شرح العقيدة الواسطية 38

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 38، ألقاها

شرح صفات الله الفعلية

يشرح المقطع معنى الآيات التي تتحدث عن صفات الله الفعلية مثل المكر والكيد، ويبين أن هذه الصفات تُطلق على الله في مقام الكمال وتنفى عنه في مقام النقص.

صفات الفعل الاختيارية لله

يتناول المقطع شرح صفات الفعل الاختيارية لله عز وجل مثل المكر والكيد، ويبين أن هذه الصفات تارة تكون كمالا وتثبت لله، وتارة تكون نقصا فينزه الله عنها.

تفسير قوله تعالى: وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ومعية الله تعالى

يفسر ابن جرير الآية الكريمة وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ويبين معنى المكر الإلهي ومعية الله للعبد بالنصر والتأييد والمعونة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾. قال الشيخ محمد بن خليل الحنفي رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ إلى آخر الآيات، تضمنت هذه الآيات صفتين: المكر والكيد. وهما من صفات الفعل الاختيارية؛ بمعنى أن صفة المكر والكيد من الصفات الفعلية، ولكن هذه الصفات لا تطلق على الله عز وجل مطلقًا، ولا تنفى عن الله عز وجل كذلك مطلقًا، ولكن تذكر في المقام التي تكون فيه كمالًا، وتنفى عن الله عز وجل في المقام التي تكون فيه نقصًا. لأن صفة المكر، وكذلك الكيد، وما كان في معناها -كما يذكر العلماء رحمهم الله تعالى- هي باعتبار نفسها تنقسم إلى ممدوحة ومذمومة. فما كان من ممدوح فهو ثابت لله عز وجل، وما كان من مذموم فالله عز وجل منزه عنه. ولا يثبت لله عز وجل. قال العلماء رحمهم الله تعالى: والضابط الذي به تكون كمالًا هي أن تكون في مقابل من أراد بأوليائه سبحانه وتعالى الكيد أو الخديعة أو المكر، فيكون في مقابلة ذلك أي في مقابلة أعدائه الذين أرادوا الكيد أو الخيانة أو كذلك المكر بأوليائه، تكون في مقابلة هؤلاء أنها صفة كمال. وقال بعض أهل العلم: أنها ما أشعرت بكمال العلم وكمال القدرة وكمال العدل؛ بمعنى أن المكر أو الكيد أو كذلك الخديعة إذا كانت مشعرة أو متضمنة لكمال العلم وكمال القدرة وكمال العدل، فهي من صفات الكمال في هذا المقام، فهي ثابتة لله عز وجل. وما لم تكن على سبيل المقابلة، بل كان من غير مقابلة، فإنها تكون في هذه الحالة مذمومة. قال العلماء رحمهم الله تعالى: وقال بعض أهل العلم، وضابط ذلك أيضًا ما كان مشعرًا بالجهل والظلم، فما كان عن هذه الحالة فهذا يكون نقصًا، والله عز وجل منزه عنه. فالحاصل أن هذه الصفات تكون تارة كمالًا فتثبت لله عز وجل في مقام الكمال، وتارة تكون نقصًا فينزه الله عز وجل عنه في هذا المقام. قال رحمه الله تعالى: وهما من صفات الفعل الاختيارية؛ لأنه متعلق بمشية الله عز وجل، فمتى شاء الله عز وجل فعلها. ومتى يفعلها الله عز وجل؟ هكذا في مقابلة أعدائه وأعداء أوليائه. قال رحمه الله تعالى: ولكن لا ينبغي أن يشتق له من هاتين الصفتين اسمًا، فيقال: ماكر، وكائد. بل يوقف عند ما ورد به النص من أنه «خير الماكرين»، وأنه «يكيد لأعدائه الكافرين». بمعنى أن هذه الصفات لا يشتق لله عز وجل من أسماء هذه الأفعال الذي جاءت في هذه الآيات ونحوها. وكذلك ما جاءت في قول الله عز وجل: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، لا يستفاد منه إثبات اسم لله عز وجل؛ لأن الضابط في أسماء الله عز وجل هي التي تضمنت كمالًا مطلقًا من كل وجه. وأما الأسماء التي كان فيها نقص أحيانًا في ذاتها، أو كان باعتبار متعلقها أو باعتبار التقدير، فإنها ليست من أسماء الله عز وجل. فأسماء الله عز وجل ما هي؟ ما تضمنت الكمال المطلق من كل وجه. وهذه الصفات -أي الماكر والمخادع وكذلك الكائد- هي في ذاتها تدل على كمال تارة، وتدل على نقص. قال رحمه الله تعالى: أما قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، فمعناه شديد الأخذ بالعقوبة. كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. فقول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، كما قال الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا، فمعناه شديد الأخذ بالعقوبة، فلا مانع لما أراد الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: وقال ابن عباس: معناه شديد الحول. وقال مجاهد: شديد القوة. والأقوال متقاربة. طيب أثر ابن عباس رضي الله عنه ما رواه ابن جرير في المجلد السادس عشر صفحة ثلاثمائة وتسعين، من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس... فذكره، فهو منقطع؛ لأن ابن جريج يروي عن ابن عباس بواسطة رجل. قال رحمه الله تعالى: وأما قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، فمعناه أنفذهم وأسرعهم مكرًا؛ لأن الله عز وجل كما سمعتم لا معقب لحكمه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له: «كن فيكون». قال رحمه الله تعالى: وقد فسر بعض السلف «مكروا الله» بعبادي بأنه استدراجهم بالنعم حيث لا يعلمون. فكلما أحدثوا ذنبًا أحدث لهم نعمة. وفي الحديث: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معصية فاعلم أنما ذلك منه استدراج». الحديث رواه الإمام أحمد وغيره، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في المشكاة من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه. قال رحمه الله تعالى: قد نزلت هذه الآية في شأن عيسى عليه السلام حين أراد اليهود قتله، فدخل بيتًا فيه كوة، وقد أيده الله بجبريل عليه السلام، فرفعه إلى السماء من الكوة. فدخل عليه يهوذا يدلهم عليه ليقتلوه، فألقى الله شبه عيسى على ذلك الخائن. فلما دخل البيت فلم يجد فيه عيسى، خرج إليهم ويقول: ما في البيت أحد، فقتلوه وهم يرون أنه عيسى. فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وهذه القصة جاءت كثيرًا عن جماعة من المفسرين. قال رحمه الله تعالى: وأما قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾، فهي في شأن الرهط التسعة من قوم صالح عليه السلام حين تقاسموا بالله لنبيت أي ليقتلنه بياتًا هو وأهله، ثم لنقولن لوليه: ما شهدنا مهلك أهله. فكان عاقبة هذا المكر منهم أن مكر الله بهم، فدمرهم وقومهم أجمعين. وهذا يدل كذلك في تسلية أهل الإيمان في أن الكافرين مهما تمالأوا وفعلوا ما فعلوا من المكر والكيد، فإن الإنسان -لا سيما الصالح- إذا كان مع الله عز وجل، كان الله معه. إذا كان مع الله عز وجل، كان الله عز وجل معه ناصرًا ومؤيدًا ومعينًا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا.

شاركنا على