الدرس في شرح مسائل الجاهلية 49، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بتعريف الإلحاد في الصفات والأسماء الإلهية، مبينًا الفرق بين الأسماء والصفات ومعرفًا الإلحاد لغة وشرعًا. يستدل على ذلك من القرآن الكريم وآثار العلماء.
يشرح المقطع الإلحاد في أسماء الله وصفاته كالعدول عن الحق الثابت فيها، ويبين حكم من ألحد في ذلك، معتبرًا إياه كافرًا إلا إذا وقع بسبب شبهة فيعتبر مبتدعًا.
يستدل بآية فصلت لبيان إلحاد أهل الجاهلية في صفة العلم لله، حيث اعتقدوا أن الله لا يعلم الكثير مما يُستر به، ويؤكد أن الله يعلم كل شيء.
يختتم الدرس بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن القول، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثامنة والثلاثون، الإلحاد في الصفات، كقوله تعالى: ﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون﴾. قال: التاسعة والثلاثون، الإلحاد في الأسماء، كقوله تعالى: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾. هذه الفقرات، إخواني في الله، الفقرة الثامنة والثلاثين والتاسعة والثلاثين، من أهل العلم من أدمجها في فقرة واحدة، كما فعل ذلك الآلوسي رحمه الله تعالى في شرحه لعظيم الرابطة التي تربط بين الأسماء والصفات، فالمؤدى واحد، إلا أن المؤلف رحمه الله تعالى وصاحب التصنيف فارق بينهما، وجعل كل واحدة منهما على حدة. فقال رحمه الله تعالى: الثامنة والثلاثون، الإلحاد في الصفات، ثم جعل التاسعة والثلاثين، الإلحاد في الأسماء. والأسماء والصفات من المسائل التي تشتبه كثيرًا على بعض الناس، وهناك عدة فروق تفرق بين الأسماء والصفات. فمن ذلكم أن الأسماء هو كل ما دل على ذات، وعلى الصفات المتعلقة بها، مثل من أسماء الله عز وجل: القدير، الحكيم، العليم، فهذه أسماء دلت على ذات، وأيضًا دلت على الصفات التي تعلقت بهذه الذات. فالعليم دلت على ذات، ودلت كذلك على صفة العلم، وهكذا الحكيم دلت على ذات، ودلت على صفة الحكمة. فهذه الأسماء هي ما دلت على ذات، وعلى الصفات المتعلقة بهذه الذات. وأما الصفات، فهي نعوت الكمال المتعلقة بالذات، كالعلم والقدرة والرحمة، فتلاحظ، عبد الله، أن الأسماء دلت على أمرين: الأسماء دلت على ذات، وعلى صفات. وهذا الذي يعبر به بعضهم: الأسماء أعلام وأوصاف، وأما الصفة، فقد دلت على أمر واحد. ومن هنا يقول علماء في باب العقيدة: بأن الأسماء تتضمن صفة، وأما الصفة، فيتضمن الإسم. الإسم يتضمن للصفة، فإن الأسماء مع دلالتها على الذات، فهي كذلك متضمنة لإثبات الصفات. وأما الصفة، فإنها تستلزم الإسم. قال رحمه الله تعالى: الثامن والثلاثون، الإلحاد في الصفات. هنا، كما قلنا، الصفات، الألف واللام هنا، كما يقول علماء، للعهد الذهني، أي الصفات المعهودة والثابتة لله جل وعلا. فالكلام ينصب حول هذه الصفات، وهي صفات الله جل وعلا. قال: الإلحاد في الصفات. الإلحاد، أصلها: الحد يلحد إلحادًا. الحد يلحد إلحادًا. والقاعدة عند أهل الصرف والصرفيين: أن الفعل إذا كان مبدوءًا بهمزة، فإن عند صياغته للمضارع، فإن الهمزة تحذف، ويؤتى بحرف المضارعة مضمومًا. وما معنى إلحاد؟ الإلحاد في لغة العرب، تأتي بمعنى الميل، والصرف، والعدول عن الشيء. فالميل من معاني إلحاد. وهنا يعبر، وهذا معروف فيما يتعلق في القبور، يسمى لحد في القبر. هناك شق، وعندي لحد. الشق ما كان في وسط القبر، أما اللحد، ما كان هي الحفرة في جانب القبر. فلماذا سميت هذه الحفرة الجانبية لحدًا؟ سميت بذلك؛ لأنها مالت، فخروجها عن الأصل، وعن المسار الذي ينبغي أن تسير عليه، سمي هذا لحدًا. وحتى يسمى الزنديق، ويسمى من خرج عن الدين ملحدًا؛ لأنه مال عن الدين، وعدل عن تدين عن الشريعة. فالإلحاد في لغة العرب، بمعنى الميل، وتجد تصرفات هذه الكلمة تدور على هذا المعنى. ويهمنا في هذا الباب، هو ما يتعلق بمعنى الإلحاد عند العلماء شرعًا. له عدة تعاريف، من ذلك ما عرفه ابن القيم رحمه الله تعالى، قال: الإلحاد هو العدول بأسماء الله وصفاته عن الحق الثابت. العدول بأسماء الله وصفاته عن الحق الثابت. هذا معنى إلحاد الأسماء والصفات، لها حق ثابت ينبغي أن تمضى عليه، وهو إمرارها كما جاءت. فعليك يا عبد الله، أنك تثبت اللفظ كما دل عليه الشرع، وأيضًا تؤمن بالمعنى المراد من هذا اللفظ، كذلك تثبته. كما أثبتت اللفظ، تثبت المعنى، وزيادة على ذلك، أنك تنفي كل معنى باطل، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فإثباتك للفظ مع إثباتك للمعنى، كذلك يتطلب منك أن تنفي كل ما كان فيه باطلًا لهذه للمعنى والإسم. كذلك فتنفي عن الله جل وعلا، عن أسمائه وصفاته، التمثيل، والتعطيل، والتكييف، والتحريف، والتأويل الباطل. كل ذلك ينفى. قوله جل وعلا: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، تؤمن أولًا بلفظ الاستواء، وتؤمن كذلك بالمعنى، بأنه استوى جل في علاه. ومع إثبات اللفظ، إثبات المعنى، فإنك تنفي المعاني الباطلة. فلا تقول: إن نستوى بمعنى استولى. فإذا فعلت ذلك، فأنت الذي قد آمنت بهذا الباب، هو أي خلل يقع منك إزاء الأسماء والصفات، فهو إلحاد. فلو أن رجلًا مثلًا أثبت اللفظ، وترك إثبات المعنى، فهذا ملحد. وإذا وجد أن من آمن بالمعنى، وأثبت المعنى، إلا أنه ترك اللفظ، فهذا أيضًا ملحد. ومن ترك اللفظ والمعنى، فهم من باب أولى قد اقتحموا بابًا عظيمًا من أبواب الإلحاد. فهذا الإلحاد في باب الأسماء والصفات، هو العدول بأسماء الله وصفاته عن الحق الثابت. الحق الثابت، أنك تمررها كما جاءت، إثبات اللفظ، إثبات المعنى، مع نفي المعاني الباطلة. وأي خروج عن ذلك، فهو يوقعك يا عبد الله في الإلحاد. والإلحاد كفر، من ألحد في باب الأسماء والصفات، كافر في الحقيقة، هو كافر. هذا الذي كان عليه أهل الجاهلية، ألحدوا في أسماء الله، ألحدوا في صفات الله جل وعلا. فلا يجوز لمسلم بعد ذلك أن يتشبه بأهل الجاهلية، فيلحد في أسماء الله وصفاته. فإلحاد في أسماء الله، وإلحاد في صفات الله، كفر. فمن ذهب إلى صفة أو إلى إسم، وأخرجها عن مرادها التي أراد الله جل وعلا، فإنه يكفر في الحقيقة. إلا أن العلماء اعتذروا لبعض الفرق الضالة، ممن وقعت في الإلحاد لشبهة. ووقعت في التأويل، ووقعت في التحريف، لبعض التعلقات في باب اللغة، كمن فسر اليد بمعنى القدرة. فهذا تمسكه ببعض أساليب اللغة العربية، وهو ليس صواب، هذا باطل. لأن هذا ليس المراد في السياق والسباق، ليس هذا المراد بأن اليد بمعنى القدرة. وهذا ليس مقام ذكر ذلك، لكن في بيان أن نعرف أن العلماء لما رأوا أن بعض الفرق وقعت في هذا الإلحاد. من خروج عن ظاهر النص، والخروج عن معنى النص، لبعض التعلقات، قال علماء: إذن هؤلاء عندهم شبهة. فوجود الاشتباه لم يكفروهم، لكنهم في حيز البدعة. وبهذا نعلم أن الذي يقع منه الإلحاد بغير تعلق، بغير شبهة، فهذا يبقى على أصل الكفر، كما كفر العلماء الباطنية، ومن كان على فلكهم. الباطنية يتلاعبون بدين الله جل وعلا، يأتون إلى إسم، يأتون إلى صفة، بل ما هو أوسع من ذلك، الأحكام التشريعية، إلى الواجبات، إلى الأركان، إلى صميم الدين والعقيدة، فيتلاعبون بها. فيقول: هذا مراد منه كذا، هذا مراد منه كذا. الصلاة المراد منها عظيم التعلق بساداتنا ومشائخنا، والصيام بمعنى كتمان سر الفرقة والجماعة، والزكاة بمعنى دفع الخمس لأطباعنا. كل ذلك تلاعب بدين الله، فأولًا كفار. كفار، خرجوا عن النص الظاهر، وأخرجوا كذلك عن المعنى المتبادر، بغير قرينة، بغير علاقة، بغير شبهة. فهذا الذي يقع منه إلحاد، وهو أن يصر في اللفظ عن ظاهره، ويخرج عن المعنى المتبادر لغير قرينة، وإنما هو هوى وتلاعب، فهذا يكفر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الإلحاد في الصفات، كقوله: ﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون﴾. هذه الآية استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى لكي يبين أن أهل الجاهلية وقع منهم الإلحاد في صفة من صفات الله، وهذه الآية أراد منها المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بصفة العلم. فصفة العلم من الصفات الثابتة لله جل وعلا، وأهل الإسلام وأهل الإيمان يذعنون بهذه الصفة لله جل وعلا، بإثباتها الإثبات المطلق، اللائق بجلال الله جل وعلا، من غير تخصيص. فلا يقال: ولا يقول أهل الإسلام بأن الله جل وعلا يعلم الكليات دون الجزئيات، لما يقولون هذا، ولا يقولون بأن الله جل وعلا يعلم الظاهر، ولا يعلم الباطن. هذا ليس من قول أهل الإسلام؛ لأن هذا إلحاد، وإنما يقولون بأن الله جل وعلا يتصف بصفة العلم المطلق. فربنا جل وعلا يعلم كل شيء، والله بكل شيء عليم. فهو يعلم كل شيء، فلا شيء يعزب عن علم الله سبحانه وتعالى. إلا أن أهل الكفر وأهل الجاهلية وقع منهم إلحاد في هذه الصفة. قال ربنا جل وعلا: ﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون﴾. فقول سبحانه وتعالى: ﴿أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون﴾، قال علماء من أهل التفسير: أن ذلك كان من اعتقاد أهل الجاهلية. أنهم كانوا يفصلون في علم الله جل وعلا، يعتقدون بأن ما تم الإسرار به لا يعلمه الله جل وعلا، وإنما يعلم ربنا جل وعلا ما ظهر منا، كما في قوله تعالى: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم﴾. ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون﴾. فكان أهل الجاهلية يرون أنه إذا تستروا بأنفسهم، أن الجلود والأعضاء والجوارح لا تشهد عليهم. فكان هذا ظنهم: أنهم إذا يستتروا استتروا عن أعين الناس، أن هذا لا يعلمه الله سبحانه وتعالى. فأخبر ربنا جل وعلا أن هذه عقيدة كانت عند الكفار. إذن الكفار لم ينكروا صفة العلم مطلقًا، وإنما أنكروا صفة الإحاطة، والإحاطة والعموم والشمول، هذا الذي كان منهم الإنكار. أنكروا إحاطة علم الله سبحانه وتعالى. وإما إنما أثبتوا العلم، لكن في جزئيات، أو في بعض دون بعض. فقال سبحانه: ﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون﴾. وهنا في قول سبحانه وتعالى: ﴿ولكن ظننتم﴾، قد مر معنا في دروس سابقة، إخواني في الله، أنما أن الظن يأتي بعدة اعتبارات، وبعدة معان، وذلك على حسب السياق. فهو يأتي أحيانًا بمعنى الشك والريب، ويأتي أحيانًا على غالبة الظن الراجح، وأحيانًا يأتي بمعنى اليقين والعلم. وهنا العلماء قالوا: أن الظن هنا بمعنى اليقين، كما نقل ذلك عن قتادة رحمه الله تعالى. قال: أظن هنا العلم. أي اعتقدتم، هذا كان من صميم العلم عندهم، اعتقدوا هذا الاعتقاد. ﴿ولكن ظننتم﴾ أي اعتقدتم أن الله جل وعلا لا يعلم كثيرًا مما تعملون. ثم قال ربنا: ﴿ذلك ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم﴾. فأصبحتم من الخاسرين. ﴿ذلك ظنكم﴾ أي هذا اعتقادكم الذي ظننتم بالله جل وعلا أرداكم. أي عندما علمتم واعتقدتم بأن الله لا يعلم ما تستترون به، هذا الذي أرداكم، فكنتم من الهلك، وكنتم في الآخرة من الخاسرين. إذن ما يتعلق بعبارة المؤلف رحمه الله تعالى في أن أهل الجاهلية وقع منهم الإلحاد، وهو الخروج عن باب الصفات، وهذا ظاهر من سياق المؤلف رحمه الله تعالى حول مسألة العلم. إلى هنا سأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.