التعليق على كشف الشبهات 38

الدرس في التعليق على كشف الشبهات 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح آيات الكفر والإيمان

شرح شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لآيتين من القرآن الكريم تتعلقان بالكفر والإيمان، مبينا أن الكفر يمكن أن يكون بالعمل أو بالقول. ولا عذر لمن كفر إلا المكره الذي قلبه مطمئن بالإيمان.

حكم المكره على الكفر وتفصيله

يدخل المكره بالقول والعمل في الاستثناء من الكفر، والمكره عذره الله عز وجل. الآية عامة تشمل الإكراه على القول والفعل، وهو قول أكثر العلماء وترجيح ابن جرير وغيره.

أسباب الكفر والشرك وتأثير الدنيا

الكفر والشرك قد يكونان نتيجة لرغبة الإنسان في الدنيا ومكاسبها، وليس بالضرورة بسبب اعتقاد أو جهل. الآية الكريمة توضح أن السبب في كفر بعض الناس هو تفضيلهم الحياة الدنيا على الآخرة.

ختام الكتاب وتأكيد العذر للمكره

يختتم المؤلف كتابه كشف الشبهات، مشيرًا إلى أن الله لم يعذر إلا من أكره مع اطمئنان قلبه بالإيمان. ينهي المؤلف الكتاب بالدعاء والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ذكره الآيتين التي قال رحمه الله فيهما: إنه ينبغي أن تفهم في هذه المسألة مسألة أن الكفر أيضا يكون بالعمل. قال: "ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله". خضنا الآية الأولى، وهي قوله جل وعلا: ﴿إن سألتهم ليقولون إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾. وبيّن الشيخ رحمه الله أن هذه أيضا فيها الكفر بالكلمة، وهي كلمة عبر من مزاح، فكيف بالذي يعمل وأيضا يفعل الكفر ويفعل الشرك وهو يعلم أنه شرك؟ فهذا لا شك أنه أعظم كفرا. قالوا: الآية الثانية قوله تعالى: ﴿من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾. قال رحمه الله: "فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئن بالإيمان، هذا الشرط: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، أي بشرطين: أنه أكره على هذا الكفر، والأمر الثاني أن قلبه مطمئن بالإيمان. أما إذا غير ما في قلبه، فهذا يعتبر كفرا. وكذلك إذا لم يكن عن إكراه، وإنما عن مزاح أو عن تشهي أو عن تسلية كما يقولون، فهذا أيضا لا يعذر صاحبه، بل يكفر بالله جل وعلا". ثم قال: "ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم". أن من تلقى هذا الكفر برحابة صدر، وكذلك باعتقاد، فإنه لا شك في كفره. قال: "ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين". قال: "وأما غير هذا فقد كفر". معنى عذر الله عز وجل من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفا أو مدارات أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعله على وجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره، فهنا استثناء المكره. ويدخل فيه المكره بالقول وبالعمل، لأن بعض العلم يقول: أن المكره بالعمل لا يدخل في هذا، أن لا يستثنى. والصحيح أنه يستثنى المكره بالقول والمكره بالعمل، المكره بالقول والمكره بالعمل بالعمل. فإن المكره بالعمل مثل الذي يكره بالقول، بل أحيانا يكون أشد، أن أحيانا يكون أشد. وأما الاستدلال بقصة طارق بن شهاب، أنه قال: "أن دخل رجل الجنة في ذباب ودخل رجل النار في ذباب". وذكر القصة: أنه كان الناس معهم صنم، لا يمر أحد من عندهم إلا يقولون له: قرب، ولو شيئا يسيرا. فمر رجل، فقال له: قرب. قال: ما أقرب، ما عندي شيء أقرب. قال: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فكان من أهل النار. وقال لرجل: قرب. قال: ما أقرب لغير الله جل وعلا. قال له: قرب ولو ذبابا، وإلا قتلناك. فلم يقرب شيئا، فقتلوه، فأدخله الله الجنة. فهذا الأثر هو أثر عن طارق بن شهاب رضي الله عنه، وهو صحابي صغير، وأقصده عن سلمان الفارسي، ذكره طارق بن شهاب عن سلمان الفارسي. وقد يكون هذا سلمان أخذها من بعض القصص التي كانت عنده للكتاب، ولم يثبت أنه عن النبي عليه الصلاة والسلام. وإن ثبت، فهو شرع من كان قبلنا، وإلا فشرعنا المكره عذره الله عز وجل. والآية عامة، لم يجعل فيها القول من غير الفعل، بل كله من أكره عليه. من أكره على القول يدخل في هذه الآية، ومن أكره على الفعل كذلك. أنه قد يكون الإنسان يكره على فعل الكفر، على فعل الشرك، معنى تحت التهديد والقتل، فإنه أن يفعل أو يقتل، فقد يفعل ذلك اتقاء لهذا الأمر، وهذا إكراه. مثل مع أنه يتلفظ بالقول، فكذلك أيضا العمل أيضا يعتبر مكره. وهذا هو قول أكثر العلم، وهو ترجيح ابن جرير وغيره. قال: "وقوله: ﴿فالآية تدل على هذا من جهتين﴾. الأولى قوله: ﴿إلا من أكره﴾، فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، المكره استثناه الله عز وجل في الآية. وأما فعله اختيارا أو مزاحا أو فعله تسلية أو فعله غيرها من هذه الأغراض، فإنه يكفر. أو مثلا يريد جاها أو مالا، فعل الكفر لأجل الجاه أو لأجل المال، فهو أيضا يعتبر كافرا. قال: "الكفر أو عمله". قال: "الكفر أو عمله". فهذا يدلك على ما ذكره الشيخ: أن الذي يعمل الكفر، ولو كان خوفا أو يريد غرض المال، ليس همه العمل بالشرك، وإنما همه المال أو همه الجاه والشرف والرئاسة، فهذا كله يعتبر كفرا، ولو كان الغرض ما هو الغرض. لأن الله عز وجل لم يستثن إلا المكره: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾. قالوا: معلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره عليها أحد. وهذا لا شك فيه، عقيدة القلب لا يكره عليها أحد أبدا، لا يستطيع الإنسان أن يكره إنسانا على عقيدة القلب، أن تعتقد كذا، لا بد أن تعتقد هذا، فهذا بعيد جدا. لأن القلب لا يستطيع أحد أن يدخل فيه. فلهذا فمن قال مثلا: أنا مكره على هذا الفعل أو على هذا الاعتقاد، مثلا يدعو غير الله، يستغيث بغير الله، ويقول: أنا مكره، فهذا كلام باطل. لأن عقيدة القلب لا يكره عليها أحد، ولا يستطيع أحد أن يكره أحدا بعقيدة، وإنما هذه العقيدة يأخذها الإنسان ويعتقدها بنفسه. قال: "والثاني قول تعالى: ﴿ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة﴾، فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظا". وهذا يدلك على فقه الشيخ رحمة الله عليه، وكذلك استنباطه من الآيات مسائل عظيمة. فهذه الآية دلت على أن هؤلاء فعلوا الكفر، وانشرحت قلوبهم بالكفر، ليس لأجل الكفر، وليس لأجل أنهم لا يعلمون أنه كفر، وليس أيضا لا يعلمون أن الدين خلاف هذا، لكن لأجل الدنيا، لأجل المال، لأجل الرئاسة، لأجل الجاه فعلوا ذلك لأجل هذه الأمور: ﴿ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة﴾. فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل أو البغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظا من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين. وهذا هو مربط الفرس كما يقولون. وهذا هو شاهد الشيخ رحمه الله في هذه المسألة: أن كثيرا من الناس يفعلون الكفر والشرك، ويجارون الناس في كفرهم وشركهم، لأجل الجاه، لأجل أن تبقى مكانتهم عند هؤلاء العوام، لهم مكان ولهم جاه ولهم كذا وكذا، أو مشيخة قبيلة أو حكما أو غيرها من هذه الأشياء، فيجارون الناس في هذا. وهذا ليس لهم عذر، لأن الله عز وجل إنما عذر من أكره وقلبه مطبئن بالإيمان، أي بهذين الشرطين. فهذا آخر ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب العظيم، وهو كتاب "كشف الشبهات". وإن شاء الله تعالى قد ختمناه. فقال المؤلف رحمه الله: "والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".