شرح كتاب لم الدر المنثور 39

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 39، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

فضل طلب الحديث وخطر تقلب النية

يبرز المقطع فضل طلب الحديث والسنة كما ورد عن سفيان الثوري ووكيع بن الجراح، محذراً من تقلب النية لطلب الدنيا بدلاً من الآخرة. ويبين أن الشهرة والمال ابتلاء يمتحن الله به صدق العالم، فيجب عليه التواضع والإخلاص لله وحده ليقبل عمله.

شرط إخلاص النية في طلب العلم والحديث

يُبيّن المقطع أن طلب العلم والحديث من أفضل العبادات بشرط إخلاص النية لله وتقواه، محذراً من طلبه للرياء والسمعة مستدلاً بحديث أول من تسعر بهم النار. ويؤكد أن العلم فريضة لتصحيح العبادة على وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فالموافقة للشرع شرط قبول العمل.

ضرورة طلب العلم في حياة المسلم وفضله على النافلة

يؤكد المقطع أن طلب العلم من أفضل القربات، ويشبه حاجة المسلم للعلم النافع بحاجته للماء والطعام بل أشد لسعادة الدارين. ويستشهد بقول ابن القيم ووكيع بن الجراح بتفضيل طلب العلم والحديث على صلاة النافلة، مع التنبيه أن الفرائض مقدمة لا تترك.

توجيه الإمام مالك لفضل طلب العلم على النوافل

يُبيّن المقطع أن الإمام مالك وجّه من قام لصلاة النافلة أثناء مجلس العلم إلى الجلوس، مبينًا أن طلب العلم النافع أفضل من النوافل إذا خيف فواته. ويختم الدرس بالتسبيح والاستغفار خاتمةً للمجلس العلمي.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال المؤلف وفقه الله: في الباب التاسع عشر من الدر المنثور «الرفعة والنجاة في تعلم السنة وطلب الحديث»، وذكر في الباب عددًا من الآثار، وأيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي». وقال سفيان الثوري رحمه الله - وسفيان بن سعيد بن مسروق أمير المؤمنين في الحديث، وسفيان أفضل من شعبة، وهو جبل من جبال الحفظ -: «ما شيء أخوف عندي من الحديث، وما شيء أفضل منه»، يعني: طلب الحديث لمن أراد ما عند الله عز وجل. وهذا يبين أن العلماء رحمهم الله، كما أنهم يحبون طلب حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فهم كذلك يخافون؛ لأن الحديث فأخذه ليس بالأمر الهين، والعمل به كذلك ليس بالأمر الهين، فهو حجة، حجة على من أخذ حديث النبي عليه الصلاة والسلام وعلمه ولم يعمل به، سيكون عليه حجة يوم القيامة. وكما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «والقرآن حجة لك أو عليك». أيضًا التحري ليس بالأمر السهل، تحري حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه هذا مما قاله، فيحتاج إلى تدقيق في الرجال، فلذلك قال: «ما شيء أخوف عندي من الحديث، وما شيء أفضل منه لمن أراد الله عز وجل». وقال وكيع بن الجراح: حتى قال: «إن النية تتقلب»، يعني: طالب العلم ربما نيته تتقلب، فيأتي يطلب العلم يريد وجه الله والدار الآخرة، ثم تتقلب نيته بعد ذلك، فيكون ما حصل من العلم النافع ربما يريد به شيئًا من أغراض الدنيا، فهذا يحصل ممن طلب العلم وصار من العلماء، أو صار من المشايخ والنجباء، فإذا هو بعد ذلك أموال تأتيه منها هنا وهنا، فينقلب من الاستقامة إلى الانحراف، هذا كثير يحصل. فأنت تطلب العلم تبتغي وجه الله سبحانه وتعالى، وإذا تقلبت عليك نيتك فاستعد بالله، إذا تقلبت عليك نيتك وجاءتك الأموال أو شيء من حظوظ الدنيا، فدعها لله سبحانه وتعالى، ولا شك أن الخير سيأتيك، سيأتيك من كل مكان، فهذا من الابتلاء، يبتلي الله سبحانه وتعالى عباده ليرى سبحانه وتعالى صدقهم في التزامهم واستقامتهم، ومن غير ذلك، لهذا أنت تحذر، فهذا باب طلب العلم والنبوغ فيه، وربما تبتلى بالشهرة، فتكون أحد المشهورين الذي يشار إليه بالبنان كما يقال، فلا تعجب بنفسك، فتحاول أن تتواضع لله سبحانه وتعالى وتترك حظوظ هذه النفس، لأن الإنسان إذا ابتغى ما عند الله سبحانه وتعالى بالدنيا، فإنه أضر بعمله، يعني: يريد ذلك أن يحصل له، ولكنه لا يخلص لله سبحانه وتعالى، فيضر بالأعمال الصالحة التي عملها في طلبه للعلم. وقال وكيع بن الجراح رحمه الله: «ما عبد الله بشيء أفضل من الحديث». صدق رحمه الله، وكيع كان آية في الحفظ، تُقال: بعض العلماء العلماء كان حفظه طبعًا، حفظ وكيع طبعًا، وحفظ تكلف، يعني: فطبعًا أنه يحفظ. قال: «ما عبد الله بشيء أفضل من الحديث»، يعني: من طلبه ومن العمل به؛ لأنه نور، والسنة نزلت تبين ما في كتاب الله سبحانه وتعالى وتفسره، فبعض الآيات فيها إجمال، فتأتي السنة فتبينها، وبعض الآيات فيها إطلاق، فتأتي السنة فتقيدها، وبعض الآيات فيها عموم، فتأتي السنة فتخصصها، فلذلك: ما عبد الله بشيء أفضل من الحديث؛ لأنك إذا عبدت الله بقول النبي صلى الله عليه وسلم فعبادتك صحيحة، وعبادتك مع الإخلاص مقبولة؛ لأن شرطي قبول العمل الصالح: أن يكون خالصًا لوجه الله، وأن يكون موافقًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بشر بن الحارث الحافي رحمه الله، وبشر أحد الزهاد العباد، وقد كان يجله الإمام أحمد رحمه الله: «لا أعلم على وجه الأرض عملًا أفضل من طلب العلم والحديث لمن اتقى الله وحسنت نيته فيه». هذا هو الأمر، هذا هو المطلوب: أن يتقي الله في طلبه للعلم، وأن تحسن نيته، يعني: يطلبه لله سبحانه وتعالى ليرفع الجهل عن نفسه، ما يطلبه لكي يقال: عالم، أو يقرأ القرآن ويصير من حفظته ومن المجودين له ليقال: قارئ. وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة رجل قرأ القرآن، فجيء به، فعرفه الله نعمه، وبعد ذلك: ماذا عملت في هذه النعم؟ قال: قرأت القرآن فيك، يقال له: كذبت، إنما قرأت ليقال: قارئ، وقد قيل»، ثم يؤمر به فيسحب على وجهه إلى النار. وفي رواية: «العالم، كذبت، ليقال: عالم». فأنت تخاف على نفسك، لا تطلب العلم لأجل أن يقال: عالم، لأجل أن يقال: قارئ، لا تطلب العلم لأجل أن تشتهر، لأجل أن يقال: مبرز، لأجل أن يقال: ويقال، فهذا محبط للعمل. فأنت تطلب العلم تبتغي به وجه الله سبحانه وتعالى، تطلب العلم لكي تعبد الله عبادة صحيحة، تطلب العلم ترفع الجهل عن نفسك، وكذلك تكون نيتك معه أيضًا نفع المسلمين، نفع المسلمين إذا آتاك الله سبحانه وتعالى من فضله، أن تكون نيتك رفع الجهل عن المسلمين، فتؤجر على ذلك إذا كانت هذه النية، قال: «لمن حسنت نيته»، تتقي الله سبحانه وتعالى وتحسن النية في الطلب، فلا شيء أفضل من طلبك للعلم، من أفضل العبادات. طالب ماذا؟ العلم، وهو فريضة، فريضة كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن المسلم مأمور أن يصحح عبادته على وفق الشرع، فيصلي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كما رأيتموني أصلي»، وهكذا أيضًا: «خذوا عني مناسككم»، فلا بد أن يعلم ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في هذه العبادة حتى تكون مقبولة، فلذلك شرط الموافقة والمتابعة للنبي عليه الصلاة والسلام مطلوبة في جميع العبادات، في جميع العبادات، وتنظر ماذا فعل عليه الصلاة والسلام في عباداته وفي معاملاته حتى تصح تلك العبادة وتلك المعاملة. فطلب العلم من أفضل القربات إلى الله سبحانه وتعالى، لا تستهن بهذا، طلب العلم من أفضل القربات، ومن أفضل الأعمال لله سبحانه وتعالى، بل بعضهم يقول: أفضل شيء هو أن تطلب العلم وتتفقه في دين الله عز وجل وتتنور وتعلم حديث نبيك عليه الصلاة والسلام، فتصبح من الذين قبلت أعمالهم بسبب أنك عملت عبادة صحيحة، أنك عملت عبادة صحيحة، وأن لك ذلك أن تعلم عبادة النبي عليه الصلاة والسلام أقوالًا وأفعالًا، إلا بالجلوس، جلوس في حلقات العلم، أو كذلك بالمتابعة والقراءة في كتب العلماء، إن كان عندك متسع، أو تسمع للأشرطة، تسمع لتلك الدروس في بيتك وأنت في بيتك عبر الإذاعة أو نحو ذلك، فأنت تستفيد من هذا، أو بسؤال أهل العلم، إذا أهمك أمر لا بد أن تسأل أهل العلم قبل أن تفعله، فلذلك العلم مطلوب، يسير في حياتنا ويمشي في حياتنا كما الماء، مثل الماء، حاجتنا للماء والطعام والشراب، أيضًا حاجة المسلم للعلم النافع كحاجته لذلك، بل هو أشد؛ لأن بالعلم سعادة في الدنيا والآخرة، سعادة الدارين في الدنيا والآخرة، كما قال ابن القيم: «ولا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل»، قاله في الزاد: «إلا على أيدي الرسل». هنا تعلم اضطرار العباد، ضرورة، ضرورة ملحة إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، العباد مضطرون، مثل الذي يضطر في الفلاة إلى أكل ميتة، يعني: تضطر إلى أكل شيء وأنت ما تريده لكن لتنجو، فكيف تفعل؟ لا بد أن تأكل هذه الميتة لكي تعيش، فلذلك أنت لكي تنجو من النار يوم القيامة لا بد ضرورة أن تعلم ما جاء به الرسول، لأن ما جاء به الرسول هو فيه نجاتك يوم القيامة، تريد أن تعيش حياة سعيدة في هذه الدنيا، فاعلم أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام هو في سعادتك في الدنيا، فالسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة مرتبطة بعلمنا بما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وعملنا به. وقال وكيع رحمه الله: «لو أعلم أن الصلاة أفضل من الحديث ما حدثته». قال المؤلف: وهذا إنما أراد صلاة التطوع، للفريضة، للفريضة، أراد بذلك صلاة النوافل، أيهما أفضل: أن تتعلم العلم وتنتفع بالعلم، أم أن تصلي وتترك العلم؟ تصلي صلاة نافلة، تتنفل مثلًا في الليل أو في النهار، فالأفضل هو طلبك للعلم، فلذلك قال: «لو أعلم أن الصلاة أفضل»، يعني: صلاة النافلة من الحديث ما حدثته، ولكنه علم أن الحديث أفضل من صلاة النافلة، فلربما أحيانًا ما يصلي صلاة النافلة، أما الفرائض فهي مفروضة، لا يسعى أحد من الناس أن يتركها، فريضة هذه فريضة اسمها فريضة، لا يقصد أنه يترك الفرائض ليحدث الناس، لا، بل يفعل الفرائض، لكن ربما ما يسعفه الوقت لأن يصلي مثلًا بعض النوافل، ولكن ينشغل بالتحديث، فهذا عنده أفضل، ولو علم أن النوافل أفضل من التحديث فعل النوافل. فالعالم هكذا يرى ما فيه الخير للأمة، فربما يأتيه من يحب أن يحدث فيطلب الحديث، حتى الإمام مالك رحمه الله تعالى لما صلى بعض الفرائض وجلس ليحدث الناس، قام بعضهم ليصلي النافلة، يصلي الراتبة مثلًا، قام بعضهم، فلما انتهى قال له الإمام مالك: «ما الذي قمت له أفضل مما ستجلس إليه»، يعني: العلم أفضل من هذه النافلة، العلم أفضل من هذه النافلة، بهذا تحرص على العلم النافع، فإذا كان هناك نوافل لا بأس أن تؤجلها إذا كان سيفوتك العلم، سيفوتك العلم. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.