الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اسم الله السلام ورد في القرآن والسنة، ومعناه السلامة من النقائص والعيوب. الإيمان بهذا الاسم يقتضي إثبات الكمال لله في ذاته وصفاته وأفعاله.
الإيمان باسم الله السلام يعني إثبات الكمال لله والتحرز من الألفاظ والأفعال التي تنافي كماله. كما يشمل التحلي بالصفات الكمالية والابتعاد عن النقائص.
إفشاء السلام في الإسلام مهم كونه من أسباب دخول الجنة ومما يحبه الله. كما يُستحب الدعاء لله بأن يجعلنا من المؤمنين والمسلمين ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد: فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله السلام. فالسلام اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في موضع واحد في كتاب الله جل وعلا في سورة الحشر، قال جل وعلا: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون﴾. فالسلام من أسماء الله جل وعلا الحسنى قد ورد في مواضع في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. من تلك المواضع ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال: كنا إذا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "لا تقولوا السلام على الله؛ فإن الله هو السلام". وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم رحمه الله تعالى، من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال: كان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من صلاته استغفر ثلاثًا، ثم قال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". وثبت عند البخاري في الأدب المفرد، صحة العلامة الألباني رحمه الله تعالى، من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن السلام اسم من أسماء الله، وضعه الله في الأرض، فأفشوا السلام بينكم". وثبت عند أبي داود من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: سلم رجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرد عليه السلام، قال: ثم استقبل الجدار فتيمم، ثم استقبل الجدار فتيمم، ثم رد عليه السلام، ثم قال عليه الصلاة والسلام: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر". فدل على أن السلام من أسماء الله جل وعلا. ومعنى هذا الاسم: يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: "السلام أي من جميع النقائص والعيوب؛ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله". فمعنى السلام أي السلام من كل نقص وعيوب. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: "وهو السلام على الحقيقة، سالم من كل تمثيل، ومن نقصان". فمعنى اسم الله السلام أي السالم والمنزه عن كل نقص وعيب. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كلامًا قيمًا بديعًا في كتابه "بدائع الفوائد". أقرأ عليكم مما ذكر رحمه الله تعالى في كتابه "البدائع" قال: "فهو سبحانه سلام في ذاته من كل عيب ونقص يتخيله وهم، وسلام في صفاته من كل عيب ونقص، وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة، بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار". فخلاصة ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أن الله سبحانه وتعالى هو السلام السالم عن كل نقص وعيب في ذاته وأقواله وأفعاله ودينه وشرعه وحكمته وفي سائر صفاته سبحانه وتعالى. ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا السلام إثبات الكمال لله جل وعلا في ذاته وأفعاله وصفاته. فإذا توهمت يا عبد الله التمثيل لصفات الله جل وعلا، فاعلم أن الله جل وعلا هو السلام الذي قد سلم من المماثلة؛ لأن المماثلة لا تثبت السلامة، بل هي من العيب في حق السلام جل وعلا. فالواجب حسن الظن بالله سبحانه وتعالى فيما يفعله بخلقه جل وعلا، وبما قضى به سبحانه وتعالى في حكمه القدري والشرعي. ومن مقتضى الإيمان لله جل وعلا والتعبد له سبحانه وتعالى باسم السلام التحرز أن يتحرز الإنسان في ألفاظه وفي جوارحه أن لا يأتي بشيء من قول أو فعل ينافي ويضاد كماله سبحانه وتعالى. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع بعض الصحابة يقولون: "السلام على الله"، قال: "لا تقولوا السلام على الله؛ فإن الله هو السلام". فهذا القول خطأ، ولا يجوز؛ لأن الله جل وعلا هو الكامل الذي لا يحتاج أن يدعى له بالسلامة. وإنما يطلب العبد من ربه جل وعلا أن يسلمه، فهو سبحانه وتعالى المسلم على عباده. قال جل وعلا: ﴿سلام على نوح في العالمين﴾، وقال جل وعلا: ﴿سلام على إبراهيم﴾، وقال جل وعلا: ﴿سلام على موسى وهارون﴾، وقال جل وعلا: ﴿سلام قولًا من رب رحيم﴾. وهكذا يدخل أهل الجنة الجنة، فيسلم عليهم سبحانه وتعالى، تحيتهم يوم يلقونه سلام، قال جل وعلا: ﴿خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام﴾. فالعباد هم الذين يحتاجون إلى الدعاء لهم بالسلامة، ولذلك نقول: "السلام عليكم" إذا سلم أحدنا على الآخر. ومعنى "السلام عليكم" أي: اسم السلام عليكم، أو حلت بركة اسم السلام عليكم. ومن مقتضيات الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه السلام إفشاء السلام. فالسلام اسم عظيم من أسماء الله جل وعلا، ولذلك الله سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يفشوا هذا الاسم. وثبت عند الترمذي من حديث عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا جنة ربكم بسلام". فإفشاء السلام من أعظم أسباب دخول دار السلام، وهي الجنة. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا. أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". فإفشاء السلام مما يحبه السلام سبحانه وتعالى. ومن مقتضى تعبد الإيمان لله جل وعلا باسمه السلام ومحبة ما يحبه أن يعتز الإنسان بهذه التحية، وهي "السلام عليكم"، ولا يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. وللأسف الشديد نسمع كثيرًا من المسلمين منهم من ربما قد أعرضوا عن هذه التحية، تحية الإسلام، فصار يقول: "صباح الخير"، "مساء الخير". أين "السلام عليكم"؟ "السلام عليكم" فيها ذكرك لأعظم أسماء الله جل وعلا، وهو السلام. فالواجب علينا أن نفشي السلام، وأن ندعو إلى السلام. فالسلام جل وعلا يحب من عباده أن يدعوا إلى السلام؛ لأنه سبحانه وتعالى أرشد عباده إلى سلوك طريق السلام وإلى سلوك سبل السلام، وأمر بالدعوة إلى سبل السلام. قال جل وعلا: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾. فالدعوة إلى السلام وإعلاء كلمة أهل الإسلام إلى السلام، لكن دعوة إلى السلام بما يوافق الضوابط الشرعية والمصالح المرعية. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن آمن به سبحانه وتعالى السلام، وأن يسلمنا في أقوالنا وأفعالنا، وأن يجعلنا ممن يسلم في الدنيا والآخرة. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.