الدرس في شرح نخبة الفكر 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع مفهوم التدليس وتقسيمه إلى تدليس الإسناد وتدليس الشيوخ مع أنواعه الفرعية كالتسوية والعطف والسكوت. ويختتم بالتفصيل في تدليس الصيغ الذي يكثر في مصر والشام مبيناً معناه بأمثلة من رواة بقية بن الوليد.
يتناول المقطع نوعاً من التدليس يسمى تدليس الصيغ حيث يروي الراوي عن عدة شيوخ فيجمع رواياتهم في إسناد واحد دون تفريق. ويضرب أمثلة بسفيان الثوري وحماد بن سلمة وقصة عبد الله بن وهب التي أنكرها أحمد وابن معين.
يُبيّن المقطع مفهوم تدليس التسوية وهو أن يسقط الراوي راوياً ضعيفاً بين شيخه وشيخ شيخه ويوضحه بمثال بقية بن الوليد. ويختم بذكر انتشار التدليس في أهل الشام ومصر والكوفة وقلّته في الحجاز واليمن.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. طيب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وكذا المرسل الخفي من معاصر لم يلقَ من حدث عنه. فالآن المرسل الخفي، أخذنا التدليس، والتدليس هو كما قلنا: أن يروي عمن سمعه ما لم يسمعه منه، هذا تدليس الإسناد. وقلنا إن التدليس ينقسم لأقسام، قسمان كبيران: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ. وبعضهم يفرد تدليس التسوية من الأقسام، لكن كما قلنا إن تدليس التسوية داخل في تدليس الإسناد، قد يكون قسمًا من الإسناد لأنه داخل في الإسناد. طيب، أخذنا تدليس التسوية، وتدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ. قلنا: هناك أيضًا تدليس العطف، هو الذي فعله هشيم بن بشير، وتدليس السكوت: يقول مثلاً «حدثنا» ويسكت. وتدليس القطع، تدليس القطع: هذا مثاله كما ذكرنا، ما حصل لسفيان بن عيينة لما قال: «قال الزهري»، فقيل له: أسمعته من الزهري؟ قال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، «حدثني عبد الرزاق، معمر عن الزهري». فدل الآن على أن هذا التدليس سمّوه تدليس القطع، أنه أن الراوي يقطع، بمعنى يجزم بالقول: قال فلان، وهو لم يسمعه منه، فهذا يسمى تدليس القطع، وهو من تدليس الإسناد. وهناك يقال لنا أيضًا: تدليس البلدان، يدخل في تدليس الشيوخ. وهناك أيضًا تدليس الصيغ، تدليس الصيغ، وهذا من أوسع التدليس وأصعبه، سُمّي تدليس الصيغ. وهذا انتشر في مصر والشام، انتشر هذا تدليس الصيغ في مصر والشام كثيرًا، حتى أن أهل العلم كثيرًا منهم صعب عليه أن يميز. ومعنى تدليس الصيغ: أن يأتي الإنسان بأي صيغة، لا ينقل الصيغة التي ذكرها الشيخ، لا يذكر الصيغة التي ذكرها الشيخ. فمثلاً أصحاب بقية بن الوليد من الحمصيين، بعض أصحاب بقية بن الوليد من الحمصيين، فتجدهم يخلطون بين الصيغة، يقول مثلاً: بقية، مثلاً يقول: «عن فلان»، فهم يقولون: «حدثنا فلان». فمثلاً يرون الحديث عن بقية، هم يقولون: «حدثنا بقية»، لكن الذي بعد بقية قد يكون بقية سمع منه، قد يكون لم يسمع منه، فيقول مثلاً: «عن بحير بن سعد»، أو «عن ضمر بن حبيب»، فهم ما يقولون: «عنه»، يقولون: «حدثنا ضمر بن حبيب، حدثنا»، هكذا، بمعنى يأتون بصيغة التحديث وهو لم يقلها. أيضًا هذه الصيغة، أو تدليس الصيغ، يحصل أيضًا عند كثير من رواة الحديث، خاصة المتقدمين الذين لا يميزون بين المشايخ، ويجمعون بينهم، ولا يميزون بين صيغتيهما. مثلا بعضهم يروي عن أبان بن أبي عياش عن ثابت، ويروي عن معمر عن ثابت، أي يروي عن أبان عن ثابت، ويروي عن معمر عن ثابت. أقصد، أقصد: يروي عن أبان عن أنس، أبان بن أبي عياش عن أنس، وعن ثابت عن أنس. وثابت ثقة، وأبان ضعيف، فتجد بعض الشيوخ كما عمر مثلاً، وإن أبان، أبان، أبان، يجمع بينهما، يجمع بين رواية أبان وثابت، ولا يميز بينهما.حيانًا يكون مثلاً رواية ثابت مرسلة، أو رواية ثابت عن رجل آخر، فلا يميز، ويجعلهما عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا كان علي بن المديني يقول: كان سفيان أحيانًا يجمع بين أبان وثابت، فإذا جمع بينهما جعلهما عن أنس، وإذا ذكر رواية ثابت لم يجعلها عن أنس، ويجعلها مرسلة، فهذا يسمونه تدليس الصيغ أيضًا. كذلك يفعل هذا حماد بن سلمة، يجمع بين قتادة وثابت وعلي بن زيد وحميد، أحيانًا يجمع بين ثلاثة ولا يميز رواياتهم، يعني يجعلهم كلهم على رواية واحدة، وقد يكون أحدهم أرسل الحديث أو رواه عن غير أنس، فيجعلهم كلهم عن أنس، وهذا أيضًا يسمونه تدليسًا في الصيغ. وأدخل بعضهم أيضًا التدليس في الصيغ ما يفعله بعض العلماء، إذ يأتي إلى محدث، فيأتي مثلاً إلى محدث، ويقول للمحدث: هذا الجزء لك، أتريدني أن أرويه؟ فيقول: نعم. فالآن الشيخ ما رأى الكتاب، فقط بكلام المحدث هذا، لما قال له: هذا كتاب لك، أتريدني أن أرويه؟ فيقول: نعم. فهذه المسألة بعضهم جعلها من تدليس الصيغ، لأن الآن ممكن هذا الكتاب يكون له خاصة، ممكن يكون لأحد، لكن هذا فعلها بعض المصر، منهم عبد الله بن وهب، منهم عبد الله بن وهب، جاء إلى، جاء إلى سفيان بن عيينة، وكان عنده نُسختين، وكذلك أحمد، فقال له، أي: قال عبد الله بن وهب لسفيان: هذا جزء فيه حديث، أتريدني أن أرويه؟ وقال: نعم. فلم يتكلم أحمد وابن معين، ثم قال ابن معين: كيف يرويه وهو لم يرَ، إذ ما رأاه، كيف يرويه وهو لم يرَ؟ واستنكر هذا أحمد، ذكره بعض تلاميذه، فقال أحمد: عجبت لشيء يفعله أهل مصر، يأتي أحدهم إلى الشيخ ويقول: هذا جزء أرويه عنك، ويقول: نعم. قال: الآن ما ناوله ولا أجازه، أجازه على شيء معين، وإنما على شيء مجهول، أخذه بكلامي فقط أن هذا جزء له. لكن الأصل: إذا كان الراوي ثقة، مثل، مثل عبد الله بن وهب، فهذا لا شك أن كلامه صحيح، ولا يطعن في مثل هؤلاء، أمّا لكن من ناحية مسألة عامة فقد يأتي إنسان ويقول للشيخ هذا، وليس مثلاً كلامه فيه دقة، فلهذا أدخله بعضهم في تدليس الصيغ، فتدليس الصيغ أوسع. فهذه بعض التداليس التي ذكرها العلماء. أما تدليس التسوية، كما قلنا: هو أن يروي، أو يروي عن شيخه، ثم يُحدّث الضعيف الذي بين شيخه وشيخ شيخه، كما قلنا يفعل ذلك الوليد بن مسلم، وأحيانًا بعضهم ذكر أبو حاتم أن بقية بن الوليد يفعل هذا، ويدلس تدليس الشيخ. يعني مثلاً يأخذ حديثًا من طريق أحد الضعفاء، مثلاً من طريق محمد بن عبيد، محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو ضعيف جدًا. فالآن بقية يعرف أن محمد بن عبيد الله العرزمي ضعيف، ومحمد بن عبيد الله يروي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. فالآن كيف يفعل بقية؟ فيقوم ويحدث هذا محمد بن عبيد الله العرزمي، يحدثه ويقول: «حدثنا»، ويقول مثلاً: «عن أبي وهب الراسبي عن نافع عن ابن عمر». أنا حتى العلماء استغربوا في هذا الإسناد: أي شيء، أبو وهب الراسبي هذا، من أين جاء هذا أبو وهب؟ أقصد: أبو وهب، عن أبي وهب عن نافع عن ابن عمر. فبعض العلماء تنبه، فقال: أبو وهب هذا هو عبيد الله بن عمر. فبقية حذف محمد بن عبيد الله العرزمي، وقال: «عن أبي وهب عن نافع عن ابن عمر»، حتى لا يلتفت إلى محمد بن عبيد الله، لأنه لو قال: «عن عبيد الله بن عمر»، بقية لم يروِ عن عبيد الله بن عمر، ولم يلقَ، أنا سيفتضح. لكن قال: أي شيء، «عن أبي وهب الأسدي»، عن أبي وهب الأسدي، نسبه إلى أسد، ونسبة عبيد الله بن عمر إلى الأسد ليست نسبة صحيحة، لكنه من أمه أسدية، وعبيد الله بن عمر العمري. فقال: «أنا أبو وهب للأسدي عن نافع عن ابن عمر». هذا من التكتيك في التدليس. أهل الشام كانوا عندهم خبرة شديدة بالتدليس، وأهل مصر، وقصدوا كما ذكرنا أن أكثر أهل تدليس هم أهل مصر وأهل الشام، وكذلك بعدهم أهل الكوفة. وأما أهل الحجاز واليمن فتدليسهم قليل، خاصة أهل الحجاز. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا. العلم إن شاء الله، المرسل الخفي نذكره في الدرس اللاحق. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر