العباد بالحساب حتى يريحهم من هول الموقف، وهذا لا شك في جوازه، أعني طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض، يعني أن تقول لشخص من الناس من أهل الخير والصلاح: يا فلان ادع الله لي، هذا جائز. قال: بل قد قال صلى الله عليه وسلم: لكن لا يكون أيضا على سبيل الديدان في كل وقت وفي كل حين، تسأل فلانا يدعو لك، تسأل فلانا يدعو لك، لا يكون في، يعني في الناذر أو عند الحاجة. قال: بل قد قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه لما خرج معتمرا: "لا تنسنا يا أخي من دعائك"، والحديث رواه أبو داود وغيره، وهو من طريق عاصم بن عبيد الله العمري، وعاصم بن عبيد الله العمري قال فيه البخاري: منكر الحديث، وحصلت كذلك منه مخالفة لبعض الرواة، فالحديث لا يصح بهذا اللفظ، ويغني عنه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بفضل أويس القرني، وأن من لقيه فليسأله أن يدعو له. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لقيه منكم فليسأله أن يدعو له"، والحديث صحيح، هو في صحيح الإمام مسلم. وهذا يدل على جواز السؤال الدعاء من الرجل الصالح الحي الحاضر، وإن كان الأولى ترك ذلك، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، مع كون الأصل الجواز. قال: وأمرنا الله تعالى أن ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم، والله عز وجل يقول: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾، فهذا دعاء للمؤمنين بالمغفرة والرحمة. قال: وقد قالت أم سليم رضي الله عنها: يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له، والحديث في الصحيحين، أتت بأنس رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله، خادمك أنس، وكان أنس بن مالك يخدم النبي عليه الصلاة والسلام وخدمه عشر سنين، ادع الله له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده". فالشاهد أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، وما أنكر عليها النبي عليه الصلاة والسلام، بل استجاب لدعائها، ودعا الله جل وعلا له، ولو كان سؤال الحي الحاضر الدعاء منكر أو لا يجوز، لأنكر عليها النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون الدعاء منه صلى الله عليه وسلم وهو حي، وفي هذا أحاديث متعددة، من حديث علي بن عباس في قصة المرأة التي كانت تصرع وتتكشف، فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك"، قالت: أصبر، ولكن ادع الله لي ألا أتكشف، يعني عند الصرع، فدعا لها. وهكذا أيضا لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن جماعة من أهل الإيمان، سبعون ألفا، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قال عكاشة: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "أنت منهم"، والحديث في الصحيحين. قالوا: هذا أمر متفق على جوازه. والكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، أن يشفوا مرضاهم، ويردوا غائبهم، وينفسوا عن حبلاهم، وأن يسقوا زرعهم، ويدروا ضروع مواشيهم، يعني يجعلونها مليئة باللبن، قال: ويحفظوها من العين ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها أحد إلا الله تعالى. ومثل هذه الأمور لا تطلب إلا من الله، لأن الإنسان ما يستطيع ولا قدرة له على فعل مثل هذه الأمور وتحصيل مثل هذه المطالب، فسؤال الإنسان للحي الحاضر مثل ذلك هذا من الشرك، فضلا أن يكون ميتا أو غائبا، فهذا من الشرك بلا شك ولا ريب، وهو من صرف الدعاء لغير الله، وصرف العبادة لغير الله جل وعلا. قال: فكيف يطلب من الجماد أو من حي الجماد خير من الجماد كالشجر والحجر، أو حي الجماد خير منه؟ لماذا؟ لأن الجماد ما عصى الله عز وجل، لم يعص الله جل وعلا، وهؤلاء الأحياء الذين يسألونهم قد عرفوا بالفسق، بترك الصلوات وارتكاب الفواحش والمحرمات، ويزعمون أنهم أولياء لله جل وعلا، ثم يأتي يدعوهم ويسألهم، فالجماد خير منهم الذي لم يعص الله عز وجل خير من من عصاه. قال: لأنه لا تكليف عليه، يعني الجماد غير مكلف، بخلاف هؤلاء، هم مكلفون، ومع ذلك يزعمون بسقوط التكليف عليهم، ويدعي أحدهم أنه قد بلغ درجة اليقين، فيترك الصلاة والصيام وسائر الفرائض والواجبات، ويرتكب المحرمات بزعم أنه أصبح غير مكلف. قال: وهذا شيء ما فعله المشركون في عبادة الأصنام، وهذه بعينها العبادة، يعني التقرب إلى هؤلاء الأولياء ولهذه القبور والمشاهد، طلب الحاجات منهم، والذبح والنذر إلى آخره، كل هذا من صرف العبادة لغير الله جل وعلا، وهو من الشرك في عبادة الله جل وعلا. إلى هنا نقف بهذا القدر، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.