الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 165، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع مفهوم التقدير العمري الذي يُكتب للإنسان في بطن أمه مستدلاً بالآية والحديث، مبيناً أن الملك يكتب الرزق والأجل والعمل والشقاوة أو السعادة. ويوضح أن هذا التقدير الخاص تفصيل للتقدير العام في اللوح المحفوظ بعلاقة عموم وخصوص.
يستعرض المقطع نوع التقدير الحولي السنوي الذي يُفصل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ مستدلاً بقوله تعالى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. ويبين أن هذا التقدير يشمل تفاصيل أحوال الخلق من موت وحياة ورزق وحج مبنية على حكمة إلهية.
يوضح المقطع أن الله يكتب في اللوح المحفوظ ليلة القدر ما سيقع في السنة من أقدار مستدلاً بأثر ابن عباس والآية الكريمة. ويؤكد أن الإيمان بالقدر الأزلي والحولي يمنح المؤمن الطمأنينة والرضا بقضاء الله تعالى.
أعلن المحاضر انتهاء وقت الدرس واكتفى بما تم طرحه من مباحث التقدير. مختتماً الجلسة بالبسملة والتسليم لله رب العالمين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الخامس والأربعون بعد المئة: ما دليل التقدير العمري؟ الذي عند أول تخليق النطفة. قد تقدم معنا أن من أقسام التقدير التقدير العمري، الذي يكون في عمر الإنسان منذ خلقه، منذ تخليق النطفة في رحم أمه إلى أن يغادر هذه الدنيا، فهذا يسمى التقدير العمري، ومنهم من يسميه كذلك لغير ذلك. قال: الجواب: قال الله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. وجه الشاهد من الآية: ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ﴾، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، فعلم الله عز وجل ما سيكون عليه هذا المخلوق وهو جنين، ﴿إِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ وهو في بطن أمه، سيعلم الله عز وجل، أو علم الله عز وجل حال هذا المخلوق، فهو يعلم بالمتقين منهم وبالمفسدين منهم، فهذا وجه الشاهد من هذه الآية. وقال: وفي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث هذا مشهور من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد». فوالذي لا إله غيره، وفي لفظ: «فوالذي نفسي بيده، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة» - مرت معنا رواية فيها زيادة: «فيما يبدو للناس»، فيما يبدو للناس، أي فيما يظهر للناس، وإلا فعنده دسيسة سيئة وخبيئة سيئة - «حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». وفيه روايات غير هذه عن جماعة من الصحابة بألفاظ أخرى، والمعنى واحد، وقد تقدم معنا بعض هذه الروايات. وجه الشاهد من هذا الحديث في قوله: «ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد»، أي يكتب - أو نعم - تكتب هذه الأربع الكلمات وهو في بطن أمه، وهو في بطن أمه، فهذا هو التقدير العمري، هذا هو التقدير العمري، أي فيما يتعلق بعمر الإنسان، فهذا التقدير متعلق بكل إنسان، بكل إنسان على حدة، وهذه الدرجة وهذا التقدير هو تفصيل للتقدير العام، هو تفصيل للتقدير العام الذي كتب في اللوح المحفوظ. فالتقدير الذي كتب في اللوح المحفوظ فيه هذا وفيه غيره، كما تقدم معنا أن العلاقة بين التقدير الأزلي الذي هو التقدير العام، الذي هو ما كتب في اللوح المحفوظ، وبين التقدير الأخرى عموم وخصوص، فكل التقدير الأخرى هي جزء مما كتب في اللوح المحفوظ، مما كتب في اللوح المحفوظ، أي من التقدير الأزلي، من التقدير الأزلي. فالتقدير الأزلي فيه هذا التقدير، التقدير العمري، وفيه غيره. فإذا هذه الكتابة كتابة خاصة بكل إنسان، بكل إنسان، وفي أربع كلمات فقط، لم يكتب كل شيء عند خلق الإنسان، وإنما كتبت هذه الأربع الكلمات، فالأمور الأخرى غير هذه الكلمات التي تقع للإنسان في عمره هذا موجود في اللوح المحفوظ. فالمراد بهذا أن هذه الكتابة كتابة خاصة في هذه الأربع كلمات فقط، لم يكتب كل شيء يتعلق بالإنسان، فهذا تقدير خاص تفصيلي لما يكون في التقدير العام. وهذا كما تقدم أيها الإخوة يجعل الإنسان في سكينة وفي طمأنينة مما يعترضه من أقدار مؤلمة، فيعلم أنها قد كتبت له وهو في بطن أمه، فما عليه إلا الرضا والصبر والتسليم في قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره. وكما تقدم ذلك أنه لا يمنع هذا من العمل، لأن الإنسان لا يعلم ما كتب له، فهو يتخذ الأسباب، والله عز وجل ييسر له ما كتب له، وكل ميسر لما خلق له. السؤال السادس والأربعون بعد المئة: ما دليل التقدير الحولي في ليلة القدر؟ هذا تقدير آخر يسمى التقدير الحولي، أي التقدير السنوي، التقدير السنوي، فيكتب ما يكون من تفاصيل أحوال الخلق في ليلة القدر، في ليلة القدر، وهذا الذي يكتب في السنة يكتب في السنة، هو موجود في التقدير الأزلي كما تقدم معنا، مكتوب في التقدير الأزلي، وإنما يفصل من اللوح المحفوظ ما هو كائن في هذه السنة، في هذه السنة، فيكون فيه تفاصيل أحوال الخلق. فيكتب مثلاً: في هذا العام فلان يموت، في هذا العام فلان يولد، في هذا العام يكتب أن فلان يغتني، كان فقيراً في العام الماضي لكن هذا العام كتب أنه سيكون غنياً، وفلان يكتب في هذا العام أنه سيكون فقيراً، كان غنياً في العام الماضي لكن هذا العام يكتب أنه سيكون فقيراً، وهكذا. فلان كان ذليلاً فيكتب في هذا العام أنه عزيز، والعكس، فلان كان في العام الماضي عزيزاً فيكتب في هذا العام أنه سيصبح ذليلاً، وهكذا. كما جاء كذلك سيأتي معنا في هذا الجواب عن ابن عباس، حتى أنه يكتب: هل فلان مع الحجاج هذا العام أو ليس مع الحجاج، هل هو ممن سيحج بيت الله الحرام هذا العام أو ما سيحج بيت الله الحرام هذا العام. فهذا هو التقدير السنوي، هذا هو التقدير السنوي أو التقدير الحولي، فهو مقدر في التقدير العام لكن يفصل في لوح آخر وفي كتاب آخر ما يقع في هذا العام، وسيأتي دليل ذلك من الكتاب والسنة. قال: الجواب: قال الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا﴾. هذه الآيات ذكرت في سياق ذكر فضل وكذلك عظم ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا﴾. ﴿يُفْرَقُ﴾، قيل: يفصل من اللوح المحفوظ كل أمر حكيم، أي كل أمر كتبه الله عز وجل بحكمته وعلمه سبحانه وتعالى، فهو أمر من عند الله عز وجل، فهذا هو التقدير الحولي، وهذا من فضائل ليلة القدر أن فيها يفرق كل أمر حكيم، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، فالآية واضحة وصريحة في هذا التقدير، وهو التقدير الحولي، وهذا في كل سنة. نعم، ما يكون في السنة يبتدئ من ليلة القدر، يبتدئ من متى؟ من ليلة القدر، فيفصل في كتاب آخر، يفصل في كتاب آخر من اللوح المحفوظ، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي يفصل كل أمر حكيم، وهذا فيه أن أمر الله عز وجل مبني على الحكمة، فما من أمر يقدره الله عز وجل إلا وفيه حكمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، فليس في قدر الله عز وجل، أو ليس فيما يقدر الله سبحانه وتعالى شر، والشر ليس إليك، ليس الشر إلى الله عز وجل، فما ظاهره شر بالنسبة للمخلوق فهو لحكمة، فيه خير لهذا المخلوق، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، ﴿وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقال: وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يكتب من أم الكتاب، ما هي أم الكتاب؟ وهو اللوح المحفوظ. قلنا له عدة أسماء، يقال: اللوح المحفوظ، ويقال: أم الكتاب، ويقال: ماذا كذلك؟ ها، فقدم معنا هذا، وجاء في كتاب الله بعض هذه الأسماء: أم الكتاب، وكذلك اللوح المحفوظ، وأيضاً ﴿إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾، أيضاً يقال: إمام مبين، وكل هذه من أسماء ما كتب في الأزل، ما كتب في الأزل. فهو أن ابن عباس يقول: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة، ما يكون في السنة من موت أو حياة ورزق ومطر. قال: حتى الحجاج، يقال: يحج فلان، ويحج فلان. فإذن اطمئن يا عبد الله، ارضى بقضاء الله، ربما تحاول تجمع مال تريد أن تذهب إلى الحج، تأخذ الأسباب، ربما عندك مال تقدم، لكن يقال لك: قد أغلق التسجيل، أو لم تقبل، خلاص، هذا معنى أنك ما كتبت هذا السنة في اللوح المحفوظ، خلاص، أو ما كتبت هذا السنة في التقدير الحولي، فما عليك إلا الرضا، وما عليك إلا الاستسلام لقضاء الله وقدره. فإذن انظر، ابن عباس يقول: حتى الحجاج، يقال: يحج فلان، ويحج فلان، أي هذا السنة، فمن ذهب الحج ووفق فقد كتب في ليلة القدر في العام الماضي في رمضان أنه سيحج هذه السنة، ومن لم يكتب ربما بعض الناس، وهذا من عجيب قدر الله، يريد أن يذهب إلى الحج، تتهيّأ له الأمور، لكن يحصر، يحصر، أيش معنى يحصر؟ يعني يمنع من الدخول لأداء مناسك الحج، إما لمرض، وإما لعدو، وإما لكذلك حرب أو نحو ذلك. إذن معنى أنه ما كتب هذا العام أنه يحج، خلاص، أمر مقدر. فوالله لو أيقننا بما كتب لنا وآمنا بما كتب في التقدير الأزلي والتقدير العمري والتقدير الحولي، لكنا في طمأنينة وفي راحة وفي سكينة. المؤمن لا يقلق إذا فاته شيئاً مما يحب، لا يقلق إذا أصابه شيئاً مما يكره، لأنه يعلم أن أمره إلى الله، وأن الله هو الذي يقدر له الأمور، وإن اتخذ الأسباب، وإن عمل ما عمل، فإذا لم يكتب أنه يرزق هذا العام بهذا الرزق، أو يحج هذا العام، أو غير ذلك، فلا يكتب له، ولا يحصل له إلا ما كتب له، إلا ما كتب له. فمن أيقن وآمن بالقدر طمأن، وعاش في سكينة وطمأنينة وراحة وهدوء، لأن أمره إلى الله. قال: وكذا قال الحسن وسعيد بن جبير ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم، وابن كثير ذكر هؤلاء الجماعة في تفسيره عند ذكره لهذا الأثر، أثر ابن عباس. والمحقق رحمه الله الشيخ أبو العباس يقول: أثر ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى محمد بن نصر المروزي، ولم أقف على إسناده، ولم أقف على إسناده، لكن معناه صحيح، وإن كان في إسناده شيء فمعناه صحيح: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر، على ظاهر القرآن: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، فما هذا إلا تفسير للآية، قول ابن عباس إنما هو تفسير للآية، وما ذكره ابن عباس في هذا الأثر من الموت والحياة والرزق والمطر والحج، إنما هذا على سبيل المثال، هذا على سبيل المثال، وإلا يدخل في هذا أيضاً كل ما يحصل في هذا العام من الغنى، من الفقر، من العز، من الذل، وغير ذلك، وغير ذلك. طيب، نكتفي اليوم بهذا، انتهى الوقت، وإلى هنا والله تعالى أعلم.