شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 2

شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 2

الدرس في شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح منظومة السير إلى الله

يبدأ الشرح بالبيت الأول من المنظومة، مشيراً إلى أهمية اجتناب طرق الهلاك والتوجه إلى ما يحبه الله. هذا التوجه هو سبيل النجاة والسعادة.

تجنب سبل الردى والوصول إلى الله

يتم التركيز على تجنب الشرك والبدعة والمعصية، والالتزام بالتوحيد والسنة والطاعة. كما يشدد على أهمية التخلص من مظاهر الشر والتحلي بالهم والإرادة للوصول إلى منازل الرضوان.

منهج التخلية قبل التحلية في الإصلاح

يتم التأكيد على أهمية إزالة العوائق والعقبات أولاً قبل البناء، وهو المنهج الذي سار عليه أهل السنة والجماعة في دعوتهم، حيث يبدأون بالتصفية ثم التربية على الدين الصحيح.

ختام الدرس والإرشاد للمزيد من الدراسة

يختتم الدرس بالدعاء لله بالنفع بما قيل، والصلاة على النبي محمد، مع الإشارة إلى أماكن الحصول على نسخ من المنظومة لمتابعة الدراسة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، بالأمس كان الشروع في مقدمات مهمة متعلقة بهذه المنظومة، والذي سنتولاها بالشرح بإذن الله في مثل هذه الأوقات، وهي منظومة الإمام السعدي رحمه الله تعالى، والموسومة "السير إلى الله والدار الآخرة". مع التنبيه أن الناظم رحمه الله له تعليق يسير على هذه المنظومة، ولهذا أحيانا سأستعين ببعض عباراته التي فيها بيان لحقيقة هذا البيت أو ذاك. والآن نبدأ بالشروع في هذه المنظومة، والذي قد ذكرنا أنها متكونة من ثمانية عشر بيتا، قال رحمه الله تعالى: سعد الذين تجنبوا سبول الردى وتيمموا لمنازل الرضوان. الشرح لهذا البيت بالمعنى العام أي أنه نال السعادة والظفر، سعد الذين أي نال السعادة والظفر من اتصف بهاتين الصفتين العظيمتين، أولاها الاجتناب لسبول الردى، قال: سعد الذين تجنبوا سبول الردى، وسبول الردى أي سبل الهلاك. الصفة الثانية أنهم وفقوا للوصول إلى الدرجات العلية والمنازل الرضية. وهذه من أعظم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها السائرون إلى الله، ولهذا الناظم رحمه الله تعالى ابتدأ بها، لأن السائر إلى الله جل وعلا لابد في بداية طريقه أن يتبين من حقيقة سيره، فعليه أن يحرص على أن لا تتخبطه طرق الضلالة وطرق الانحراف يمنة ويسرة، وإنما يحرص على الوصول إلى الطريق الصحيح الموصلة إلى ما يحبه الله ويرضاه. قال إمام السعدي رحمه الله تعالى تعليقا على هذا البيت الذي أنشأه فقال رحمه الله تعالى: "وهذا هو أصل طريقهم وقاعدة سير فريقهم، أنهم تجنبوا طرق الخسران وتيمموا طرق الرضوان، تجنبوا طرق الشيطان وقصدوا عبادة الرحمن". انتهى كلامه رحمه الله. إذن هذه صفة من أعظم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها السائر إلى الله، أن يجتنب سبول الردى وأن يقصد منازل الرضوان. وهنا إخواني في الله تأتي معنا عدة فوائد نستفيدها من هذا البيت ومن معناه. الفائدة الأولى إخواني في الله، في قول الناظم رحمه الله تعالى واصفا هؤلاء "تجنبوا سبول الردى" فيه دلالة على أن من حال المسلم أن يتجنب سبول الردى، ولا شك ولا ريب أن سبول الردى كثيرة وكثيرة جدا، لكن يمكن أن نختصرها في ثلاثة أمور وهي القواعد الكلية في انحراف الإنسانية عن الجادة، وهي الشرك والبدعة والمعصية. هذا الأساس والأساس في سبول الردى، فمن سلم من الشرك ومن البدعة ومن المعصية فقد سلم من سبول الردى. وإن النجاة من هذه الطرق ومن هذه السبول إنما يكون بأن تتصف بأضادها، تتصف بضدها، فمن أراد أن يسلم من الشرك فعليه بأن يعتنق التوحيد، ومن أراد أن يسلم من البدعة فليعتنق السنة، ومن أراد أن يسلم من المعصية فعليه أن يبادر إلى الطاعة والتوبة والعبادة. هذا مقابل هذا، ولهذا علينا أن نعلم أن المشرك وأن المبتدع وأن العاصي، أن هؤلاء ليس لواحد منهم حظ في سيره إلى الله جل وعلا، للمشرك ولا المبتدع ولا العاصي الذي يفعل الكبائر ويستمر عليها، ليس لهم حظ في سيرهم إلى الله. الفائدة الثانية، في هذا الشطر "تجنبوا سبل الردى" فيها فائدة على أن المسلم ومن أراد أن يسير إلى الله سيرا صحيحا عليه أن يتخلص من مكان الشرك ومن صوره ومن مظاهر الشر ومن صوره ومن مظاهره، وصفا كان أو عينا أو مكانا كائنا من كان، يتخلص من مكان من الشر حتى يستطيع أن يصل إلى الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: "كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني". يسأل عن الشر مخافة أن يدركني. ولهذا قال القائل: "عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه، ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه". الفائدة الثالثة المستفادة من هذا البيت، وفي قوله "وتيمموا لمنازل الرضوان" فيه بيان على أن من أراد أن يصل إلى هذه المنازل العلية فإنه يحتاج إلى هم ويحتاج إلى إرادة ونية، وهذا مستفاد من قول الناظم "تيمموا"، والتيمم في اللغة العربية بمعنى القصد للشيء. الناظم عبر عن هؤلاء الذين أرادوا اللحوق بهذه المرتبة قال "تيمموا" أي أنهم قصدوا، أي أن الواحد منهم جمع شتات أمره وعزم وعقد النية والإرادة والقدرة على أن يصل إلى أن يحقق المطلوب. وهذا أمر مستفاد من قول ربنا عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، من أراد السبيل، من أراد الطريق التي أرادها الله عز وجل إنما تكون من جهتك أنت، ابدأ بنفسك جاهد. الفائدة الرابعة مما يستفاد من هذا البيت، فيه بيان لمسلك تربوي دعوي منهجي، وهو أن من أراد الإصلاح لنفسه أو لغيره، كائنا من كان فردا أو مجتمعا، لابد أن يقوم على هذه القاعدة، ما هي؟ التخلية قبل التحلية. التخلية قبل التحلية، الإنسان إذا أراد أن يصلح شيئا أو أمرا ما عليه قبل البناء، عليه أن يصفي، عليه أن يمهد، عليه أن يجتنب المعوقات، يزيل العوائق والعقبات أولا، ثم بعد ذلك يأتي التشهيد، يأتي البناء. هذا في الأمر الحسي، وأيضا في الأمر المعنوي، ومنها ما نحن بصدده من تربية أنفسنا أو من تربية غيرنا، علينا أن نبدأ بالتخلية، أي نخلي، نصفي، نصفي الناس من العقائد الفاسدة، نصفي الناس من الأعمال الكاسدة، نصفي الناس من الأخلاق والآداب الهابطة. فإذا صفينا حينها نربي، لأن البيئة الآن ملائمة، ما عندي ما يعوقني أو ما يعطل علي حين يأتي البناء، أبني العقيدة الصحيحة، وأبني كذلكم الأعمال الصالحة، وهكذا آتي بالأخلاق والآداب السامية. وهذا المسلك التربوي إخواني في الله سار عليه منهاج دعوة أهل السنة والجماعة، بما يسمونه بالتصفية والتربية، أو التصفية قبل التربية، هذا الذي ينادي به أهل السنة في مثل هذه الأزمان، وهي من أعظم ما يميزهم عن باقي الجماعات. نبدأ بالتصفية، نصفي، نصفي كل ما ترسب في أخلاق الناس وفي عقائدهم وفي أعمالهم من الشوائب، من الأعمال والآراء والأهواء، ثم بعد ذلك نربيهم على ما أراد الله عز وجل من الدين الصحيح. وأخيرا إخواني في الله، مما يذكر كذلك من فوائد هذا البيت، أن نعلم أن السعادة كل السعادة من وفق لامتثال شرع الله، لقول الناظم "سعد الذين" أي تحققت لهم السعادة، سعد ما ذكره بصفة المضارع، بل ذكرها بأن السعادة متحقق لهؤلاء لا شك ولا ريب. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم. ومن باب الفائدة، من أراد أن يتابع هذه المنظومة فعند أخينا عبد الله فضيل، وكذلك في مكتبة التقوى عند أخينا محمد بحجاج نسخ لمن أراد أن يتابع هذه المنظومة، وفق الله الجميع.