الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 24، ألقاها
أهل السنة لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب إلا إذا استوفى الشروط، ويجب طاعة ولي الأمر في الحج والجهاد وصلاة الجمعة. يجب على المسلمين اتباع سنة النبي والخلفاء الراشدين.
يجب احترام الصحابة وعدم ذكر مساوئهم، كما يجب الترضي عن أزواج النبي أمهات المؤمنين واعتبارهن مطهرات ومبرآت من كل سوء. النبي حذر من سب أصحابه وأثنى على أزواجه.
من يتهم السيدة عائشة بما برأها الله منه يعتبر كافراً، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد من العلماء مثل ابن تيمية.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، قال رحمه الله تعالى: ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل. قوله رحمه الله تعالى: ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، كما تقدم معنا أن من كان من أهل القبلة وثبت إسلامه، فلا يجوز لأحد أن يكفره بالذنب. والمراد بالذنب هنا عموم الذنوب من الكبائر التي لم تبلغ حد الكفر، وليس المراد بالذنب الذنب الأعظم الذي هو الكفر بالله عز وجل. فإن من ارتكب ذنبًا مكفرًا استحق أن يكون كافرًا مرتدًا به، فإنه يكون كافرًا بعد توفر الشروط في حقه وانتفاء الموانع. فأهل السنة والجماعة حينما يطلقون هذه العبارة يقولون: ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة، المراد بالذنب عموم الذنوب، لا على الشرك والكفر. قوله: ولا نخرج عن الإسلام بعمل، المراد بذلك أن من ثبت إسلامه بيقين، فلا يزال إلا بيقين. أهل السنة والجماعة لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا يخرجونه عن الإسلام بعمل من أعمال المعاصي. ومن عمل عملًا ظاهر الكفر، هل يكفر؟ الجواب: من حيث العموم، يقال: من فعل كذا فهو كافر. أما باعتبار المعين، فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة، وحتى تستوفى في حقه الشروط وتنتفي الموانع. من ثبت إسلامه بيقين، فلا يزال إلا بيقين. أي: لا نحكم عليه بالكفر حتى تستوفى الشروط وتنتفي الموانع في حقه؛ لأن إسلامه ثبت بيقين، وكفره قبل استيفاء الشروط وانتفاء الموانع لم يثبت بيقين، بل هو مظنون. قال رحمه الله تعالى: ونرى الحج والجهاد ماضيًا مع طاعة كل إمام، برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة. هذا الفصل يحتاج أن يقرأ على المنابر في هذه الأيام؛ لما يحصل ونسمع ونرى من الفوضى والخروج على الحكام. فأهل السنة والجماعة يرون الحج والجهاد ماضيًا مع طاعة كل إمام، برًا كان أو فاجرًا. ويدل عليه أدلة كثيرة من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعليكم بسنتي، وإياكم ومحدثات الأمور». ومن أعظم محدثات الأمور ما يحصل من الخروج على الحكام. والنبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة يقول: «اسمع وأطع، وإن تأمر عليك عبد حبشي». وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اسمع وأطع، وإن أكل مالك وضرب ظهرك». وأيضًا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أدوا الحق الذي لهم، وسألوا الله الذي لكم». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من نزع يده من طاعة الإمام، فمات، مات ميتة جاهلية». والأدلة في هذا كثيرة. وكان في الزمن الأول الناس يحجون مع أئمتهم، ويجاهدون تحت راية أئمتهم. فمذهب أهل السنة والجماعة جواز الجهاد والحج خلف كل إمام، إذا كان الإمام بارًا فالأمر فيه واضح، وإذا كان فاجرًا فاسقًا ظالمًا، فلا يجوز الخروج عليه. إلى جانب ما سمعتم من الأدلة الشرعية الدالة على حرمة الخروج على ولي الأمر، والمفاسد العظيمة التي تحصل بخروج على ولي الأمر. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى كثيرًا من العلماء أن الخروج على الحكام يسبب ظلمًا وفسادًا أشد مما كان قبل الخروج. فالشريعة جاءت بدفع الشر أو تقليله، أما فتح الباب بأن يزيد الشر والفساد والظلم، هذا مما تمنعه الشريعة تمامًا. قال رحمه الله تعالى: ومن السنة تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم، وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم، ومعرفة سابقتهم. قوله رحمه الله تعالى: ومن السنة، أي: من الطريقة التي صار عليها نبينا صلى الله عليه وسلم، تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبتهم. وليس المراد بالسنة هنا الأمر المستحب، بل هذا من الأمور الواجبة. فيجب على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتولى هؤلاء، وأن يحبهم، وأن يذكر محاسنهم، وأن يكف عما شجر بينهم. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. قوله رحمه الله تعالى: والكف عن ذكر مساوئهم، وما شجر بينهم، أي: لا يجوز لأحد أن يتتبع ما حصل من الأخطاء لبعض الصحابة. فتتبع أخطاء المسلم من حيث هو لا يجوز، فكيف بمن تتبع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تتبع أخطائهم أو ما حصل أو ما شجر منهم من المساوئ؟ قال رحمه الله تعالى: واعتقاد فضلهم، ومعرفة سابقتهم. قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. هذا حال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، رحماء فيما بينهم، رفقاء فيما بينهم، أذلة فيما بينهم، ولكن مع الكفار أشد ما يكونون من الغلظة والقوة والشجاعة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه». هذا حديث يدل على عظمة الصحابة وكرم الله عز وجل لهم. قال رحمه الله تعالى: ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمهات المؤمنين، المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهم خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت صديق. قوله: أمهات المؤمنين المطهرات، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: وعقد على سبع، ولم يدخل بهن. فمن فارقها في حياته، ولم يدخل بها، لا يثبت لها أحكام زوجاته التي دخل بهن ومات عنهن. فأزواج النبي صلى الله عليه وسلم التي هن أمهات المؤمنين هن الإحدى عشرة امرأة: عائشة، وحفصة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وسودة، وجويرية، وخديجة، وزينب بنت خزيمة. قال رحمه الله تعالى: أفضلهم خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت صديق. خديجة بنت خويلد هي أول أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعائشة رضي الله عنها هي أول من عقد بها بعد موت خديجة، وثاني من دخل بها بعد سودة. قال رحمه الله تعالى: التي برأها الله في كتابه. الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآيات. فمن قذف عائشة بما برأها الله منه، فقد كفر بالله العظيم. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من قدف عائشة بما برأها الله منه، كفر بلا خلاف. وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد. فمن رمى عائشة بالفاحشة، فهو كافر بالله العظيم بإجماع الأمة.