شرح عقيدة السلف للصابوني 43

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 43، ألقاها

تعريف الإيمان لغة وشرعاً عند أهل السنة

الإيمان هو قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويشمل النطق بالشهادتين واعتقاد معناهما. هناك تعاريف متعددة للإيمان في الشرع تتفق في الجوهر.

تفاصيل مكونات الإيمان وزيادته ونقصانه

الإيمان يشمل قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ويزيد بالطاعات مثل الصلاة في جماعة، وينقص بالمعاصي. هناك اختلاف في التعبير عن الإيمان بين أهل السنة والجماعة.

أثر الأعمال على الإيمان

الطاعة تزيد الإيمان والمعصية تنقصه، وهذا المبدأ يشكل أساسًا لفهم تأثير الأفعال على حالة الإيمان. القيام بالطاعات واجتناب المعاصي يؤثران إيجابًا على الإيمان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله في كتابه «عقيدة السلف أصحاب الحديث»: «قال: ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية». وقوله رحمه الله تعالى: «ومن مذهب أهل السنة»، ومن عقيدة أهل السنة والجماعة؛ لأن المذهب هو ما يذهب إليه الإنسان من عقائد، أو يعني سواء كان في المسائل العلمية أو المسائل العملية. ولذا قال رحمه الله تعالى: «ومن» أي من جملة ما يذهب إليه أهل الحديث، أهل السنة والجماعة: أنهم يعتقدون ويقولون ويقرون بأن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهذا كما سمعتم محل إجماع بين السلف، بين الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان من أهل السنة والجماعة؛ من أن الإيمان قول وعمل. وقول أهل السنة والجماعة، وذكر أهل السنة والجماعة لهذا الباب هاهنا؛ لما وقع في هذا الباب، كغيره من أبواب الاعتقاد، من النزاع بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم من المخالفين. وهذا الباب كغيره من أبواب الدين الذي وقع فيه الناس بين إفراط وتفريط ووسط؛ فمنهم من غلا في مسائل الإيمان، فجعل كل عمل ركنا، ومن ترك شيئا من الأعمال كفر أو لم يكن مؤمنا، كما هو قول الخوارج والمعتزلة. وفي الطرف الآخر من قال: بأن الإنسان لو ترك الأعمال كلها ظاهرها وباطنها؛ بأنه يكون مؤمنا، بل ويتبجح بعضهم فيقول: بأن العاصي إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل عليهما السلام. والحق وسط بين الجافي فيه وبين الجافي عنه والغال فيه، كالوادي بين جبلين، بين جبل الإفراط وجبل التفريط، وهو ما عليه أهل الحق، أهل السنة والجماعة الذين يصدق فيهم قول الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، فهم عدول خيار؛ لأنهم يستقون عقائدهم من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. لذا فالإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل؛ الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، والقول ينقسم إلى قسمين: إلى قول القلب وقول اللسان. قول القلب اعتقاده، وقول اللسان النطق بلا إله إلا الله. وعمل كذلك عمل القلب وعمل الجوارح؛ عمل القلب وهو إخلاصه وخشيته وتوكله وإنابته وتعظيمه ومحبته لله رب العالمين جل وعلا، ونحو ذلك. وعمل الجوارح وعمل الجوارح ما يقوم به الإنسان بجوارحه من الأعمال الظاهرة، من صلاة، ومن زكاة، ومن حج، ومن جهاد، إلى غير ذلك من الأعمال الظاهرة. هذه من الإيمان، ويدخل فيها كذلك ما يحصل باللسان من العمل، من تلاوة للقرآن، من تسبيح وتهليل وذكر، هذا أيضا من عمل الجوارح. فأهل السنة والجماعة يقولون: بأن الإيمان قول وعمل، وكما سمعتم القول يتضمن قول القلب وقول اللسان، ولا يكون إيمان إلا بهما، لا يكون إيمان إلا بهما؛ إلا بقول اللسان، أي أن ينطق من كان قادرا على النطق بلا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله؛ بهذا يثبت له الإيمان ظاهرا، ولا يثبت له الإيمان الباطن والحقيقي إلا أن يعتقد معنى هذه الكلمة التي نطق بها: لا إله إلا الله. وهذا من الفوارق بين أهل السنة والجماعة، أو قل من الفوارق بين أهل الإيمان وبين أهل النفاق؛ أهل النفاق يقولون: لا إله إلا الله بألسنتهم، ولا يعتقدون ما نطقت به ألسنتهم؛ لذا سموا بالمنافقين؛ لأنهم أبطنوا غير ما أظهروا. كذلك بالنسبة للعمل، من أظهر عملا من أعمال الجوارح، وقلبه خال من عمل الباطن، من محبة الله وتعظيمه وخشيته وتوكله والخوف منه وتعظيمه وإجلاله؛ هذا كذلك منافق، ومن أعمال المنافقين؛ لأنه عامل كأعمال المنافقين، يظهرون شيئا من الأعمال ويبطنون خلافها. المنافقون ربما صلوا مع المصلين، لكن كيف قلوبهم؟ قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، هل يصلون لله؟ لا، يراءون الناس، ولا يذكرون الله إلا قليلا، قلوبهم خاوية فارغة من محبة الله وتعظيمه وخشيته وإنابته والإنابة إليه؛ فيظهرون أعمالا مراءاة، فهذا منافق، من يتصنع ذلك. فعقيدة أهل السنة والجماعة، وهي العقيدة الإسلامية الحقيقية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم: أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص؛ الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص؛ يزيد بطاعة الرحمن جل وعلا، وينقص بمعصية الرحمن جل وعلا. وهذا معتقد أهل السنة والجماعة في هذا الباب. ومن قال من أهل السنة والجماعة، كما هو قول الإمام أبي عثمان الصابوني رحمه الله تعالى عندنا هاهنا: أن الإيمان قول وعمل ومعرفة؛ أي زاد لفظ المعرفة، هذا لا ينافي ما تقدم ذكره. ولكن الأئمة رحمهم الله تعالى ربما عبر كل إنسان بتعبير يرى أنه أغفله بعض الناس، فيحتاج إلى إظهار ذلك الشيء الذي قد يكون أغفله أو غفل عنه أو تغافل عنه بعض الناس، فيذكره لأجل البيان. لذا نجد في بعض كلام الأئمة رحمهم الله تعالى أنه يكتفي بقوله: الإيمان قول وعمل، وهذا أكثر؛ لو نظرنا في كلام الأئمة المتقدمين وجدنا كلامهم لا يتعدى هذا إلا القليل؛ تجدوا كلام الأئمة المتقدمين: الإيمان قول وعمل. وسيأتي معنا شيء من ذلك في هذا الكتاب. وبعضهم يزيدهم، مثل ما ذكره رحمه الله تعالى هنا لفظة «معرفة» زيادة في المعنى. ومنهم من يضيف فيقول: قول وعمل ونية. وهذا كذلك زيادة في توضيح هذا التعريف وتجلية لما قد يغفل عنه أو يتغافل عنه بعض الناس. وبعضهم يزيد فيقول: الإيمان قول وعمل ونية وسنة؛ يزيد «سنة». وهذا كذلك يريد أن يبين أن العمل لابد أن يكون موافقا لهدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهذا هو حقيقة الأمر لمن قال: بأن الإيمان قول وعمل. فإذن الأقوال بالنسبة لأهل السنة والجماعة لا خلاف بينهم في ذلك، وإنما هو اختلاف في التعبير، اختلاف في اللفظ؛ أما المعنى فالمعنى هو المعنى، لا خلاف بينهم من أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. لذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: وقد سئل -كما في «السنة» للخلال رحمه الله تعالى- بما يتخلص الإنسان من الإرجاء؟ يعني متى يخلص الإنسان من الإرجاء ويكون من أهل السنة والجماعة، مؤمنا بإيمان أهل السنة والجماعة، معتقدا بعقيدة أهل السنة والجماعة؟ فقال رحمه الله تعالى: «من قال: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص؛ فقد برئ من وصمة الإرجاء». برئ من وصمة الإرجاء؛ فهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة: قول وعمل، ويزيد وينقص. ومن دان الله جل وعلا بهذه العقيدة فهو على عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد برئ من وصمة الإرجاء. قوله رحمه الله تعالى: «ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان...». الإيمان في اللغة: الإيمان في اللغة عند كثير من العلماء بمعنى التصديق، بل نقل بعضهم الاتفاق على ذلك: من أن الإيمان في اللغة بمعنى التصديق. والصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ثم من بعده تلميذه ابن القيم -رحمهم الله تعالى جميعا-: أن الإيمان لغة هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد؛ أما التصديق المجرد، فليس هو في اللغة يطابق معنى الإيمان تماما، وإنما هو من معاني الإيمان في اللغة. ورد الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على من قال: إن الإيمان هو التصديق فحسب، من وجوه كثيرة. فالصواب الذي ذكره الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الإيمان في اللغة هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، لا بد من هذا أو من هذين الأمرين: مستلزم للطاعة والانقياد. وهو كذلك في الشرع، على ما تقدم ذكره، له تعاريف كثيرة. وكما سمعتم كل يعبر بتعبير، وذلك التعبير لا يخالف التعبير الآخر، وإنما هي تعابير لمعنى واحد. فكما سمعتم من أهل السنة من يقول: بأن الإيمان هو قول وعمل، ومقصوده من ذلك أن القول قولان: كما تقدم، والعمل عملان: عمل القلب والجوارح، قول القلب والجوارح. ومنهم من يزيد، ومنهم من يزيد كما سمعتم: قول وعمل وسنة، قول وعمل ونية، وما شابه ذلك. والتعريف الجامع -أو قل المفصل- لهذه التعبيرات، والجامع لها: ما ذكره كذلك الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو كذلك مذكور عن غيره من الأئمة رحمهم الله: «أن الإيمان شرعا هو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية». فهو قول باللسان، أي بالنطق بشهادة أن لا إله إلا الله، هذا هو الأصل، وهو قول اللسان. وعمل اللسان ما يقوم به اللسان من عمل، من تلاوة للقرآن، من تسبيح، من تهليل، من تكبير، من أمر بمعروف، نهي عن منكر، من دعوة إلى الله، من تعليم؛ هذا كله من عمل اللسان. واعتقاد بالجنان، وهذا قول القلب، اعتقاد بالجنان، قول القلب. وما زاد على ذلك من الأعمال فهي أعمال القلب: محبة، تعظيم، خشية، إنابة، توكل؛ هذه من أعمال القلب، من أعمال القلب. واعتقاد بالجنان، يزيد بماذا؟ قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان؛ عمل لابد أن يكون العمل ظاهرا وباطنا كما تقدم؛ عمل الظاهر كما تقدم: من صلاة، من صيام، من حج، وغيرها من الأعمال الظاهرة. وعمل الباطن ما يكون في باطن العبد، أي في قلبه، من الأعمال التي هي من لوازم الإيمان، ومن حقيقة الإيمان: عمل القلب، من محبة لله رب العالمين جل وعلا، وإجلال لله رب العالمين جل وعلا، وتعظيم لله جل وعلا، وخوف ورجاء، وكذلك توكل، إنابة، رهبة، رغبة؛ كل هذا من أعمال القلوب. وتزيد بالطاعة، أي كلما عمل الإنسان الطاعة كلما ازداد بها إيمانه؛ سواء كانت تلك الطاعة بعمل القلب أو بعمل الجوارح. بعمل القلب: أن يزداد مثلا توكله على الله جل وعلا، محبته لله جل وعلا، خوفه من الله جل وعلا، تعظيمه لله جل وعلا؛ هذه من أعمال القلوب، وكلما ازدادت في قلب العبد كلما ازداد إيمانه. وكذلك أعمال الجوارح: ازداد في طاعة الله جل وعلا، في المحافظة على الفرائض، وأتبعها بالرواتب والنوافل المشروعة؛ هذا يزداد إيمانه بماذا؟ بتلك الأعمال. فهو يزداد بالطاعة، وينقص بالمعصية؛ كذلك ينقص بالمعصية. لو أن إنسانا ترك ما أوجبه الله جل وعلا عليه من الأوامر، من الأوامر التي يكون بتركها عاص لله جل وعلا؛ ينقص إيمانه. فلو أنه مثلا ترك الصلاة في جماعة في بيوت الله جل وعلا؛ ينقص إيمانه. أو فعل معصية من المعاصي؛ كذلك ينقص إيمانه بحسب تلك المعصية التي يعصي بها ربه جل وعلا. فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. نكتفي بهذا القدر في هذه الليلة، وإلى درس آخر بإذن الله جل وعلا. إلى هنا: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على