شرح لمعة الإعتقاد 9

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 9، ألقاها

شرح حديث النزول وردود أفعال أهل الأهواء

يشرح المقطع الأول حديث النبي حول نزول الله تعالى إلى سماء الدنيا، ويبين موقف أهل السنة من إثبات هذه الصفة ورفض تفسيرات أهل الأهواء. يُؤكد على الإيمان به دون تكييف أو تمثيل.

الرد على من ينكر نزول الله عز وجل وتأكيد الإيمان به

يناقش المقطع الثاني مسألة نزول الله عز وجل ويرد على من ينكر هذا النزول، ويؤكد على وجوب الإيمان به كما جاء في الحديث دون تأويلات بعيدة عن الظاهر.

إثبات صفات العجب والضحك لله عز وجل وتنزيهه عن المماثلة

يتناول المقطع الثالث إثبات صفتي العجب والضحك لله عز وجل استنادا إلى الكتاب والسنة، ويؤكد على تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين. يُنهي المقطع الرابع بتنزيه الله تعالى عن المماثلة مستشهدا بآيات قرآنية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله وحمد الله وصلاح وعلى رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعد، قال رحمه الله تعالى: قال: ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا». قوله رحمه الله تعالى: ومن السنة، أي: ومن الصفات الثابتة بالسنة، يرحمك الله. من الصفات الثابتة بالسنة ما ذكره هاهنا. وقوله رحمه الله تعالى: من السنة، يدل على ما تقدم من أن أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبته الله عز وجل لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم. فشيخ رحمه الله تعالى، بعد أن ذكر جملة من الصفات ثبتت بالكتاب، انتقل إلى ذكر بعض الصفات الثابتة بالسنة؛ ليدلل على ما ذهب إليه مذهب أهل السنة والجماعة من إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال رحمه الله تعالى: من السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا». هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة. وقد قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، كما في «مختصر الصواعق المرسلة»: بعد أن ذكر هذا الحديث، قال: إن حديث النزول رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم تسعة وعشرون نفسا، ثم ذكر أحاديثهم واحدا واحدا، وتكلم عليها في ذلك الموضع رحمه الله تعالى بما فيه كفاية وفائدة لمن أراد الرجوع إليه. ينظر «مختصر الصواعق»، المجلد الثاني، صفحة 230، فما بعد. وصفة النزول، كما سمعتم، من الصفات الفعلية الخبرية الثابتة لله عز وجل بالسنة المطهرة. وهذه الصفة كغيرها من الصفات مما ردها أهل الأهواء والبدع، وأقر بها واعتقدها وآمن بها أهل الحق والسنة؛ لقاعدتهم الجليلة في هذا الباب، وهي إثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم إثباتا من غير تمثيل، وتنزيها من غير تعطيل. فأثبتوا لله عز وجل هذه الصفة، وصانوها عن كل النقائص، وصانوها كذلك عن التكييف. والسبب الذي أوقع من أوقع من أهل الأهواء في منع إثبات هذه الصفة هي الشبهة في بقية الصفات، وهي أنهم أولا شبهوا، وثانيا عطلوا، إما بتحريف وإما بتمثيل واضح. فهم شبهوا أولا؛ لذا كل من عطل صفة من الصفات وقع في هذا الأمر. فكان من هؤلاء أنهم قالوا: كيف ينزل ربنا عز وجل؟ إذ لو كان ينزل ربنا عز وجل إلى سماء الدنيا، للزم أن تكون السماء - أي: بقية السماوات - تحيط به، وهو يكون محاطا بها. وهذا ممتنع في حق الله عز وجل. فماذا صنعوا؟ قالوا: لا نثبت لله عز وجل صفة النزول. فيقولون: المراد بالنزول ها هنا نزول الرحمة، أو نزول الأمر، وبعضهم يقول: أو نزول الملك. وهذا لمن تأمل هذا الجواب يرى أن هؤلاء اضطربوا في تحديد هذا النازل، واضطرابهم يدل على أنه ليس من عند الله عز وجل؛ إذ لو كان من عند الله لما وجدوا فيه اختلافا، كما قال ربنا عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. فلما لم يكن هذا القول منهم من عند الله عز وجل، إنما هو مجرد رأي وآراء وأفكار وضعتها عقولهم، قالوا فيه ما قالوا. منهم من يقول: أمره، ومنهم من يقول: رحمته، ومنهم من يقول: إنه جبريل. وهكذا يختلفون. وأمر ثاني: أننا لو قلنا: إن النازل هو الأمر أو الرحمة أو الملك، لازم أن يكون هذا النازل هو القائل: «من يسألني فأعطيه، من يدعوني فأجيبه، من يستغفرني فأغفر له». واضح هذا الأمر أم لا؟ يلزم أن يكون - إذا قلنا: الملك - فكأن الملك يقول: «من يسألني، من يدعوني، من يستغفرني». وهل يجوز لمؤمن يؤمن بالله عز وجل واليوم الآخر - لا سيما مثل هؤلاء الذين يقومون في أنصاف الليالي لأجل هذه الفضيلة ولهذه المنقبة - يقول أو يدعو الملك أو يسأل الملك أو يستغفر الملك؟ واضح هذا الأمر أم لا؟ هذا باطل. وكذلك القول فيمن سأل الأمر - على قولهم أن النازل هو الأمر - أو الرحمة - على من قال: إن النازل هو الرحمة - هل يقول: «يا أيها الرحمة، ادعوني، ماذا أسألك كذا وكذا»؟ ويدعوها ويستغفرها؟ هذا لو تدبره هذا المتدبر لعلم أنه فيه كفر صراح؛ إذ أن فيه التقرب والتعبد وطلب الدعاء ورفع الحاجات، بل وطلب الغفران من أمر من الأمور المخلوقة، أو رحمة من الرحمات النازلة المخلوقة، أو ملك من الملائكة المخلوقين. وهذا كله لا يجوز. بل لو كان السائل يسأل رحمة الله ويدعو رحمة الله، لكان كفرا باتفاق. لو كان يقول: «يا رحمة الله، ارحميني». ما يقول: «يا الله، ارحمني». «يا رحمة الله، ارحميني». يسأل ماذا؟ الرحمة، ويدعو الرحمة، وهي من صفات الله عز وجل؛ لكان كافرا باتفاق، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن من سأل أو من دعا الصفة، فهو كافر؛ أي: وقطع النظر عن صاحب الصفة، وهو الله عز وجل، يكون كافرا بالله عز وجل. فكيف بمن دعا ما دعا صفة من صفات الله عز وجل، لكن دعا مخلوقا من مخلوقات الله عز وجل، أو سأله، أو طلب منه الغفران؟ هذا بعض حملة من تصور هذا القول، تبين له بطلان قول هؤلاء. وجاءت في بعض الألفاظ أنه في آخر الحديث قال: «لا يسأل أو لا يعطي عبده أحد إلا أنا»، وما شابه ذلك من الألفاظ الصريحة الواضحة الدالة على أن المراد بالنزول هو نزول الله عز وجل حقيقة. وهذا النزول يليق بالله عز وجل. نصونه عن التكييف، نصونه عن ماذا؟ عن التكييف. لا نستطيع أن نقول: كيف ينزل إلى السماء الدنيا؟ إذ ينزل منه أن تكون السماء الدنيا الأولى والثانية والثالثة والرابعة فوقه. هذا لا يقوله إلا من قصر عقله وضعف إيمانه. إذ أن الإخبارات الغيبية التي أخبر بها ربنا عز وجل، الأمر فيها الإيمان، الأمر فيها الإيمان وعدم التكييف والتصور في الأذهان. إذ أن الله عز وجل ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. كيف يقول الإنسان: إنه يلزم منه أن تحوط به السماوات، أو ما شابه ذلك؟ هل هذا إلا محض التمثيل والتكييف لله رب العالمين؟ لو تدبر هذا المخلوق أو هذا الإنسان أو هذا القائل بهذه المقالة قول الله عز وجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، إذا تدبر هذا الأمر - الأرض والسماوات مطويات بيمين الله عز وجل - فكيف بعد هذا يقول إنسان يؤمن بالله واليوم الآخر، إنسان يعقل ما يقول ويدرك ما يقول: إنه يلزم من هذا النزول أن الله عز وجل يشغل مكانا ويترك مكانا، ويلزم من ذلك أن تكون السماوات محيطة به؟ هذا يدل على ضعف في الإيمان، وعلى قلة عقل. فكما سمعتم، الواجب في هذه الصفة كغيرها من الصفات هو أننا نثبت لله عز وجل النزول، وننزهه عن المماثلة، ولا نعطل هذه الصفة. وأيضا نصونها عن التكييف، نصونها عن ماذا؟ عن التكييف. لا نقول: كيف ينزل؟ وكيف نزل؟ وما شابه ذلك. بل نقول بما قاله خير البرية صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما قالوا. سيد الأولين والآخرين، وأعلم الناس بربه، هو الذي أخبرنا بهذا. سيد الأولين والآخرين هو الذي أخبرنا بأن ربه عز وجل ينزل، فيقول كذا وكذا وكذا. وما شابه ذلك. فواجب على كل إنسان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يثبت ما أثبته رسوله صلى الله عليه وسلم من الإخبارات. وهذا من الإيمان بالرسول. وهذا من الإيمان بالرسول؛ لأن طريق الإيمان بالرسول أن تؤمن به وبما جاء به من الحق. فكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فهو صدق وحق، وجب الإيمان به واعتقاده. قال رحمه الله تعالى: وقوله: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة». طيب، هذا الحديث حسن، أخرجه أحمد والطبراني وغيرهم بإسناد حسن وتخريج طويل. ومن أراد الرجوع إلى الكتاب، في نسخة من هذه النسخة موجودة في المكتبة. من أرادها استفاد من التخريج رجع إلى الكتاب. فالشاهد من هذا أن الحديث حسن، والحديث فيه إثبات صفة العجب لله عز وجل. في إثبات صفة العجب لله عز وجل في قوله: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة». ومعنى صبوة: ميل الشباب، ميل الشباب. ومعلوم أن الشباب الغالب في الشاب أنهم تكون عندهم ميل لشهوات وما شابه ذلك. فشاب يكون هذا حاله - أي: حالهم الاستقامة والخير - يكون سببا لإعجاب الله عز وجل. فقوله: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة»، في إثبات صفة العجب لله عز وجل. وصفة العجب من الصفات الفعلية الخبرية الثابتة بالكتاب والسنة، وأجمع عليها سلف هذه الأمة. أما الكتاب، ففي قول الله عز وجل: ﴿بَلْ عَجِبْتُمْ وَيَسْخَرُونَ﴾، جاءت قراءة عشرية - وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف - بضم التاء في قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتُمْ﴾. ففيه أن الله عز وجل هو المتعجب - على قراءة الضم - وأيضا من السنة ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا. وكذلك ما ثبت في الصحيح في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يعجب ربك إلى أقوام يدخلون الجنة بالسلاسل». وكما سمعتم، هذه الصفة ثابتة بالإجماع. نقل الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره. والعجب - كما ذكر العلماء رحمه الله تعالى - على قسمين. وهو كمعنى عام: خروج الشيء عن نظائره. فخروج الشيء عن نظائره مع خفاء أسبابه هذا يثبت للإنسان، ولا يثبت للخالق سبحانه وتعالى. وأما العجب الذي هو معنى خروج الشيء عن نظائره، فهذا ثابت لله عز وجل. والله عز وجل لا تخفى عليه خافية، ولكن الله عز وجل يتعجب مما يستحق العجب، كما أنه يعظم ما يستحق التعظيم. فالعجب من هذا الباب. يتعجب ربنا عز وجل من الأشياء أو من الأمور الخارجة عن نظائرها، المجلبة للعجب. فهذه الصفة - كما سمعتم - من الصفات الفعلية الثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة. قال رحمه الله تعالى: وقوله: «يضحك ربك أو قال: يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، ثم يدخلان الجنة». قوله رحمه الله تعالى: وقوله، أي: صلى الله عليه وسلم. قوله صلى الله عليه وسلم: «يضحك الله إلى رجلين». الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. وفي الحديث إثبات صفة الضحك لله عز وجل. وصفة الضحك من الصفات الفعلية الخبرية الثابتة لله عز وجل بالسنة الصحيحة. فتثبت كبقية الصفات: إثباتا من غير تمثيل، وتنزيها من غير تعطيل. ولا يحتاج إلى أن يقال - كما قال أهل الأهواء والبدع -: إن الضحك يستلزم خفة وما شابه ذلك. والله منزه عن هذا. يقال لهم: هذا الضحك المخلوق، أما ضحك الخالق سبحانه وتعالى فلائق به. ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وقد أخبرنا أصدق الناس وأفصح الناس بأنه ماذا؟ بأن ربه عز وجل يضحك. فكيف بعد هذا لا نقول: إنه يضحك؟ ونقول مع هذا: أن نؤمن برسول الله؟ فإن من الإيمان أن نؤمن بما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصدقه. قال: فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته. فقوله رحمه الله تعالى: مما صح سنده وعدلت رواته، رحمه الله تعالى؛ فإن من لم يثبت لا يؤمنون به ولا يأخذون به. لذا قال: مما صح سنده وعدلت رواته، بمعنى أنه يأخذ بالإخبارات الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم. قال: نؤمن به ولا نرده ولا نجحيث ظاهره. وقوله: يخالف ظاهره، أيضا يقرر ما مر معنى مرارا. ولعله أن يكون ما تكرر. كما قيل: تقرر في إشارة إلى أن ابن قدامة رحمه الله تعالى ممن يقول بماذا؟ بإثبات المعاني الظاهرة. إذا قال: ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، يخالف ماذا؟ ظاهره. فالأصل بقاء الظاهر على ظاهره. قال: ولا نشبه بصفات المخلوقين. ولا بسمات المحدثين - السمات بمعنى العلامات - قال رحمه الله تعالى: ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير له. لا شبيه له ولا نظير له. والشبيه يأتي بمعنى النظير والعكس. قال رحمه الله تعالى: ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال، فإن الله تعالى بخلافه. وقوله رحمه الله تعالى: وكل ما تخيل، في إشارة إلى أن سبب تعطيل المعطلة وتحريف المحرفة وتمثيل الممثلة هو هذا: أنهم تخيلوا أولا صورة أو معنى لتلك الصفات. فمنهم من أدى به إلى الإثبات، ومنهم من زاغ به أو فر إلى ماذا؟ إلى التعطيل والتحريف، ما يسمونه بالتأويل. فبسبب ذلك التخيل الباطل؛ لذا قال: وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال، فإن الله تعالى بخلافه. لماذا؟ لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ويقول: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾؟ أي: مماثلا. أنت حتى تقيسه به، الجواب: لا. وما شابه ذلك. نكتفي بهذا. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على