الدرس في شرح مسائل الجاهلية 33، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ينتقد الكفار وأهل الكتاب لتلاعبهم بدينهم وإدخالهم أشياء ليست منه، ويشير إلى وجود هذا المسلك في الأمة الإسلامية من خلال المبتدعة. يشرح معنى اتخاذ الدين وسيلة للمتعة واللعب.
يتناول تحليلًا لسلوك أهل الجاهلية والكفار في تلاعبهم بدينهم، ويشير إلى انتشار هذه الظاهرة في أهل الكتاب وأبناء الأمة، حيث يتعبدون بالملهيات والفواحش. يذكر أمثلة على ذلك في أهل التصوف.
يشرح كيف يستهزئ الكفار ودعاة الضلال بدين الإسلام وأهله، ويتخذونه عرضة للسخرية والعبث، ويتعبدون بطرق غير مشروعة مثل الرقص والغناء.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثاني والعشرون أنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، أيضًا من خصال أهل الجاهلية، كما أشار المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: أنهم، أي أهل الجاهلية، وكذلك يدخل معهم تابعًا أهل الكتاب، أنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا. ومعنى اتخذوا، أي صيروا دينهم لهوًا ولعبًا. والدليل على هذه المسألة ما جاء في قول ربنا جل وعلا: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا وغرتهم الحياة الدنيا﴾. فكان من شأن أهل الجاهلية ومن شأن الكفار أنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى. وقصد المؤلف رحمه الله تعالى: دينهم، أي الذي ينتسبون إليه. وكذلك يحتمل معنى آخر، كما سيأتي بيانه. اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا. اللهو واللعب، إخواني في الله، من الكلمات المتقاربة في المعنى. بل قد يفسر اللعب باللهو، ويفسر اللهو باللعب. فقوله رحمه الله تعالى: لهوًا، يقال له بشيء لهوًا، أي لعب به. إذن فاللهو تأتي بمعنى اللعب، وهكذا العكس، لعب لعبًا، أو لعب لعبًا، بمعنى لها، بمعنى لها. فتفسر اللعب باللهو، ويفسر اللهو باللعب، فهي من المعاني المتقاربة. لكن الحقيقة، كقاعدة في اللغة، أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فمن أهل العلم من فرق بين اللهو وبين اللعب. فقال في تعريف اللهو: هو كل باطل يلهي عن الحق. هذا هو اللهو. وأما اللعب: هو ضد الجد، وهو ما لا فائدة فيه. هذا معنى اللعب. ويقول العلماء: إن مع هذا الاختلاف في التعريف والمعنى، إلا أن القدر بينهما مشترك. هناك قدر مشترك، فيكون معنى اللهو واللعب: وهو في حق الشخص إذا عبث في أموره، إذا كان في أموره عبث، هذا مما اتخذ أمره لعبًا ولهوًا. إذا كان في أمره عبث. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: أنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا. وقولنا: وهذا ما أخذ منه الآية: ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا﴾. بقي ما معنى هذه الآية، حتى نعرف ما الأمر الذي اقترفته أيادي الكفار حتى اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا؟ لأهل العلم عدة تفاسير لمعنى هذه الآية. فذهب من ذهب من أهل العلم إلى أن الكفار اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، أي أنهم كانوا يتحكمون في أمر دينهم، يتحكمون في أمر دينهم، وأصبح دينهم الذي ينتسبون إليه أصبح ألعوبة في أيديهم. وكيف ذاك؟ أنهم يضيفون ما شاءوا ويتركون ما شاءوا. وهذا هو الذي حصل في أديان أهل الكتاب، وكذلك في حق المشركين، أنهم أدخلوا أشياء، إضافات أضافوها، وليس ذلك من شريعة الله جل وعلا. وقد مر معنا في درس أمس من صور ذلك: المكاء والتصدية، أنهم تعبدوا الله جل وعلا بالتصفيق والتصفير. وهكذا قس في سائر الأديان والملل، أنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، أن يتلاعبوا بدينهم، فأصبحوا يتحكمون فيه، فما أرادوا أن يدخلوه أدخلوه، وهكذا. وهذا المسلك من اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا بهذه الصورة هو كذلك موجود في هذه الأمة. موجود في هذه الأمة، تجد أن من أرباب المبتدعة أنهم متى ما استحسنوا شيئًا أقحموه في الدين، متى ما استحسنوا شيئًا أقحموه في الدين، وأدخلوه في صميم الشريعة، وقالوا وثبتوه، وأن هذا من دين الله جل وعلا، يعطى له أجر كباقي العبادات، وأن من فعله أصبح من عباد الله الصالحين، وأنه يتولد على هذه البدعة التي أحدثوها، يتولد عليها، ولا يتبرأ منها. تصبح شريعة رسمية، إن صح التعبير. وليس هذا الفعل اكتنفته جماعة واحدة، بل كل مبتدع يفعل ذلك. حتى أصبح هذا الدين بأيدي هؤلاء ألعوبة، تذهب يمنة تجد أممًا من الفرق الضالة، كل يدخل في دين الله ما ليس فيه. تذهب يسرة كذلك تجد فئامًا وجماعات وأممًا من الفرق الضالة، كلهم أقحموا في دين الله ما ليس فيه، حتى أصبح الدين ألعوبة بأيدي هؤلاء. وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا يعبث بكتاب الله وأنا بين أظهركم». ما ينبغي أن تضيف، وأن تلغي، وأن تدخل، هذا ألعوبة. وعلى هذا كان فعل أهل الكفر يتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، يتلاعبون بشرع الله كيف شاءوا، ويتلاعبوا بدينهم كذلك كيف شاءوا. فهذا إذن من الصور التي كانت عليها خصال أهل الجاهلية، أنهم كانوا يتلاعبون في دين الله، وذلك من باب التحكم، فكانوا يدخلون فيه ما ليس منه. الصورة الثانية كذلك من صور فعل الكفار أنهم جعلوا دينهم لهوًا ولعبًا، أنهم جعلوا دينهم الذي ينتسبون إليه عبارة عن وسيلة للعب، وسيلة للعب. وهذا معناه أنهم جعلوا الدين وسيلة للمتعة، فأصبح عندهم من الدين أنهم يتعبدون الله جل وعلا بالملهيات، يتعبدون الله جل وعلا بالفواحش، وكذلك بالموبقات، بالذنوب، وكذلك ما يكون منهم من الغناء. فجعلوا دينهم من العبادات التي يتعبدون الله جل وعلا، هي عبث من الأشياء التي ما ينبغي أن تكون عبادة. جعلوا هذا اللعب دينًا يتقربون به إلى الله سبحانه وتعالى، اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا. وهذه المسألة كذلك واضحة فيمن نظر وسبر أحوال أهل الكتاب، وهكذا في أحوال أهل الجهل، يرى ذلك. اتخذوا المسكرات، اتخذوا القينات، اتخذوا الأغاني، اتخذوا العبث، اتخذوا اللعب، كل ذلك يفعلونه باسم الدين. وهكذا هذه الصورة كذلك قد وجد من أبناء هذه الأمة من يفعلها، من يفعل اللهو، ومن يأتي بالباطل ويسميه باسم الدين، وكله لعب. كحال من العباد ويسمون ما يسمى بالسماع، ما هو السماع؟ هو الغناء. قوم يجتمعون على غناء، إما على مزمار وإما على دف، ثم يصاحب هذا الغناء بصوت شجي بمطرب من المطربين، وقد يكون هذا الغالب عليهم من المردان، وقد يكون ذلك برفقة النسوة، قد يكون في بعضهم النسوة في معزل، وأحيانًا يكون بخلطة، كما يفعل ذلك في بعض المناطق، أنهم يكون اختلاط الرجال بالنساء. وزد على ذلك ما يصاحب بهذا الاجتماع المنكر، ما يصاحبه من الرقص. وكل ذلك باسم الدين، يتعبدون الله جل وعلا بمثل هذا اللهو. هؤلاء اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، لهوًا ولعبًا. بل الأسف أن بعض من أمثال هؤلاء، ممن كان مع القوم ردحًا من الزمن، إلا أن الله جل وعلا اجتباه برحمته، فخرج من أهل الضلال. أنه كان يذكر في بعض كتبه ما يتعلق بالمقارنة بين أفضلية القرآن، أي سماع القرآن أو سماع الغناء. وهو هذا الذي ذكر لكم، أن تذكر بعض الكلمات التي فيها وعظ، لكن على شكل غناء، يصاحبه شيء من الآلات الطرب، مع اجتماع هؤلاء، وكذلك يقع فيه الرقص. فكان من أمثال هؤلاء من إذا قارن بين سماع القرآن وبين سماع هذا المجلس، كان يفضل السماع المحدث على سماع القرآن. وجد هذا حتى أن بعضهم في بعض الكتب ذكر أن الجلوس لمثل هذا الغناء أفضل من سماع القرآن من سبعة أوجه، أن هذا المجلس أفضل من سماع القرآن من سبعة أوجه. وذكر مثاله: الوجه الأول، قال: إن القرآن لا ينفع؛ لأنه يخاطب به كافة الناس، والناس يختلفون في مداركهم، فهذا العالم، وهذا المتوسط في الفهم، وذاك البليد من عداد المسلمين، فهم يختلفون، فلربما تمر عليهم آيات من القرآن، العالم يفهمها على فهم، وذاك المتوسط على فهم آخر، وذاك البليد الذي لا فهم له، فلا يفهم شيء، فالقرآن قد يفوت هم يفهمون شيء، بخلاف هذا المجلس الغنائي، فإن فيه خطابًا لكافة الناس، فيفهم الكلمات التي تناسب الأذهان. قال هذا وجه. الوجه الثاني، قالوا: إن القرآن أكثره محفوظ، أكثره محفوظ. وماذا بعد ذلك؟ قال: إذا كان محفوظًا، فلربما الشخص سمع القرآن أول مرة تأثر، المرة الثانية يقل تأثيره، المرة الثالثة والرابعة لربما عدم تأثير القرآن على القلوب، بخلاف الغناء فإنه يتجدد، فإنه يتجدد. وذكر الوجه الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع، كل ذلك في تقنين هذه المسألة على أن هذا السماع، وهو المجلس المحدث مما يقع فيه من الطرب والغناء، والذي فيه يتعبد به يا الله جل وعلا، أن هذا أفضل من سماع القرآن. إلا أن هذا الرجل، كما قلنا، تغمده الله برحمته، ففي آخر حياته تاب وأناب، وحسب من أهل السنة. لكن لا زالت عباراته موجودة في كتبه، ويراجع في ذلك «إحياء علوم الدين». وقد تكلم من قيم رحمه الله تعالى على هذه المسألة، وأنكر أن كران العظيم، وحق له ذلك، من هذا الذي يتجرأ على أنه يفضل الغناء المحدث على سماع القرآن. وبين من قيم رحمه الله تعالى بأدلة ناصحة قوية جدًا، وأنكر على أمثال هؤلاء، وأن هذا لا يقوله مسلم، فضلًا عن عاقل، فضلًا عن عاقل. بل إن بعض هؤلاء كذلك ذكر، انظر زيادة في اتخاذ الدين لعبًا ولهوًا، أن ذكر أن هذا المجلس إن استطاع أحد منهم أن يقوم بالرقص فليرقص، فليرقص. بل ذكروا بابًا يسمى آداب الرقص، آداب الرقص له آداب. عندما ترقص، منه نوع من نوع التمايل، هل لك أن تتمايل أم لا؟ هذا يستحب عندهم. هل لك أن تنزع العمامة عند الرقص؟ قال: فيه تفصيل. وكذلك عند الرقص، هل لك أن تشق الثوب أو لا تشقه، تمزقه أثناء الرقص؟ منهم من قال: نعم تمزق، لكن يحبذ أن يكون هذا التمزيق أن يكون على شكل مربعات، تمزق الثوب على شكل مربعات أثناء الرقص. لماذا؟ حتى ينتفع بهذه القصاصات فيرقع بها الثوب بعد ذلك. هذه آداب الرقص. هؤلاء ممن اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا. ولا زلنا نجد، لا زلنا نجد، بأض الفرق في بعض المواسم، يتعبدون الله جل وعلا بإقامة المهرجانات والحفلات، ماذا يقام؟ يقام أهل الرقص، يلبس لأحدهم طاقية معينة، ويلبس لأحدهم ثوب، ويكون هذا الثوب لربما فيه قطعة طويلة، ثم يدور ويدور ويدور ويدور، هؤلاء في حلقات، كل هذا عبادة يتعبدون الله جل وعلا بها. هؤلاء اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، ما يكون أبدًا يا عبد الله، هذا دين أراده الله. بل هذا كان دين أهل الجاهلية، كان يتعبدون الله بالرقص، بالعبث. وأما أهل الإسلام، فإن الله جل وعلا أمرهم بالجد، يا يحيى خذي الكتاب بقوة، بجد لا يكون فيه عبث، الجد يكون بامتثال شرع الله سبحانه وتعالى. كذلك من الصور الذي يدخل في هذه الصورة: اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، من الصور اتخذ الدين لهوًا ولعبًا، قال علماء: إن المقصود بالدين هنا، أي الدين الذي هم كلفوا به، أي دين الإسلام، اتخذوا دين الإسلام لهوًا ولعبًا. فكيف يكون ذلك؟ قال علماء: معنى ذلك أن الكفار كانوا يتخذون دين الإسلام استهزاءً وسخرية، من باب اللهو والعبث، من باب اللهو والعبث. وعلى هذا، كما قال علماء، يسدل بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا﴾، إذا ناديتم إلى الصلاة، الكافر إذا سمع أن أهل الإسلام يجتمعوا للصلاة، ماذا يفعل؟ يستهزئ بالصلاة، يستهزئ بالدين، هو أصلًا. فاتخذوا دينهم، أي دين الذي هم ينبغي أن ينتسبوا إليه، كفار العرب، أهل الجاهلية ينبغي أن ينتسبوا إلى دين الإسلام، فهذا الدين بدل أن ينتسبوا إليه، قاموا اتخذوه سخرية واستهزاء، لهوًا ولعبًا، كما يجري كذلك، ولا زال العمل إلى هذه الأزمان. هذا قد حصل عند أهل الكتاب، حصل عند اليهود، حصل عند المشركين، أنهم كانوا يستهزئون بالإسلام ويستهزئون بشرائعه. حتى في هذا الأزمان، تسمع من ضعف دينه أو من لا دين له، أنه يستهزئ بشرع الله جل وعلا، هو دينك يا عبد الله. إما ذاك ينتسب إلى أديان أو الفرق اللادينية، كالعلمانية والوطنية والقومية واليسارية والليبرالية وغيرها، أو الذي لا دين له، يجعل هذا الدين الذي ينبغي أن يتمسك به يجعله عرضة للعب والعبث، فيستهزئ بالصلاة، يستهزئ بالصيام، يستهزئ كذلك بمعالم الدين. ومن الاستهزاء، إخواني في الله، الاستهزاء بأهل الدين، بأهل الدين كذلك يدخل في هذا الباب، يدخل في هذا الباب. قل: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟» هذا من الاستهزاء، من اتخاذ الدين لهوًا وعبثًا، أنك تستهزئ بأهله، تستهزئ بالقائمين بحدًا بحدود الله عز وجل، تستهزئ بأهل الصلاة، ممن هو يلتزم بشرع الله جل وعلا. هذا. فالاستهزاء بهم هو من اتخاذ دينك يا عبد الله لهوًا ولعبًا. فهذه، إخواني في الله، صور تدخل في هذه المسألة. من العلماء من قال: كل ذلك من اختلاف التنوع، فلا بأس أن الآية التي جاءت في هذا الصدد أنها تشمل هؤلاء جميعًا. فمن فعل أهل الجاهلية أنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، تارة أنهم يتحكمون في دينهم، ويجعلون دينهم ألعوبة، يدخلون ما شاءوا ويمنعون ما شاءوا. أو أنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، أنهم يتقربون إلى الله جل وعلا بالعبث، باللهو، كالغناء ونحو ذلك. أو أنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، أي أنهم اتخذوا دينهم الذي ينبغي أن يتمسك به، ألا وهو دين الإسلام، اتخذه عرضة للسخرية والاستهزاء. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.