التعليق على كتاب العلم  53

التعليق على كتاب العلم 53

الدرس في التعليق على كتاب العلم 53، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل العلوم الشرعية وأسس الدعوة العلمية

يؤكد الشيخ ابن عثيمين أن العلوم الشرعية هي الأصل الذي لا تصح العبادة ولا الدعوة إلا به، وينتقد الدعوات الخالية من العلم لسرعة اندثارها. ويحث الدعاة على طلب العلم والإتقان قبل الانطلاق في الدعوة مستدلاً بالآيات والأحاديث الواردة في وجوب العلم وخطر كتمانه.

وجوب طلب العلم الشرعي وتقسيمه ومسؤولية الأمة

يبين المقطع أنه لا عذر للداعية في ترك الدعوة أو التعليم بدعوى الجهل، بل يدعو بقدر ما آتاه الله مع الإتقان. ويوضح أن الأمة في أمس الحاجة للعلماء وطلاب العلم الشرعي، مقسماً إياه إلى فرض عين كالعقيدة والعبادات وفرض كفاية، مع ترجيح الاستمرار في طلب العلم الشرعي عند التعارض.

أقسام العلوم الشرعية فرض الكفاية وحكم العلوم الدنيوية

يشرح المقطع مفهوم فرض الكفاية في العلوم الشرعية كالتوحيد والفقه والمواريث مستدلاً بالقرآن الكريم. ثم يصنف العلوم غير الشرعية إلى ثلاثة أقسام: ضارة محرمة كالسحر، ونافعة مباحة أو مطلوبة ك الطب والهندسة وقد تكون فرض كفاية، ولاغية لا نفع فيها كعلم المنطق والتحليلات السياسية المضيعة للوقت.

النهي عن متابعة الأخبار والسياسة لضياع الوقت

ينصح المتحدث بالإعراض عن متابعة الأخبار والأحداث السياسية لأنها تستهلك الأوقات بلا فائدة راجحة. ويعتبر الاشتغال بها من المباحات التي تضر أكثر مما تنفع، مقدمًا الانصراف عنها على الانشغال بها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فقد سئل فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى، كما في كتابه "كتاب العلم": سئل: إذا كانت الأمة محتاجة إلى العلوم المادية ك الطب والهندسة وغيرها، فهل الأفضل للإنسان أن يتخصص في العلوم المادية أم العلوم الشرعية؟ فأجاب بقوله: لا شك أن الأصل هو العلوم الشرعية، ولا يمكن لإنسان أن يعبد الله حق عبادته إلا بالعلم الشرعي، كما قال الله تعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾، فلا بد من العلم الشرعي. فقوله: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾، قيل: البصيرة هي أعلى درجات العلم، فهي العلم ووضعه في مكانه المناسب. فإذا لا بد من العلم، كما قال: فلا بد من العلم الشرعي الذي تقوم به حياة المرء في الدنيا والآخرة. ولا يمكن لأي دعوة أن تقوم إلا وهي مبنية على العلم. فلذلك الدعوات الخالية من العلم والاهتمام بالعلم سرعان ما تتساقط، وسرعان ما تندثر. لماذا؟ لأنها غير مبنية على العلم، كدعوة التبليغ، ودعوة من يسمون أنفسهم بالتبليغ والدعوة، فهم ليس حول العلم ولا يهتمون بأمر العلم. فلذلك ذابت دعوتهم وماتت، وهم في خروجاتهم يقتصرون على أمور يسيرة، وأمور كذلك مكررة، يدورون بها في دعوتهم، ولا يطلبون الزيادة، ولا يطلبون الزيادة. فغايتهم أن يتقن المنتمي إليهم هذه الأصول التي يمشون عليها، هذه الأصول التي يمشون عليها، هذه غايتهم. وكذلك دعوة الإخوان المسلمين، سواء كان في اليمن أو في مصر أو في غيرها من البلاد، دعوة قائمة على السياسة، فهي خالية من العلم، ولذلك سرعان ما ماتت واندثرت وضعفت. لماذا؟ لأنها لا تبنى على العلم، لا تبنى على العلم. وهكذا غيرها من الدعوات التكفيرية وغيرها، لما تركوا العلم والاهتمام بأمر العلم ضلوا وأضلوا، واندثرت تلك الجماعات وتلك كذلك الأحزاب. ووفق الله عز وجل أهل السنة إلى الاهتمام بالعلم والدعوة في دروسهم، وفي محاضراتهم، وفي مراكزهم العلمية، فهي دعوة إلى العلم: علم التوحيد، وعلم الفقه، وعلم كذلك الأصول، وعلم كذلك العقيدة، وغيرها من العلوم. قال: وبهذه المناسبة أود أن أحث إخواني الدعاة إلى الله أن يتعلموا قبل أن يدعوا، وليس معنى ذلك أن يتبحروا في العلم، لكن أن لا يتكلموا بشيء إلا وقد بنوه على العلم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني ولو آية». قال العلماء: أي علمتها وأتقنت تفسيرها، فتبلغ معنى هذه الآية، وتوضح ذلك وتبينه. ويوضح ذلك ويبينه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من كتم علما ألجم يوم القيامة بلجام من نار، بلجام من نار». فانظر إلى قوله: «من كتم علما»، معناه أنه عالم، معناه أنه عالم. فلا تكون الدعوة إلى شيء إلا بعلم. تدعو الناس إلى التوحيد، لا بد أن تعرف مسائل التوحيد، حتى لا تعلم الناس الشرك. تريد أن تدعوهم إلى التوحيد، فإذا بك تدعوهم إلى الشرك. تريد أن تدعوهم إلى السنة، فإذا بك تدعوهم إلى البدعة. لماذا؟ لأنك لم تتقن العلم الذي تدعو إليه. أردت أن تدعو الناس إلى أحكام الصلاة، وأنت لم تتقن هذه الأحكام، فيحق لك أن تعلم هذه الأحكام كما قررها الفقهاء، وأنت لم تدرس ولم تتقن هذا العلم. وهكذا. وأما قوله: وليس معنى ذلك أن يتبحروا في العلم، يعني ليس معناه أنه لا يدعو إلا من بلغ مبلغا عظيما في العلم، وإنما المراد أن تتعلم وتدعو بقدر ما أعطاك الله عز وجل من هذا العلم. وليس معنى هذا التزهيد في التبحر في العلم، فلا شك أن هذا أكمل، التبحر في العلم وكذلك التوسع في الحفظ والعلم، هذا أمر مرغب فيه. ولكن المراد أنك لا تعتذر إذا طلب منك الدعوة إلى الله، أو التدريس، أو التعليم، لا تعتذر أنك لم تكن عالما، ولم تكن مستفيدا، أو إلى غير ذلك، وإنما تدعو إلى الله عز وجل بقدر ما أعطاك الله، فلا تدعو إلى شيء إلا وقد تعلمته وأتقنته. قال: وليس معنى ذلك أن يتبحروا في العلم، لكن أن لا يتكلموا بشيء إلا وقد بنوه على العلم، لأنهم إذا تكلموا بما لا يعلمون كانوا داخلين تحت قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾. أي أنك ستقع في القول على الله بغير علم إذا علمت بدون علم، إذا علمت بدون علم. ولا شك كما ذكر الشيخ أن الأمة بحاجة إلى العلوم الشرعية. أما العلوم الدنيوية فالناس قد أولوا غاية اهتمامهم بها. لو نظرت الآن إلى المجتمعات: هل تحتاج إلى أطباء، إلى مهندسين؟ لا، لا تحتاج. ربما بعض المهندسين إلى الآن يسعى في طلب وظيفة ولم يجدها لكثرتهم، وأكد الأطباء، ما تمر في شارع إلا وتجد العيادات والمستشفيات وأسماء الأطباء. الناس أولوا غاية اهتمامهم بالعلوم المادية الدنيوية. ولكن لو نظرت في مجتمعات المسلمين: هل فيها علماء؟ كم من بلاد تحتاج إلى عالم، أو إلى شيخ، أو إلى طالب علم مستفيد يرجع إليه الناس في أمور دينهم فلا يجدون، فلا يجدون. فإذن المسؤولية أعظم، المسؤولية أعظم على طلاب العلم، والأمة أحوج ما تحتاج إلى العلماء، وإلى المشايخ، وطلاب العلم. فإذن ينبغي على أهل الإسلام، خصوصا من شرح الله صدره للعلم وحب العلم، أن يستمر في هذا الطريق. وإذا دعي إلى دراسة مادية، فخير له أن يستمر على ما وفقه الله عز وجل من دراسة، من دراسة العلوم الشرعية، من دراسة العلوم الشرعية. فلا شك أنها أنفع، والأمة إليها أحوج. قال: والعلوم الشرعية تنقسم إلى قسمين: قسم لا بد للإنسان من تعلمه، وهو ما يحتاجه في أمور دينه ودنياه، وهو ما يتوجه إليه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». وهذا الحديث يحسن بمجموع الطرق، كما حسنه العلامة الألباني، وكذلك الشيخ الوادعي رحمه الله. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، المراد به العلم العيني، كتعلم العقيدة والتوحيد، وتعلم الصلاة وأحكامها، أحكام الطهارة، وأحكام كذلك الصلاة من حيث الشروط والأركان، وإلى غير ذلك. فهذه كلها من فروض الأعيان، لا بد للإنسان أن يتعلمها، لأن الصلاة فرض عين على كل مسلم. وهكذا الصيام: يتعلم أحكام الصيام حتى لا يفسد صومه بسبب الجهل، فتتعلم مفطرات الصيام، تتعلم كذلك واجبات الصيام، تتعلم أحكام كذلك النية في الصيام، وإلى غير ذلك. فهذه أيضا من فروض الأعيان على كل من يجب عليه الصوم، على كل من يجب عليه الصوم. فيما لا بد من تعلمه. وهكذا في أمر الزكاة: من عنده مال قد بلغ النصاب وحال عليه الحول، يجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة حتى يخرج هذه الزكاة كما أراد الله سبحانه وتعالى. فهذا من العلوم الواجبة فرض عين. قال: وقسم آخر وهو فرض كفاية، فإنه هنا يمكن الموازنة بينه وبين ما تحتاجه الأمة من العلوم الأخرى التي ليست من العلوم الشرعية. يعني السؤال هذا: أيهما أحوج، العلوم المادية أو العلوم الشرعية؟ هذا إذا تعارضت هذه العلوم المادية مع العلوم الشرعية التي هي من قسم فرض الكفاية، التي هي من قسم فرض الكفاية. وعلوم فرض الكفاية هي العلوم التي إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الآخرين، كتعلم تفاصيل أمر العقيدة والتوحيد، أو تفاصيل أمر الفقه من التعمق في الفقه الإسلامي ومعرفة الخلاف، أو تعلم علم المواريث، أو تعلم علم كذلك المعاملات من النكاح أو البيوع، أو إلى غير ذلك من تفاصيل هذه العلوم. فهذا تعلمه فرض كفاية، لا يجوز للأمة جميعا أن تترك هذه العلوم، لأنها لو تركتها لاندرست، أو احتاجت الأمة إلى من يفتيها في هذه المسائل والأحكام، فإذا لم يوجد من يفتيها عبد المسلمون ربهم على جهل وعلى ضلال، فيكون حالهم كحال النصارى الذين عملوا بغير علم. فإذا ينبغي لطائفة من المسلمين أن يقوموا بهذا الفرض الكفائي، أن يقوموا بهذا الفرض الكفائي، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾. فإذا هذا القسم الثاني هو الذي يفاضل بينه وبين العلوم المادية. ومع هذا فلا شك أن الاهتمام بالعلوم الشرعية أحوج ما تحتاج إليه الأمة، خصوصا في زماننا هذا الذي قل فيه العلم والعلماء، وكثر، وكثر فيه التعلق بالدنيا وعلومها. فمن وفقه الله عز وجل لسلوك هذا الطريق، طريق العلم، فلا يبغي عنه بدلا، فلا يبغي عنه بدلا، وليبشر بالفضائل الكثيرة والعديدة التي جاءت في فضل العلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، وغيرها من الأدلة الكثيرة والكثيرة. قال: وكذلك العلوم الأخرى التي ليست من العلوم الشرعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام. يعني حتى العلوم غير الشرعية ليست كلها جائزة ومباحة، بل حتى علم الطب إذا كان ينال هذا العلم بالمخالفات الشرعية فلا يجوز، كالاختلاط، اختلاط الرجال بالنساء، والتبرج، تبرج النساء، وإلى غير ذلك، كما هو الحال في كثير من جامعات أهل الإسلام، وللأسف الشديد. فهذا لا يجوز أيضا الدراسة، لا لأجل العلم، ولكن لأجل ما فيه من المخالفات والمنكرات، المخالفات والمنكرات. ولكن هذه العلوم المادية ربما بعضها لا يجوز تعلمه، ولا يجوز كذلك أخذه. ولذلك قال: وكذلك العلوم الأخرى التي ليست من العلوم الشرعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أولا: قسم العلوم الضارة، فيحرم تعلمها، ولا يجوز للإنسان أن يشتغل بهذه العلوم مهما تكون نتيجتها، كعلوم السحر والشعوذة. هذه من العلوم التي لا يجوز تعلمها، أو كذلك العلوم التي تضر بالأمة، تضر بالأمة، فلا يجوز أيضا تعلمها. فكل علم فيه ضرر، وفيه مفاسد، فلا يجوز أن يتعلمها المسلم. ومن ذلك علوم الكفر، كالشيوعية، وكذلك الديمقراطية، أو غيرها من تلك العلوم والفلسفات التي فيها الكفر البواح. فهذه من العلوم الضارة التي لا يجوز تعلمها. وقال: ثانيا: قسم العلوم النافعة، فإنه يتعلم منها ما فيه النفع كما تقدم، كعلم الطب، علم الهندسة، علم الحاسوب، علم كذلك الجغرافية، علم الفلك، علم كذلك الأحياء والكيمياء، وإلى غير ذلك مما يكون فيه نفع دنيوي لأهل الإسلام، يكون فيه نفع دنيوي لأهل الإسلام. كذلك تعلم العسكرة، وكذلك دراسة الفنون الحربية، وإلى غير ذلك. كل هذا من العلوم النافعة التي ينتفع بها أهل الإسلام، فهذا لا بأس بها. نعم، وربما تكون من فروض الكفاية، لأن الأمة في أمس الحاجة إلى بعضها، إلى بعضها، فيجب على طائفة من هذه الأمة أن يتعلم مثل هذه العلوم النافعة التي تنتفع بها الأمة. قال: وثالثا: قسم العلوم التي جهلها لا يضر، والعلم بها لا ينفع. وهذه لا ينبغي للطالب أن يقضي وقته في طلبها، كعلوم المنطق وغيرها. يعني الذي ما فيه مخالف وكفر، وما فيه نفع، إنما هو عبارة عن نظريات، عبارة عن نظريات وكلام ليس بالنافع، وليس بالضار، وإنما هو تضيع للأوقات. فهذا لا يدرس، ولا يضيع الوقت فيه، ولا يضيع الوقت فيه. وهو أشبه كذلك بمتابعة مثلا علم السياسة في وقتنا هذا، والتحليلات السياسية. هذه ما ينتفع بها، وربما ما فيها مضرة، وإنما فيها تضيع للأوقات. متابعة الأخبار، وماذا فعل الرئيس الفلاني، وماذا فعلت الطائفة الفلانية، وإلى غير ذلك. فهذه أيضا تترك، لأن فيها تضيع للأوقات، وليس هناك نفع واضح بين من وراء الاشتغال بمثل هذه السياسات. فتترك أيضا، تترك مثل هذا. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.