الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 164، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أدلة التقدير العمري يوم الميثاق مستنداً إلى القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مع ذكر أحاديث إسحاق بن راهويه وعمر بن الخطاب ومناقشة درجات صحتها. ويخلص إلى ثبوت هذا التقدير في اللوح المحفوظ وتسميته التقدير البشري لارتباطه بمصير الإنسان.
يتناول المقطع استخراج الله ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق عليهم بالسؤال ألست بربكم ثم إعادتهم إلى صلب آدم. ويشير إلى تقسيمهم إلى أهل الجنة وأهل النار واستدلال العلماء بذلك من القرآن والسنة.
يوضح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن عرض كتابين يحتويان أسماء أهل الجنة وأهل النار، وبيان أن جمهور العلماء يحملونه على ظاهره معجزة تدل على قدرة الله. ويرد على شبهات حجم الكتابين ومصيرهما بالتأكيد على قدرة الله المطلقة.
يخلص المقطع إلى أن أنواع التقادير المذكورة تستند إلى الآية الكريمة وحديث عبد الله بن عمر في الترمذي الذي حسنه جمع من أهل العلم. ويختتم بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، قال المؤلف العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الرابع والأربعون بعد المئة: ما دليل التقدير العمري يوم الميثاق؟ قدم معنا أقسام التقادير، ومنها التقدير العمري يوم الميثاق، سيذكر أدلته من الكتاب والسنة. قال الجواب: قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَا شَهِدْنَا ﴾ [الأعراف: 172] الآيات. وروى إسحاق بن راهويه أن رجلًا قال: يا رسول الله، أتبتدأ الأعمال أم قد مضى القضاء؟ فقال: «إن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، فقال: هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار». وأصل الحديث قد مر معنا، والمؤلف هنا أورد هذا الحديث معلقًا عن إسحاق بن راهويه أن رجلًا، والحديث له طرق صحيحة، ولذلك صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله في عدة من كتبه، وكذلك شيخنا العلامة المحدث الوادعي في "الصحيح المسند"، كما ذكر ذلك أخونا الشيخ أبو العباس الشحري حفظه الله تعالى في تعليقه على وتحقيقه على هذا الكتاب. وسيأتي بيان وشرح هذه الأحاديث إن شاء الله. وقال: وفي "الموطأ" أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سُئل عن هذه الآية: ﴿ وَإِذَ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ﴾ [الأعراف: 172]، أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُسأل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه حتى استخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون». وهذا الحديث بعض طرقه ثابتة وبعضها ضعيف، كما بيّن ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى، فقال في بعض كتبه ومنها "سلسلة الأحاديث الضعيفة". والخلاصة في هذه الأحاديث في سبب نزول الآية: أن مسألة إخراج الذرية من ظهر آدم في ذلك الوقت وهو خلق آدم ثابت في هذه الأحاديث وفي غيرها من الأحاديث. وهذه المرحلة وهذه الدرجة، درجة التقدير العمري يوم الميثاق، هي مما جاء في اللوح المحفوظ، لكن جعله بعض أهل العلم تقديرًا خاصًا ويسميه بعضهم بالتقدير البشري، لما دلّت عليه الأدلة من كتابة أهل الجنة وكتابة أهل النار كما في صريح هذه الأحاديث: أخرج ذرية آدم من ظهره، ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، فقال: هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار. فإذا هذا تقدير عمري، يعني ما يعمر هؤلاء ومصير هؤلاء، وهذا هو في اللوح المحفوظ. لكن كما تقدم معنا أن هذا من تفاصيل ما في اللوح المحفوظ، من تفاصيل ما في اللوح المحفوظ. ولذلك بعض أهل العلم هذه الدرجة أو هذا التقدير العمري لم يعدوه من التقادير، كما ذكر ذلك العلامة ابن باز، لم يدخله في التقادير الأربعة، فقال: لأن هذا داخل فيما في اللوح المحفوظ. لكن الأدلة دلت على أن هذا الأمر حاصل وواقع، أن هذا الأمر حاصل وواقع، وهو استخراج من صلب آدم ومن ظهر آدم ذريته ونثرهم كما تقدم في هذه الأحاديث، وأن طائفة منهم إلى الجنة وطائفة منهم إلى النار، وطائفة منهم إلى النار. والأمر الآخر: أخذ الميثاق على هذه الذرية بعد أن أخرجهم الله من ظهر آدم، أخذ عليهم الميثاق بقول: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. ثم أرجعهم الله سبحانه وتعالى إلى ظهر آدم بعدما بثهم وأخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم، أرجعهم إلى ظهر آدم. وهذه الأحاديث، والحديثان هذان اللذان ذكرهما المؤلف، دل عليهما كذلك ما في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة لرجل من أهل النار: أرأيت لو كان لك ما في الأرض جميعًا أكنت تفتدي به؟ فيقول هذا الرجل: نعم يا رب، فيقول الله: قد كنت سألتك ما هو أهون من هذا، قد كنت سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في ظهر آدم». هذا هو وجه الشاهد: «وأنت في ظهر آدم»، ثم قال: «فأبيت إلا الشرك». فلا شك أن هذا فيه إشارة إلى ثبوت هذا الاستخراج، ثم أخذ الميثاق، ثم أخذ الميثاق. وقد أورد جمع من أهل العلم هذه المسألة في كتبهم عندما ألفوا في العقائد، عندما ألفوا في العقائد أثبتوا هذا الأمر في كتبهم مما دلت عليه هذه الآية، ودلت عليه أو دل عليه هذان الحديثان. فممن ذكر هذه المسألة في كتابه "كتاب الاعتقاد" عثمان بن سعيد الدارمي في رده على الجهمية، وهكذا الآجري في كتابه "الشريعة"، وغيرهما من علماء أهل السنة ممن كتبوا في العقائد، ممن كتبوا في العقائد. فإذا هذا أمر ثابت، وهو إخراج الذرية عند خلق آدم، وتمييز أهل الجنة وأهل النار، ثم إرجاع هؤلاء إلى صلب آدم، وما دلت عليه هذه الآية وما جاء في تفسيرها في هذين الحديثين. وقال: وفي "الترمذي" من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» فقلنا: لا يا رسول الله، إلا أن تخبرنا. فقال للذي في يده اليمنى: «هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا». فقال أصحابه: «ففيما العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟» فقال: «سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبذهما، ثم قال: «فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. والحديث حسنه العلامة الألباني في مجموع الطرق كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، وأشار إلى ذلك المحقق. ومعنى هذا الحديث: اختلف أهل العلم في معناه، هل هو على ظاهره أو أنه يؤول بمعنى آخر؟ فأكثر أهل العلم على أنه على ظاهره، أن الله عز وجل الذي هو على كل شيء قدير، أكرم نبيه أنه أعطاه هذين الكتابين، أحدهما عن يمينه وفيه أسماء أهل الجنة، والآخر عن شماله وفيه أسماء أهل النار، كما هو ظاهر هذا الحديث، كما هو ظاهر هذا الحديث. وهذا من معجزات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وليس هما كتابان آخران، لأن بعض أهل العلم قال: هذا الحديث يحمل على أنهما كتابان آخران، ليس الذين فيهما أسماء أهل الجنة، وإنما هما كتابان آخران، لكن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يمثل للصحابة، أي أن الله كتب أهل الجنة في كتاب مثل هذا، فأهل الجنة مكتوبون في هذا الكتاب، وأهل النار كتبهم في هذا الكتاب مثل هذا الكتاب. لكن هذا تأويل يحتاج إلى دليل، والأصل الأخذ بالظاهر، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. فهما كتابان حقيقيان فيهما أسماء أهل الجنة وأسماء أهل النار. ولا يلزم من هذين الكتابين الذي فيه أسماء أهل الجنة وأسماء أهل النار أنهما دواوين كبيرة وقناطير كثيرة، كم هم عدد أهل الجنة، بعضها كذا، يقول: كم هم عدد أهل الجنة وكم هم عدد أهل النار منذ أن خلق الله الخلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟ فلا يلزم من هذا الكتاب ما ذكره بعض أهل العلم من إرادة هذه الشبهة. فالله عز وجل على كل شيء قدير، وهو قادر أن يجمع أهل الجنة في مثل هذا الكتاب، وهو قادر أن يجمع أهل النار في مثل هذا الكتاب، في مثل هذا الكتاب. وهذا كما قلنا: الله عز وجل على كل شيء قدير، وهو معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقول بعضهم: أين ذهب هذا الكتاب بعدما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بهما؟ فهذا أمره إلى الله، الله أعلم، قد يكون هذا الكتاب رُفع، هذا الكتاب أو أمر فيه ربنا سبحانه وتعالى بما شاء، فلم يطلع عليه أحد، ولم يعلم أحد من هم أهل الجنة ومن هم أهل النار، وإنما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما هو مكنون فيهما وما هو مكتوب فيهما على وجه الإجمال. هكذا ذكر أهل العلم عند شرح هذا الحديث. وهذا فيه هذا التقدير الخاص، وهو التقدير العمري أو التقدير البشري كما ذكر ذلك بعض أهل العلم. فهذا هو حاصل ما ذكره أهل العلم من هذا النوع من أنواع التقادير، اعتمادًا على الآية وما جاء في تفسيرها، وعلى هذا الحديث الذي هو حديث عبد الله بن عمر الذي هو في الترمذي، وحسنه جماعة من أهل العلم. والله تعالى أعلم. إلى هنا والحمد لله رب العالمين.