شرح لمعة الإعتقاد 10

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 10، ألقاها

مقدمة في معنى الاستواء في القرآن

يشرح معنى الاستواء في القرآن الكريم بأنه يدل على العلو والارتفاع والاستقرار والصعود، مستدلاً بالآيات القرآنية مثل ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ و﴿ثم استوى إلى السماء﴾.

إثبات صفة الاستواء والعلو لله تعالى

يثبت أهل السنة والجماعة صفة الاستواء والعلو لله عز وجل، ويفرقون بين استواء الخالق والمخلوق مستدلين بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية مثل قوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾.

تفصيل في صفة العلو وأدلتها والفروق مع الاستواء

صفة العلو لله عز وجل ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وهناك فروق بين صفة الاستواء والعلو من حيث الثبوت والدليل ونوع الصفة، وقد دل عليها حديث الجارية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، قال رحمه الله تعالى: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. قوله رحمه الله: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. رجع الشيخ رحمه الله تعالى مرة أخرى إلى الاستدلال بكتاب الله عز وجل، واستدل هنا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ على إثبات صفة الاستواء لله عز وجل. وصفة الاستواء من الصفات الفعلية الخبرية الثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة، وأجمع عليها سلف الأمة. ومعنى قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، العرش في اللغة كما يقال سرير الملك، وهو السرير الذي استوى عليه الرب عز وجل، وهو من أعظم المخلوقات، وهو سقف الجنة. والاستواء في اللغة يطلق على العلو والارتفاع. والسلف رحمهم الله تعالى لهم في إطلاق معنى الاستواء أربعة معان ذكرها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته، فقال: "ولهم عبارات عليه أربع قد حصلت للفارس الطعان يستقر وقد على وكذلك تفع الذي ما فيه من نكران وكذاك قد صعد الذي هو رابع". وأبو عبيدة صاحب الشيبان يختار هذا القول في تفسيره "أدرى من الجهم بالقرآن". فقوله رحمه الله تعالى: "ولهم عبارات عليه أربع قد حصلت للفارس الطعان"، وهي استقر وقد على، وكذلك ارتفع الذي ما فيه من نكران، هل كم معاني الآن؟ ثلاثة أو استقر وعلى وارتفع. قال: "وكذلك قد صعد الذي هو رابع". وأبو عبيدة صاحب الشيبان يختار هذا القول. قوله صاحب الشيبان، الظاهر أنه صاحب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. فالشاهد من هذا أن فيه إثبات هذه المعاني الأربعة للسلف في معنى الاستواء، فهم يعبرون أو يفسرون الاستواء تارة بالعلو، وتارة بالارتفاع، وتارة بالاستقرار، وتارة بالصعود. وكلها معاني لهذا الأمر، وكلها معاني الاستواء. فالرحمن ﴿على العرش استوى﴾ يدل عليها على هذه المعاني. وكذلك في قول الله عز وجل: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾. وكما سمعتم، أدلة الاستواء ثابتة بكتاب الله، كما في هذه الآية: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وكذا في قول الله عز وجل: ﴿ثم استوى على العرش﴾ في ست آيات من كتابه. ومن السنة أحاديث كثيرة، منها ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لما قضى الخلق كتب في كتاب عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي". وفي رواية: "سبقت غضبي". وأما الإجماع، فقد نقل الإجماع على هذا غير واحد من الأئمة رحمهم الله تعالى، نقل الإجماع على إثبات صفة الاستواء لله عز وجل. وهذا لا خلاف فيه بين السلف. ولكن الخلاف وقع بين السلف أهل السنة والجماعة وبين غيرهم ممن خالفهم في هذا الباب، ممن ذهب إلى منع ثبوت الاستواء لله عز وجل. وذلك لأن عقله الذي قد تلوث بعلم الكلام ظن أن الاستواء يلزم منه لوازم باطلة. وما ذاك إلا أنه شبه أولًا ثم عطل ثانيًا. شبه استواء الخالق سبحانه وتعالى بماذا؟ باستواء المخلوق. فقال: إذا كان إذا أثبتنا لله عز وجل استواءً فيلزم من هذا أن يكون الله عز وجل محتاجًا إلى العرش، محتاجًا إلى ماذا؟ إلى العرش. والله عز وجل لا يصح في حقه أن يكون محتاجًا أي مفتقرًا إلى غيره. فأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة لله عز وجل على الوجه اللائق بها، كما مرت معانيها من كلام الأئمة رحمهم الله تعالى. أئمة العلم والسنة أن معانيها واضحة، بأن الاستواء بمعنى استعلى، ومعنى استقر، ومعنى صعد. كل هذه من معاني الاستواء. ولم يقل أحد منهم أنه يلزم من هذه اللوازم الباطلة. وما ذاك؟ لأن الأئمة والسلف رحمهم الله تعالى أثبتوا المعاني وفوضوا الكيفيات. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك". وقال للجارية: "أين الله؟" قالت: "في السماء". قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما. قوله رحمه الله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾، الآية صريحة في إثبات العلو لله عز وجل. ومن في السماء هو الله عز وجل. وقوله سبحانه وتعالى: "من في السماء"، السماء بمعنى العلو. فمعنى الآية: أأمنتم من في العلو؟ لأن ما سماك فقد علاك. فالسماء هنا بمعنى العلو. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك"، هذا الحديث ضعيف. أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما من حديث أبي الدرداء، وهو ضعيف. وجاء كذلك من حديث فضالة بن عبيد، وهو كذلك ضعيف. ولكن معناه صحيح لجملة الأدلة الكثيرة. قال الشيخ الإسلام رحمه الله في سياق حديث الجارية المعروف بـ"أين الله؟" قالت: "في السماء". قال: "لكن ليس معنى ذلك أن الله في جوف السماء". قال: "ليس معنى ذلك أن الله في جوف السماء، وأن السماوات تحصره وتحويه". فإن هذا لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها. بل هم متفقون على أنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. والشاهد من هذه الأقوال والآثار المذكورة في هذا الباب التي ذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى إثبات صفة العلو لله عز وجل. وصفة العلو من الصفات الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. وكما ذكر العلماء رحمه الله تعالى أن هذه الصفة اجتمع فيها خمسة أدلة: دليل الكتاب، ودليل السنة، ودليل الإجماع، والعقل، والفطرة. أما الكتاب، فقد تقدم معنا. وأما السنة، كذلك فقد تقدمت معنا. والإجماع نقله غير واحد من أهل العلم. وأما العقل، فإن العقل السليم مدرك بأن الله عز وجل من صفاته العلو، لأن العلو أكمل من السفل. ووضح هذا أم لا؟ ولأن الله عز وجل إما أن يكون أعلى من هذا العالم عاليًا فوق هذا العالم، وإما أن يكون سافلًا عن هذا العالم. والسفل كما قلنا صفة نقص، فتقرر أن العلو صفة كمال. وأما الفطرة، ففطرة كل مسلم التي يجدها في قرارة نفسه أنه متى توجه إلى الله عز وجل بطلب الحوائج، وفي الرغبة والرهبة، انتقل طلبه قبل جوارحه والتفت إلى العلو. وهذا فيه دليل واضح إلى أن الله عز وجل بالفطرة السليمة أنه في العلو. وحديث الجارية يدل على هذا المعنى، إذ أن الجارية امرأة جارية بعيدة عن العلم وعين العلماء، ومع هذا سألها النبي صلى الله عليه وسلم: "أين الله؟" فقالت: "في السماء". فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة". وهذا يدل على أن الفطرة السليمة تدل على هذا المعنى. ومما يحتاج إلى تنبيه عليه هاهنا الفرق بين صفة الاستواء والعلو. صفة الاستواء أولًا من حيث الثبوت هي صفة خبرية. الاستواء على العرش صفة خبرية. وأما صفة العلو فهي خبرية عقلية. ثانيًا: الاستواء ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، والعلو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وكذا العقل والفطرة. ثالثًا: صفة الاستواء صفة فعلية، وصفة العلو صفة ذاتية. رابعًا: صفة الاستواء علو مخصوص على العرش، والعلو علو مطلق فوق كل شيء. هذه بعض الفروق بين الاستواء وبين العلو. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على