الدرس في شرح الباعث الحثيث 23، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يُعرّف الحديث المرسل لغوياً واصطلاحياً بأنه ما رواه التابعي الكبير عن النبي ﷺ مباشرة، مع تقسيم التابعين إلى كبار وأوساط وصغار حسب إدراكهم للصحابة، ويقرر المحدثون التسوية بين جميع التابعين في حكم الإرسال إذا رووا عن النبي ﷺ دون واسطة.
يوضح المقطع تعريف المحدثين للمرسل بأنه ما أسنده التابعي إلى النبي ﷺ قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو وصفاً، وينتقد توسع الفقهاء في تعميم المرسل، مؤكداً أن المرسل ليس بحجة عند أهل الحديث بخلاف تساهل بعض الفقهاء.
يستعرض خمس صور للمرسل عند إضافة التابعي قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو خُلقاً أو خَلقاً إلى النبي ﷺ، وينقل إجماع المحدثين على أن المرسل ضعيف غير حجة لجهالة الواسطة، مع مثال لسلسلة تابعين تبيّن إمكان سقوط رواة كثر، ولا يحتج به إلا بقرائن تقويه.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لا زن في كتاب شرح اختصار علوم الحديث للإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى وغفر له، المتوفى سنة ٧٧٤ للهجرة رحمه الله تعالى. قال: النوع التاسع: المرسل. المرسل من قولهم: أرسل الشيء إذا أطلقه. هذا معنى المرسل. أرسل الناقة إذا أطلقها فهي مرسلة. هذا معنى المرسل من حيث اللغة. قال رحمه الله: المرسل. قال ابن الصلاح الإمام المعروف أبو عمر عثمان الشهرزوري رحمه الله: «صورته التي لا خلاف فيها» أي بين المحدثين المعتبرين وبين أئمة هذا الشأن المحققين. قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: «صورته التي لا خلاف فيها: حديث التابعي الكبير الذي قد أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب وأمثالهما، إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». التابعون درجات باعتبار إدراكهم للصحابة، فمن أدرك كثيرا من الصحابة وجالسهم فهذا يسمى من كبار التابعين، ومن جالس دون عدد قليل من الصحابة يقال له: من أواسط التابعين، ومن لقي صحابيا أو صحابيين أو نحو ذلك يقال له: من صغار التابعين. هذه طريقة أهل العلم في تقسيم طبقة التابعين باعتبار إدراكهم للصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فعطاء رحمه الله يعتبر من المتوسطين، وسعيد بن المسيب يعتبر من المتوسطين لأنه ولد في سنتين خلتا من خلافة عمر، وهو من سيد التابعين أو من سادات التابعين رحمه الله. عبيد الله بن عدي بن الخيار أدرك زمن النبوة، أدرك زمن النبوة، ومثله عبد الرحمن بن ملّ النهد، فإنه أيضا من المخضرمين، وهم طبقة أدركوا زمن النبوة لكنهم لم يلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنهم رجل ذكرناه وهو أبو أمية، أبو أمية رحمه الله، الذي كان يقول له عمر: «أبو أمية». الذي قال عثمان بن حصين: «أبو أمية، عثمان بن حصين للأسد الذي جاء إلى المدينة وقد فرغ الصحابة ونفضوا أيديهم من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ عن أبي بكر وعمر»، وهو القائل: «إنكم إن أحدكم ليتكلم في المسألة لو نزلت على عمر ماذا يصنع؟ لجمع لها أهل بدر». إن أحدكم ليفتي في المسألة لو نزلت على عمر لجمع لها أهل بدر. هذا عثمان بن حصين أيضا من كبار التابعين. عبيد الله بن عدي بن الخيار من كبار التابعين، وعبد الرحمن بن ملّ أو ملّ أو ملّ مثلثة الميم النهدي من كبار التابعين. يقول ابن كثير: والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك. هذه الصورة التي ذكرها ابن الصلاح لا خلاف فيها بين أهل الحديث أنها حديث مرسل، لا خلاف فيه. غير أن أهل الحديث أيضا أدرجوا ضمنها صورة حديث التابعي الصغير، وحديث التابعي المتوسط. ولهذا قال ابن الصلاح: «ثم سعيد بن المسيب». بن المسيب والأفصح فتح الياء ويجوز كسرها، يقال: بن المسيب، ويقال: سعيد بن المسيب، وفتحها أشهر. وأنثاله مثل عطاء بن أبي رباح أدرك ثمانين من الصحابة، ومثل سعيد بن جبير، مثل محمد بن سيرين ونحوه. كل هؤلاء من متوسط التابعي، طبقة الوسطى. والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك. هذا الذي استقر عليه الأمر. هذا الذي استقر عليه الأمر: أن حديث التابعي الذي لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال: قال رسول الله، فحديثه مرسل. أو قال: فعل رسول الله، فحديثه مرسل. أو قال: حصل عند رسول الله، فحديثه مرسل. جميع الصور: فعلا وقولا وتقريرا، يصير الحديث مرسلا. يصير الحديث مرسلا. وكلام ابن كثير أيضا صحيح، يقول رحمه الله: «والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك». وحكى ابن عبد البر عن بعضهم أنه لا يعد إرسال صغار التابعين مرسلا. وهذا مردود عند أهل الحديث. هذا مردود عند أهل الحديث. بل إن مرسلات صغار التابعين مرسلات عند الأئمة، تعتبر مرسلات عند الأئمة رحمه الله. ولا فرق بين كون التابعي صغيرا أو متوسطا أو كبيرا، لا فرق. هذه دعوى يدعيها بعضهم، وليس كل ما دُعي صار صوابا. ثم إن الحاكم يخص المرسل بالتابعين، والجمهور من الفقهاء يعممون. من الفقهاء والأصوليين يعممون التابعين وغيرهم. وهذا أيضا فيه نظر وغلق. فالمرسل إنما يعرف عند أهل الشأن، المرسل إنما يؤخذ عن أهل الشأن وهم المحدثون. وأما الفقهاء وغيرهم فلهم تساهل في هذا الباب، حتى إن منهم من يحتج بالمرسلات، وهذا غلط. ولهذا يقول الإمام مسلم رحمه الله: «والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة». ساقه على لسان المعترض في مقدمة. «والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة». والمرسل هو ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقولهم: «ما أضافه» يشمل ما أضافه قولا، أو ما أضافه فعلا، أو ما أضافه تقريرا، كأن يحكي واقعة لم يحضرها وقصة حصلت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يسمى مرسلا أيضا لأنه يخبر عن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا مرسل. من أين له الواسطة؟ سيأتي الكلام على لماذا المرسل ليس بحج. قال ابن كثير: قلت: الفقهاء والأصوليون لهم تساهل. تقدم معنى في باب الصحيح أن عندهم الحديث الصحيح ما اجتمعت فيه ثلاثة شروط. هل يشترط الفقهاء والأصوليون في الحديث الصحيح ألا يكون شاذا؟ لا يشترطون هذا. عندهم الشاذ يحتجون به، وهذا فيه نظر. والمعلل كذلك يحتجون به، وهذا غلط. وها هنا نفس الشيء: من الأصوليين والفقهاء من يحتجون بالمرسل. هذه مسألة أخرى تضاف في الفوارق بين مذهب أهل الحديث ومذهب الفقهاء والأصوليين. المرسل عندهم يحتجون به في بعض مراتب، وهذا فيه نظر. بل المرسل ليس بحجة. يقول ابن كثير: قلتُ: قال أبو عمر... قال أبو عمر ابن الحاجب، عثمان بن عمر المالكي النحوي المشهور. قلتُ: قال أبو عمر ابن الحاجب في مختصره في أصول الفقه: «المرسل: قول غير الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم». ابن كثير ساق هذا ليبين ما حصل عند الأصوليين من تعميم أمر المرسل. فعندهم قول غير الصحابي يشمل قول التابعي، يشمل قول تابعي التابعي، يشمل قول تابعي تابعي التابعي، يشمل قول الأئمة، يشمل قولنا اليوم. كل هذا مرسل عنده. وهذا فيه توسع غير مرضي. هذا توسع غير مرضي. يقول رحمه الله تعالى: هذا ما يتعلق بتصوره عند المحدثين. المرسل عند المحدثين: الخلاصة: ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والإضافة تشمل القول، وتشمل الفعل، وتشمل الإقرار. كل ذلك يعتبر إضافة. ويشمل أيضا الوصف: وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخلقي والخُلقي. «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير البائن، ربعة من الرجال». هذا أيضا لو قاله تابعي وهو وصف للنبي صلى الله عليه وسلم يسمى مرسل. أو كانت خُلق رسول الله القرآن. قال التابعي: «كان خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن». أيضا يعتبر مرسل، يعتبر مرسل. فعلى هذا عندنا خمسة أمور كلها من المرسل عند المحدثين: ما أضافه التابعي قولا: هذه الصورة. ما أضافه التابعي فعلا: هذه الصورة الثانية. ما أضافه التابعي تقريرا: هذه الصورة الثالثة. ما أضافه التابعي من خُلق النبي صلى الله عليه وسلم ووصف خَلقه: هذه الصورة الرابعة. الصورة الخامسة: ما أضافه التابعي من خُلق النبي صلى الله عليه وسلم. هذه خمس صور كلها مرسلة إذا أضافها التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: وأما كونه حجة في الدين فذلك يتعلق بعلم الأصول، وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا المقدمات. كتاب هذا مفقود. وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه أن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار يعني أهل الحديث، وقول أهل العلم بالأخبار يعني المحدثين، أي الأخبار التي ترفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ليس بحجة. هذا هو الصواب الذي عليه العمل: أن المرسل ليس بحجة. ساق الإمام مسلم رحمه الله هذا الكلام على لسان المعترض وقرّه، فنسبه إليه العلماء. وإلا فأصل الكلام: «فإن قلت: إن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة» إلى آخر البحر. فساق الكلام على لسان المعترض، ساق الكلام على لسان المعترض. ومع هذا يتضمن إقرار مسلم للكلام. مسلم يقر الكلام. قال: «وكذا حكاه ابن عبد البر عن جماعة أصحاب الحديث». هذا قول المحدثين قاطبة: أن المرسل من قسم الضعيف. وإن صح سند المرسل، عند أهل الحديث من قسم الحديث الضعيف، وإن صح إسناده. يقول رحمه الله: وقال ابن الصلاح: «وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه آراء جماعة حفاظ الحديث ونقاد الأثر، وتداولوه في تصانيفهم». والسبب في ذلك: جهالة الواسطة. لأننا نسأل التابعي: إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحتمل عدة احتمالات. فيحتمل أن يرويه عن صحابي فيكون صحيحا، ويحتمل أن يرويه عن تابعي فيحتاج إلى النظر في ذلك التابعي: أثقة هو؟ ثم هذا التابعي لا بد أن ننظر أيضا عن من أخذه، فإنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا سلمنا جدلا أنه ثقة، قلنا: عن من أخذت؟ قال: عن فلان. يحتمل أنه صحابي، ويحتمل أنه تابعي. فإن كان صحابيا فالأمر هين. وإن كان تابعيا رجعنا إلى البحث السابق، رجعنا إلى البحث السابق، وقلنا: يحتمل أن يكون هذا التابعي الثاني ثقة، ويحتمل أن يكون ضعيفا. وعلى أي الحالين لا بد من النظر في الواسطة، لأن هذا التابعي الثاني لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم أيضا. باعتبار الأسانيد: وجد حديث عند النسائي في فضل «لا إله إلا الله» يرويه سبعة من التابعين كل عن الآخر. سبعة من التابعين. فدل هذا على إمكان أن يكون الساقطون ستة. أنتم معي في هذا. دل هذا على أنه يجوز في المرسل أن يصل الساقط إلى سبعة أو إلى ستة. لأن عندنا حديثا في فضل «لا إله إلا الله» ذكره التابعون، يروي بعضهم عن بعض إلى سبعة. وفي صحيح مسلم بعض الأحاديث يروي بعض التابعين عن بعض إلى ثلاثة من التابعين وأربعة. فدل هذا على أن الأصل والتحقيق: أن المرسل ليس بحجة في نفسه إلا إذا حفته قرائن. كما سيأتي. سيأتي الكلام على ما وقع في بعض المذاهب الفقهية إن شاء الله. إذا كان لكم شيء وإلا وقفناها هنا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر