الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 59، ألقاها
يعتقد أهل السنة والجماعة أنهم لا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل الجنة أو النار إلا بدليل من الله أو رسوله. يستثنون من مات على معاصي دون حكم من الله أو رسوله.
الاستثناء في الإيمان جائز باعتبارات معينة مثل الكمال والعواقب، ولكن لا يجوز باعتبار أصل الإيمان. أهل السنة يشهدون لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة على وجه العموم.
المؤمنون الذين يرتكبون المعاصي قد يعاقبون في النار لفترة ثم يدخلون الجنة، بينما الكفار يدخلون النار ولا يخرجون منها. بين الأئمة مثل ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية حكم المسألة في كتبهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في قول الإمام أبي عثمان الصابوني رحمه الله: «ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة، لا يدر أحد بما يختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار أيضًا، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار». هذا العموم له استثناءات كما سيأتي معنى ذكرها بإذن الله جل وعلا. بمعنى: ولا يحكمون على أحد مات من أهل القبلة ولو كان على معاصي، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار. وأما من عينه الله جل وعلا أو رسوله صلى الله عليه وسلم وحكم عليه بأنه من أهل النار، فإنه يحكم عليه بذلك، كما سيأتي معنى ذلك بإذن الله جل وعلا. فقوله: «ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة»، يقال: إلا ما دل الدليل على أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار إلا ما دل الدليل على أنه من أهل النار. وهذا سيأتي بيانه في كلام الإمام رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: «لأن ذلك مغيب عنهم»، أي: أن هذا الأمر من أمور الغيب، وأمور الغيب الأصل أن المسلم لا يخوض فيها ولا يتكلم فيها إلا بعلم. فإذا جاءه علم من الله جل وعلا، جاءه برهان من الله جل وعلا، تكلم به. وأما إذا لم يكن عنده علم، فلا يجوز له أن يتكلم بغير علم. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فلا يجوز للإنسان أن يتكلم في أمر من أمور الشرع، وفي أمر من أمور الغيب بغير علم؛ لأنه يكون بذلك متقوّلا على الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «لأن ذلك مغيب عنهم، لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان، أعلى إسلام أم على كفر؟ الله أعلم بخواتيم أعمال العباد، الله جل وعلا أعلم بمن يختم الله جل وعلا بالخير، ومن يختم له بغير ذلك، إلى الله جل وعلا علم ذلك». قال: «ولذلك يقولون»، أي: أهل السنة والجماعة، «ولذلك يقولون»، هذا تعليلٌ لِحُكْمٍ ما هو؟ قال: «ولذلك يقولون: إنا مؤمنون إن شاء الله»، أي: أن أهل السنة والجماعة يقولون: «نحن مؤمنون إن شاء الله»، لأجل ما تقدم ذكره، أي: الله أعلم بمن يختم لهم على الإيمان، والله أعلم بمن يختم له على غير الإيمان، الله أعلم. نحن مؤمنون إن شاء الله. قال: أي: «ولذلك يقولون: إن مؤمنون إن شاء الله»، أي: من المؤمنين الذين يختم لهم بخير إن شاء الله. وهذه المسألة يسميها العلماء رحمهم الله تعالى «مسألة الاستثناء في الإيمان». هذه المسألة يلقبها العلماء الأئمة رحمهم الله تعالى، يلقبونها ويصفونها بـ«مسألة الاستثناء بالإيمان». وهذه مسألة كغيرها من المسائل، وقع فيها خلاف. هل يجوز الاستثناء في الإيمان أم لا يجوز؟ فمنهم من قال: بأنهم لا يجوز الاستثناء في الإيمان. لماذا؟ قال: إن ذلك شك في الإيمان؛ لأن ذلك شك. لو قال إنسان: «أنا مؤمن إن شاء الله»، فكأنه شك في إيمانه، والشك في الإيمان لا يجوز. لذا قالوا: يحرم الاستثناء في الإيمان. وطائفة أخرى أوجبوا الاستثناء في الإيمان، بناء على أن الإنسان لا يجوز له أن يزكي نفسه بأن يقول: «أنا مؤمن»، ولكن يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله»؛ لأن في قوله: «أنا مؤمن» دون أن يقول: «إن شاء الله»، تزكية لنفسه. لذا أوجبوا الاستثناء. والحق وسط بين هؤلاء وهؤلاء، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة في هذا الباب: أن الاستثناء يجوز باعتبار، ولا يجوز باعتبار آخر. فيجوز الاستثناء باعتبارات منها: أن يقصد باستثنائه ذلك ما يختم له به من إيمان، فيقول: «أنا مؤمن إن شاء الله»، مثل ما ذكر هذا الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى ها هنا، فيقول: «أنا مؤمن إن شاء الله»، أي: إن شاء الله يختم الله جل وعلا لي بالإيمان. وأيضًا من الاعتبارات الجائزة: أن يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله»، ويريد بذلك أنه من أهل الإيمان الذي يسأل الله جل وعلا أن يوفقه إلى العمل بمقتضى ذلك الإيمان، فيقول: «أنا من أهل الإيمان إن شاء الله» الذي يعمل بما يسأل الله جل وعلا له، ولا أزعم ولا أدعي الإيمان الكامل المتقبل، فيقول: «أنا مؤمن إن شاء الله»، ويقصد بذلك أنه يرجو من الله جل وعلا أن يتقبل عمله، أنا مؤمن إن شاء الله. وذكرت معاني أخرى، هذا جائز. وأما الممنوع الذي لا يجوز: هو أن يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله» باعتبار أصل الإيمان، والتيقن بالإيمان، بأمور الإيمان. هل أنت مؤمن؟ يقول: «إن شاء الله»، باعتبار ماذا؟ أصل الإيمان، لا باعتبار الكمال، لا باعتبار ما فيه من معنى العواقب، لكن باعتبار ماذا؟ أصل الإيمان. هذا لا يجوز؛ لأنه شك في ماذا؟ شك في الإيمان، والشك في الإيمان لا يجوز. إنسان إذا سأله إنسان: «أنت مؤمن؟» أراد مؤمن كامل الإيمان، يقول: «إن شاء الله». لكن لو سأله: «أنت كافر أو مسلم؟ أنت كافر أو مؤمن؟» هنا ما يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله»، ولكن يقول: «أنا مؤمن، لست بكافر». يعني الإيمان الذي في مقابل الكفر، لا يجوز فيه ماذا؟ الاستثناء الذي سمي بماذا؟ بأصل الإيمان. لكن الاستثناء في كمال الإيمان، في عواقب الأمور، في الإيمان المتقبل، هذا يستثنى، هذا يستثنى. قال رحمه الله تعالى: «ويشهدون لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة»، يشهدون لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة، أي: على وجه العموم، أي: على وجه العموم. من مات من أهل الإسلام على الإيمان، فيقال: هو من أهل الجنة على وجه العموم، لا على وجه التعيين. يعني لا يقال: زيد مات على الإيمان فهو من أهل الجنة، عمر مات على الإيمان هو من أهل الجنة. ولكن يقال ماذا؟ يقال: كل مؤمن مات على الإيمان فهو من أهل الجنة. ودخوله إلى الجنة إما أن يكون دخولاً أوليًا، وإما أن يكون دخولاً مآليًا. إن عذبه الله جل وعلا بذنوبه، إن كان من أهل الذنوب والكبائر التي لم يتب إلى الله جل وعلا منها، وعاقبه الله جل وعلا بها. إذن كل مؤمن على وجه العموم هو من ماذا؟ من أهل الجنة؛ لأن الناس يوم القيامة على فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. منهم من هو من أهل السعادة، ومن هو من أهل الشقاوة. منهم من هو من أهل الجنة الذين هم أهلها، ومنهم من هو من أهل النار ممن هم أهلها. ليس هناك صنف ثالث وسط بين هؤلاء وهؤلاء، ولكن أهل جنة وأهل نار. فكل مؤمن مصيرهم إلى الجنة. ودخوله إلى الجنة إما أن يدخل الجنة دخولاً أوليًا كالأنبياء، كالمبشرين بالجنة، كالصالحين الذين يدخلهم الله جل وعلا الجنة، كالسبعين ألفًا الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يدخلون الجنة، كغيرهم مما جاء الخبر بأنهم من أهل الجنة، من الصديقين، من الشهداء، من الصالحين. هؤلاء كلهم من أهل الجنة. وكذلك المؤمن أو المؤمنون الذين فعلوا ما فعلوا من المعاصي، منهم من يدخلهم الله جل وعلا الجنة بفضله وكرمه وبعفوه بمشيئته. ومنهم من إذا عذبه الله جل وعلا بذنبه بمعصيته، فإنه لا يخلد في النار، بل يخرج منها إلى الجنة؛ إذ أن النار مأوى الكافرين، ليست هي مأوى المؤمنين. ولكن إذا أدخل الله جل وعلا أهل المعاصي من أهل الإيمان، يدخلهم يعذبهم ربنا تبارك وتعالى بحسب ذنوبهم مدة، ثم مصيرهم إلى الجنة ولا محالة، ما دام عندهم الإيمان المنجي من التخليد في النار، فإن مآلهم ومصيرهم إلى الجنة ولا محالة، كما جاءت الأخبار في ذلك من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد تقدم شيء منها عند الكلام على مسائل الشفاعة. قال رحمه الله تعالى: «ويشهدون لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة، فإن الذين سبق القضاء عليهم من الله يعذبون بالنار مدة لذنوبهم التي اكتسبوها ولم يتوبوا منها، فإنهم يردون أخيرًا إلى الجنة، ولا يبقى أحد في النار من المسلمين، فضلا من الله ومنه». فأهل الإيمان كما تقدم: منهم من يدخله الله جل وعلا الجنة دخولاً أوليًا، ومنهم من يدخله الله جل وعلا الجنة دخولاً مآليًا، مآله إلى الجنة، ولو أدخله الله جل وعلا النار بسبب ذنبه؛ لأن كل مؤمن هو من أهل الجنة. كل مؤمن هو من أهل الجنة. قالوا: «من مات والعياذ بالله على الكفر، فما رده إلى النار، لا ينج منها، ولا يكون لمقامه فيها منتهى». وهذا أيضًا: كل كافر هو في النار والعياذ بالله. ومن مات على الكفر يقينًا، وقد أقيمت عليه الحجة، فإنه كافر، ويحكم عليه بأنه من أهل النار. بل جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا مررتم بقبور المشركين فبشروهم بالنار». يبشر بالنار والعياذ بالله. فأهل الكفر، أهل الإشراك، ممن مات على الكفر والإشراك، وقد بلغته الحجة، فإنه يكون من أهل النار الذين هم أهلها، من أهل النار الذين هم أهلها. قد يقول قائل: من لم تبلغه الحجة لأمر أو لآخر، إما أنهم في بعض البلاد النائية، ما سمع قط بالإسلام، ومات وهو لا يدري ما الإسلام، وما محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يدري ما القرآن، مات على ما كان عليه من دين الآباء، مثلا لا يعلم الإسلام. فهذا يحكم عليه بأنه من أهل الجنة، أو يحكم عليه بأنه من أهل النار؟ الجواب: أن من كان قبل بعثة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ممن كان من أهل الفترة، ممن لم يأتيهم رسول، وما علموا بدين يقربهم إلى الله جل وعلا قط، ما وصلتهم دعوى قط. فهؤلاء إن كانوا على هذا الوصف، فإنهم يمتحنون يوم القيامة. يمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع الله أدخله الله جل وعلا الجنة، ومن عصى الله جل وعلا أدخله الله النار، كما جاء ذلك في حديث الأسود بن سريع عند الإمام الترمذي وغيره، بإسناد صحيح. صححه العلامة الألباني، وكذلك شيخنا العلامة الوادعي رحمهم الله تعالى جميعًا. وكذلك من كان هذا حاله بعد بعثة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، من كان هذا حاله بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، لم يسمع قط بالإسلام، لم يسمع قط بنبي اسمه محمد صلى الله عليه وسلم، لم يسمع قط بقرآن، لم تبلغه الدعوة قط. فمثل هذا أيضًا يعامل معاملة أهل الفترة، يكون حكمه حكم أهل الفترة، أي: أنه يمتحن يوم القيامة، كما جاء معنى ذلك في حديث الأسود بن سريع رضي الله عنه وأرضاه. وقد بسط القول وبيّن حكم هذه المسألة تفصيلاً العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه في آخر كتاب طريق الهجرتين، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه، وكذلك غيرهم من الأئمة رحمهم الله تعالى، بيّنوا حكم هذه المسألة في مواضع من كتبهم، رضي الله عنهم ورحمهم الله. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.