الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 3، ألقاها
يناقش معنى التشابه والإحكام في القرآن الكريم وأنواعهما، ويبين أن الآيات المحكمة والمتشابهة لا تتعارضان.
يشرح طريقة الراسخين في العلم والزائغين في التعامل مع المتشابه والمحكم، ويؤكد أن القرآن كله محكم إذا فُهم بشكل صحيح.
يؤكد على الإيمان بالصفات الإلهية كما جاءت في القرآن والسنة دون تكييف أو تأويل زائد، مع التصديق بما جاء به الرسول.
يتضمن الدعاء لله تعالى بالتسبيح والاستغفار والتوبة، ويعبر عن التضرع والاعتراف بالذنب واللجوء إلى الله طلباً للمغفرة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال رحمه الله تعالى: وقال في ذنب مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: «فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله». قال: فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، ابتغاء التأويل للشيء المشتبه. ماذا؟ المشتبه علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذنب. فمن تتبع المتشابه أو قال فيه بقول من عند نفسه، فقد سلك طريقًا ليس بسوي، وليس بطريق الراسخين في العلم. فإن الراسخين في العلم طريقتهم في المتشابه أن يحملوه وينزلوه على المحكم، لأن القرآن منه المحكم ومنه المتشابه. ومن حيث التقسيم، الكل كما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، ذكر أن التشابه والإحكام نوعان: تشابه وإحكام يعم الكتاب كله، وتشابه وإحكام يخص بعضه دون بعض. قال في الأول: قوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا﴾، فهذه الآية تدل على أن القرآن كله متشابه، والمراد بالتشابه هنا أن بعضه يصدق بعضًا، وبعضه يشبه بعضًا، لا اختلاف فيه ولا اضطراب. وقوله تعالى: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾، وقوله أيضًا: ﴿يسٓ وَالقرآن الحكيم﴾، فقوله: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ دل على أن القرآن كله محكم. الآية الأولى دلت على أن القرآن كله متشابه، وهذه الآيات دلت على أن القرآن كله محكم. ومعنى كله محكم: أي واضح بين لعموم الأمة. هل التشابه والإحكام ها هنا بينهما اضطراب أو اختلاف؟ الجواب: ليس بينهما اضطراب ولا اختلاف، لأن التشابه كما تقدم معناه: أن بعضه يصدق بعضًا، وبعضه يدل على بعض. وكذلك المحكم: أن كله يصدق بعضه بعضًا، ويبين بعضه بعضًا، فليس فيه اضطراب ولا اختلاف. هذا القسم الأول، وإن شئت قسمته إلى قسمين: محكم كله، متشابه كله. القسم الثاني: أن القرآن منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، كما في الآية المذكورة من سورة آل عمران: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾. فالآية تدل على أن القرآن منه المحكم ومنه المتشابه. والمحكم ها هنا معناه: الواضح البين، والمتشابه ها هنا: الذي يحتمل أكثر من معنى، فيحصل اجتهاد في المراد من تلك المعاني. فطريقة الراسخين في العلم: كما سمعتم في هذا النوع من المحكم والمتشابه، حمل المتشابه على المحكم. بمعنى: إذا رأوا في الآية احتمالًا لأكثر من معنى، نظروا في آية أخرى أو في حديث من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلوا المتشابهة من ذلك على المحكم، فيصير القرآن كله محكمًا، بمعنى أنه لا يحتمل إلا ذلك المعنى المعين، وليس فيه اضطراب ولا اختلاف. وطريقة الزائغين: خلال طريقة الراسخين، هم يعملون بالعكس، ويحملون المحكم على المتشابه، فيجعلون القرآن كله متشابها. وإذا كان القرآن كله متشابها، لم يستفيدوا من الاستدلال بذلك القرآن الذي هو تبيان لكل شيء. قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد أن ذكر القسمين. قال: «فإن أردتم بتشابه آيات الصفات النوع الأول، فنعم، هي متشابهة غير متناقضة، يشبه بعضها بعضًا. وكذلك آيات الأحكام». قال: «وإن أردتم أنه يشتبه المراد بها بغير المراد، فهذا وإن كان يعرض لبعض الناس، فهو أمر نسبي إضافي. وهذا ما ذكرناه من أن المتشابه يسمى أو قد يعرض لبعض الناس فيكون من باب المتشابه النسبي الإضافي لبعض الناس دون بعض». قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ثم حجبهم عما أمّلوه وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، فالراسخون في العلم يؤمنون بما أخبر الله عز وجل. وقد يخفى عليهم بعض الأشياء، فطريقهم في ذلك أنهم يقولون: آمنا به». قال: «والقرآن كله لا سيما باب الصفات والأسماء، كله محكم، ليس فيه متشابه، ليس في القرآن شيء لا يعلمه أحد، بل الله عز وجل أنزل القرآن لأجل التبيان والمعرفة والتعلم والعمل بمقتضى ذلك العلم والمعرفة». قال: «ولكن هذا المتشابه يكون باعتبار دون اعتبار، وذلك مثل حقيقة الروح، إذا جاء إنسان وسألنا عن حقيقة الروح، نقول: الروح حقيقة موجودة، وجسم من الأجسام، لكن لا نعلم حقيقتها ولا كيفيتها. الله عز وجل يقول: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾، ما زاد على هذا، فهذه من الأمور المخفية». قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ونقول كما قال، ونصف بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغ وصف الواصفين. نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كن ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت القرآن». قوله: «لا كيف ولا معنى»، أي: لا نسعى في معرفة كيفيات الصفات، كيف نزل، وكيف يرى، وكيف ضحك، وكيف استوى، وما شابه ذلك. «لا كيف»: أي نؤمن بها ونصدق بها على ظاهرها. وقوله: «ولا معنى»، المراد به المعنى الباطن الذي ذهب إليه أهل الأهواء، والذي سعى في تحصيله وفي معرفته وفي التنقيب عنه أهل الأهواء. قوله: «بأكثر مما وصف به نفسه»، أي: لا يجوز لأحد أن يصف الله عز وجل من عند نفسه، بل يجب عليه أن ما جاء في كتاب الله أو ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمن به وأن يقر به. قوله: «بلا حد ولا غاية»، المراد بلا حد ها هنا: أي بلا حد يحده العباد على الله من عند أنفسهم. والحد ها هنا قد يراد به: بلا حد ولا غاية، أي بلا حد يحده العباد، أي لا يصفه العباد من عند أنفسهم. قوله: «ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت»، أي: إذا جاءت صفة من صفات الله عز وجل، فجاء أهل الأهواء وقالوا: يلزم من هذا كلام خطير، نقول: ما جاء به الرسول حق، وجب الإيمان به، فنقول: ينزل ربنا عز وجل بلا كيف. قال: «ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كن ذلك إلا بتصديق الرسول وتثبيت القرآن». الإمام أحمد رحمه الله سعى يكرر الكلام على الكنه، والمراد به: الحقيقة والكيفية. فهذا يدلنا على أن معنى كلامه في أول كلام: «بلا كيف ولا معنى»، أنه أراد المعنى الباطن. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.