شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 1

شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 1

الدرس في شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح المنظومة وأهمية السير إلى الله

المحور يقدم شرحًا لمنظومة السير إلى الله والدار الآخرة للإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ويتناول معنى وأهمية السير إلى الله. يُفسر السير إلى الله بالتوجه بالقلوب نحو الطاعة والعبادة.

أهمية التزود بالتقوى والعلم في السير

السير إلى الله يحتاج إلى تزود بالتقوى والعلم الشرعي لتمييز الطريق الصحيح، كما يتطلب الجد والاجتهاد والمثابرة. التقوى والعلم يهديان إلى الصراط المستقيم.

أهمية المنظومة وتوجيه المسلمين

المنظومة تشير إلى أعظم مسائل الدين وتوجيه المسلمين للتركيز على سعادتهم في الدنيا والآخرة. المؤلف اختار أهم المقامات الشرعية ليبين الأولويات.

خاتمة الدرس والتوجه بالدعاء

يتم الإعلان عن البدء في شرح أبيات يوم الغد مع تفصيل وتعليق على العبارات، ويختم بالدعاء أن ينفع الله بما قيل. يُطلب من الله أن يجعلهم من أتباع أحسن الأقوال.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، فإننا بإذن الله في مثل هذه الأوقات سنشرع وإياكم في قراءة منظومة من المنظومات مع التعليق عليها. وهذه المنظومة التي بين أيدينا هي من تأليف الإمام العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، وهو صاحب التآليف الجميلة والتصانيف البديعة. وهذه المنظومة قد أسماها رحمه الله بالسير إلى الله والدار الآخرة، وهي متكونة من ثمانية عشر بيتًا. وقد حرص فيها الناظم رحمه الله تعالى على أن يذكر أحوال أهل الإسلام وأهل الإيمان من خلال اتصافهم بالمقامات الشرعية التي جاءت في الشريعة الإسلامية. وقبل الشروع، إخواني في الله، في هذه المنظومة، أحب أن أبتدئ معكم بمقدمة، بل هي في الحقيقة بمقدمتين، تمهيدًا لهذه المنظومة. أولى هذه المقدمات متعلقة باسمها، والثانية متعلقة بأهميتها. أولًا نقف معكم، إخواني في الله، كمقدمة لهذه المنظومة فيما يتعلق باسمها. قلنا إن الناظم، وهو عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، أسماها السير إلى الله والدار الآخرة. هذه المنظومة قد أشرنا إلى أن الناظم رحمه الله تعالى سيتكلم فيها عن أهم المقامات التي أمر الله جل وعلا عباده بالاتصاف والالتحاق بها، أمر بها، حث عليها، رغب فيها. والناظم رحمه الله تعالى حين يذكر لنا هذه المقامات، هو لم يرد الاستيعاب، وإنما أشار إلى أهمها، ومن أعظمها شأنًا. والذي عناه الناظم رحمه الله تعالى في تسمية المنظومة بالسير إلى الله، ما معناه؟ معناه لزوم الطاعة والعبادة، هكذا يكون السير إلى الله جل وعلا. ومن هنا، إخواني في الله، ومن خلال هذا التعريف السريع للاسم، نأتي الآن إلى بعض الفوائد المستفادة من هذه التسمية. إخواني في الله، علينا أن نعلم أن حقيقة السير إلى الله جل وعلا إنما يكون بالقلوب لا بالأبدان. ولهذا يقول العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى: "سفر الآخرة يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان". وهكذا ما عبر عنه ابن القيم رحمه الله تعالى حيث قال: "فاعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته لا ببدنه". الفائدة الثانية مما نستفيد من تسمية المؤلف لمنظومته أن نعلم أن حالنا جميعًا في هذه الدنيا كحال المسافر والسائر إلى الله جل وعلا، هذا حالنا كلنا بلا استثناء. وقد جاءت النصوص الشرعية تؤيد هذا المعنى، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. قال ابن كثير رحمه الله تعالى مفسرًا هذه الآية: "أي أيها الإنسان إنك ساع إلى ربك". بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أوضح هذا المعنى بكلام واضح بيِّن، فقال عليه الصلاة والسلام: "ما لي وللدنيا؟ ما مثلي ومثل الدنيا إلا كمثل راكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها". تركها إلى أين؟ إلى الله يسير. فهذه حقيقة السير إلى الله جل وعلا، فكلنا سائرون شئنا أم أبينا. الفائدة الثالثة مستفادة من هذه التسمية أن نعلم أن السير إلى الله لابد له من وصول، أنت ستسير إلى متى؟ سير بعد سير لابد له من منتهى. وقد ذكر العلماء أن منازل السائرين تقف في منزلين: منزل في الدنيا، ومنزل في الآخرة. هذه منازلنا، نهاية وختام السير. أما المنزل الذي سننتهي به في الدنيا هو معرفة الله عز وجل، فإنك تسير في هذه الدنيا حتى تصل إلى معرفة الله وإلى ما يجب لله جل وعلا من الإجلال والإعظام. والسير الآخر أنك تسير حتى تصل إلى الجنة، تصل إلى الجنة وإلى رضا الرب عز وجل. ولهذا الناظم، لو تنظر عندما ذكر منظومة السير، قال ماذا؟ "السير إلى الله والدار الآخرة"، إلى الله والدار الآخرة. فكأنه، وهذا على فهم بعض العلماء، الشراء. فالسير إلى الله أي في هذه الدنيا تمشي حتى تعرف حقيقة الرب عز وجل، أي بما يجب له من حقوق وإجلال وإعظام، وتصل إلى الآخرة أي تصل إلى الجنة. مع العلم أن هذا السير وذاك السير متلازمان، فعلى قدر وصولك في معرفتك بربك جل وعلا ستكون درجتك في الجنة. هذا من هذا، كذلك مما يستفاد، إخواني في الله، من تسمية المؤلف رحمه الله تعالى لمنظومته السير إلى الله والدار الآخرة، معناه نحن في سير، إذن هذا السير ما الذي نحتاج إليه؟ مثل أي مسافر يحتاج إلى زاد، لابد من تزود في سيرنا. وهكذا في سيرنا إلى الله وإلى الدار الآخرة لابد أن نتزود. والأزواد كثيرة، لكني أشير إلى أعظم زادين ينبغي أن نتحلى بهما ونحن نسير إلى الله جل وعلا، ونحن في التحلي بهذه المقامات التي ستأتي معنا. أعظم زاد تقوى الله جل وعلا، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾. أعظم زاد نتزود به في سفرنا إلى الله جل وعلا أن نتزود بالتقوى. ولهذا ذكر العلماء أن السائرين إلى الله هم على أحد درجتين لا ثالث لهما: إما أنهم من الأبرار، أو أنهم من المقربين. إما هذا وإما ذاك، هذا هو حال السائر إلى الله صدقًا وحقًا. إما أن يكون من الأبرار وإما أن يكون من المقربين، وكل واحد منهما له حظ من التقوى. الزاد الثاني الذي نتزود به لابد في سيرنا إلى الله، العلم الشرعي. العلم، فإنك يا عبد الله من باب الفائدة في سيرك إلى الله عز وجل لا تظن أن الأمور واضحة جلية، لا، هناك أمور ستضطرب عليك. لأن السير إلى الله عز وجل، بينما ستسير ستجد أن هناك عندك عدة طرق، عدة طرق ليس هناك طريق واحد، بل عدة طرق وكلها تزاحمك، هذا يشير إليك بمؤشر أن هذا هو الطريق، وآخر يدعوك إليه: تعال هلم إلينا هذا الطريق. كيف ستميز بين هذه الطرق والسبل حتى تصل إلى مبتغاك؟ ما ستصله بحدسك أو بشعورك ومشاعرك، إنما ستصل إليه وتهتدي بما معك من العلم. وتأمل في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عندما خط نبينا صلى الله عليه وسلم في الأرض خطًا طويلًا، ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطًا متعرجة، ثم قال، أشار إلى هذا الخط الطويل: "هذا صراط الله"، ثم أشار إلى الخطوط الجانبية: "هذه سبل، ما من سبيل إلا وعليها شيطان يدعو إليه". إذا عندك طرق أنت في سيرك إلى الله عز وجل ستجد طرقًا كثيرة. إذا السبيل يا عبد الله في سيرك إلى الله أن تتزود بالعلم. ولهذا قال ربنا عز وجل: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. فلابد في سيرنا إلى الله عز وجل أن نحرص على التزود بالعلم. وهكذا مما نستفيده من تسمية المؤلف رحمه الله تعالى لمنظومته السير إلى الله جل وعلا، علينا أن في سيرنا إلى الله أن نتحلى بالجد والإجتهاد والقوة والمثابرة والمبادرة والإجتهاد، لا كسل، لا ملل، لا فتور، ولا خور. ومن تأمل في نصوص الشرع كيف أن الله عز وجل يصف السائرين إليه يصفهم بهذه الوصفات التي ذكرناها آنفًا. قال سبحانه: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، تنافس فيه تنافس. كذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾، ليس عبارة عن مشي كما يقال المشي المستميت أو المتثاقل، مشي الأموات، لا، فر وأنت تعلم يا عبد الله إذا فررت كيف تفر بكل ما تملك من قوة. أمر ربنا أن نفعل هذا في السير إليه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾. قال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقال الله: ﴿وَسَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. هذه الأوصاف، إخواني في الله، ما ينبغي أن تمر علينا هكذا مع كثرة قراءتنا لها، التي توحي على أنك يا عبد الله في سيرك وتوجهك إلى ربك وإلى الدار الآخرة تحلى بالقوة والعزيمة والمبادرة والمثابرة، لا كسل، لا فتور، لا خور. وعليك أن تصفي ذهنك في هذه الدنيا على أنه ما يشغلك وكثرة شاغل عن ربك، هذا همك أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، همك الأول والأخير أن تصل إلى رب العباد. ولهذا تجد في السير وتشتد في المسير. ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: "من جعل الهموم همًا واحدًا، هم آخرته، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك". فهذه، إخواني في الله، خمس مسائل أذكرها مستفادة من تسمية المؤلف رحمه الله تعالى لمنظومته منظومة السير إلى الله والدار الآخرة. والوقفة الثانية وهي سريعة، لا أطيل فيها، ماذا يستفاد من هذه المنظومة بشكل عام؟ إذا علمنا أن الناظم رحمه الله تعالى سيذكر لنا بعض المقامات العبادية والتعبدية والشرعية التي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يتصف وأن يتحلى بها. أهمية هذه المنظومة تكمن في أمور آتية. أولاها أن هذه المنظومة هي في الحقيقة تشير إلى أعظم مسائل الدين، والتي ينبغي أن يولي لها المسلمون عناية عظيمة. وكيف لا؟ لأن على ضوء ما فيها سيكون يا عبد الله سعادتك في الدنيا والآخرة. سعادتك في الدنيا والآخرة، لهذا وجب العناية بها. ثانيًا مما يذكر من أهمية هذه المنظومة أن المؤلف رحمه الله تعالى انتخبها لك انتخابًا. انتخب المقامات الشرعية، المقامات الدينية كثيرة في الملة الإسلامية. ومن تأمل في كتب السلوك والتربية يرى ويعلم عن هذه المقامات. إلا أن المؤلف رحمه الله تعالى إنما انتخب لك أهم المقامات، فبدل أنك تتخبط في معرفة المهم والأهم وما تدري أيها أولوية، فالمؤلف رحمه الله والناظم أراحك من العناء، فلخص لك واحتزل لك أهم المقامات التي ينبغي أن تجعل لها أولوية وأهمية. ولهذا هذا مما يجعل للمنظومة أهمية في هذا المقام. كذلك مما يستشعر من أهمية هذه المنظومة أن المنظومة من خلال سيرنا عليها ومع التعليق وبيان كلام العلماء على تفاصيلها ستجد أن المؤلف رحمه الله تعالى سيعرج بنا على مسائل كثيرة من مسائل التعبد، من العبادات الاعتقادية، من العبادات القولية، من العبادات الفعلية، والتي لا غنى لأحد منا عنها. وهكذا فتجد أن الجميع يحتاج إلى التفقه في هذه المنظومة وإلى ما سطره المؤلف رحمه الله تعالى فيها. وكذلك مما يدل على أهمية هذه المنظومة أن فيها لفتة عظيمة إلى ضرورة عناية المسلم والمسلمة بنفسه، بتهذيبها، بتربيتها، بوعظها، وخاصة ونحن في هذه الأزمان التي اشتغل فيها الكثير منا بالدنيا حتى قست القلوب وابتعدنا عن ربنا عز وجل. وأصبح الناس إن درسوا شيئًا من العلوم الشرعية فهو علوم سطحية لا تتعلق بالقلوب والأفئدة والجنان. أما هذه المنظومة فإن المؤلف رحمه الله تعالى سيتطرق إلى أصل الإنسان وهو قلبه، وما يتعلق بهمته، وما فيه الوعظ والزجر عن الانشغال عن هذه الدنيا. وأخيرًا، إخواني في الله، مما به تكتسب هذه المنظومة أهمية أن الناظم هو إمام من أئمة السنة، سطرها وسطر هذه المقامات بقلمه السني السلفي. لأن الكثير ممن تكلم عن هذه المقامات ما سلم من شطحات، ما سلم من شطحات. ومن رجع إلى المصادر التي تكتب في هذا المجال يعلم هذا علم اليقين. لكن حينما يأتي الكلام على هذه المقامات من خلال أقوال وتأليف وتصانيف أئمة السنة، تعلم أن هذه المنظومة على أحسن حال، وأنها خالية من هذه الشطحات التي تورط فيها الكثير من أرباب السلوك. فهذه مقدمة سريعة، إخواني في الله، حول ما يتعلق باسم المنظومة وأيضًا ما يتعلق بأهميتها. وبإذن الله من يوم غد سنشرع في ذكر أبياتها بيتًا بعد بيت مع ذكر التفاصيل والتعليق على بعض العبارات. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.