الدرس في شرح نخبة الفكر 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقسم الانقطاع في الإسناد إلى واضح يدرك بعدم التلاقي بين الرواة ويستدعي معرفة التاريخ لكشفه، وخفي يتمثل في التدليس حيث يروي الراوي بصيغة تحتمل اللقاء دون تصريح به. ويُعرف التدليس لغةً وشرعاً مع ذكر أمثلة تاريخية على كشف الانقطاع بالتاريخ.
يُعرّف التدليس عند الحافظ البزار وابن القطان بأنه رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه موهماً السماع، ويفرق هذا التعريف عن تعريف ابن الصلاح الذي أدخل المعاصرة فيه. ويتناول المقطع حكم التدليس واختلاف العلماء فيه، مبيناً أن التدليس عن الضعفاء هو المنكر مع مثال للحسن البصري في التثبت.
يستعرض المقطع خلاف العلماء في حكم التدليس بين مجيز ومحرم، وبيان أثره في عدالة الراوي حيث لا تسقط العدالة به وحده لكن تضعف مع سوء الحفظ. كما يصنف الحافظ ابن حجر المدلسين إلى خمس مراتب، ويعرف الأنواع الثلاثة الرئيسية: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وتدليس التسوية مع التمثيل لكل نوع.
يسأل الهيثم بن جميل الوليد بن مسلم عن سبب إخفائه اسم راوٍ أحياناً مما يوهم تدليس الأوزاعي، فيرد الوليد بأن الأوزاعي أجلّ من أن يروي عن مثل هؤلاء. ويعترف الوليد بأن فعله هذا يُعد تدليساً وإخراجاً للحديث عن حقيقته.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد، قال رحمه الله الحافظ ابن حجر: ثم قد يكون واضحاً أو خفياً، فالأول يدرك بعدم التلاقي، ومن ثم احتُيج إلى التاريخ، والثاني: المدلس، سُمِّي بذلك لكون الراوي لم يُسمِّ الشيخ، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه، وأوهم سماعه للحديث. طيب، الآن قال: إن الانقطاع في الإسناد يكون واضحاً أو خفياً، يكون واضحاً أو خفياً. فالأول يُدرك بعدم التلاقي، هذا الواضح. فالانقطاع في الإسناد إما أن يكون واضحاً وإما أن يكون خفياً. فمتى يكون واضحاً؟ إذا كان لم يدركه، على من لقيه، أو بعدم إدراكه وإدراك عصره. ومن ثم احتُيج إلى التاريخ حتى يعرف: متى توفي هذا؟ متى ولد هذا؟ ولهذا قال سفيان الثوري رحمه الله: لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ. لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ، فيفضحهم التاريخ. فلهذا قد يأتي الشخص ويحدث عن من لم يدركه ولم يلقاه، فيعرف العلماء بهذا. فلهذا حدث بعض الرواة عن الرجل، فقال له ابن العبار: متى سمعت هذا الرجل؟ قال: سنة كذا وكذا. فقال: سمعته بعد أن مات بعشرين سنة، أو بثلاث عشرة سنة. إنا عرف أنه يكذب، أو أنه وهماً، ليس كذباً، وإنما خطأ؛ يظنه أنه فلان وهو ليس كذلك. وهكذا قال أبو نعيم لرجل كان يحدث عنه، فقال: متى سمعت منه؟ قال: كذا وكذا. قال: أسمعته بعد أن مات بثلاث عشرة سنة؟ فلهذا يعرف الانقطاع بالتاريخ، يعرف الانقطاع بالتاريخ وعدم اللقي. فهذا المنقطع الواضح. وأما المنقطع الخفي فهو على قسمين كذلك. فقال رحمه الله: والثاني المدلس. سُمِّي المدلس، ويروي بصيغة تحتمل اللقاء، ك «عن». فإن روى بصيغة صريحة لا تجوز فيها كان كذباً. وكذا المرسل الخفي من معاصر لم يلقَ من حدث عنه. الآن عندنا المدلس: الحديث المدلس يسمى مدلساً، والشخص يسمى مدلساً. والتدليس هو من اللبس والغش والخفاء. معنا: دلس الشيء أي خفاه عنه. والتلبيس من الخفاء، معناها من الأشياء الخفية التي تخفى. فذاك الرجل الذي وجده النبي صلى الله عليه وسلم يبيع الطعام، فوجد الطعام المبللة، أدخلها داخل، والطعام التي ليست مبللة جعلها فوق. فلما أدخل النبي صلى الله عليه وسلم يده في الطعام، وجد الطعام من داخل مبللاً، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته سماء. فقال: «من غشنا فليس منا». هذا يعتبر تدليساً، غشاً. وهذا التدليس عرفه العلماء كما تقدم معنا في البيقونية: أنه التدليس أن يروي الراوي عن من سمعه ما لم يسمعه منه، أن يروي الراوي عن من سمعه ما لم يسمعه منه، عن من سمعه ما لم يسمعه منه. إذ قد سمع منه، لكن هذا الحديث لم يسمعه منه. فهذا التدليس؛ لأنه يوهم أنه سمع منه هذا الحديث، يوهم أنه سمع منه هذا الحديث. فهذا التدليس، رجحه الحافظ رحمه الله، وهو تعريف الحافظ البزار محمد بن عمر بن عبد الخالق، وكذلك تعريف ابن القطان. ابن القطان: ليس يحيى بن سعيد، ذاك من تقدم. ابن القطان هذا الفاسي، من تلاميذ ابن حزم، صاحب كتاب «الوهم والإيهام» على أحكام عبد الحق الأشبيلي، سماه «الوهم والإيهام». فهذا القول، ورجحه الحافظ، على أن المدلس هو أن يروي الراوي عن من سمعه ما لم يسمعه منه. بخلاف ابن الصلاح، ابن الصلاح فسره بأنه أن يروي الراوي عن من سمعه ما لم يسمعه منه موهماً، أو يروي عن عاصره. قال: أو عاصره، وروى عنه موهماً أنه سمع منه. مما أدخل أيضاً المعاصرة في التدليس. والحافظ هنا جعل المعاصرة في المرسل الخفي، ففرق بين التدليس والمرسل الخفي. وأما الحافظ ابن الصلاح فلم يفرق بينهما. طيب، الآن التدليس، كما قلنا، هذا تعريفه. وأما حكمه فالتدليس أنواع، وبعضها أشد من بعض في ناحية الحرمة. فبعض العلماء قطع أن التدليس كله حرام، وبعض العلماء جوزه، ولهذا تجد يذكره. لكن التدليس عن الضعفاء، هذا الذي أنكره أكثر العلماء، التدليس عن الضعفاء. لكن تجد أن كثيراً من هؤلاء العلماء يدلسون، ليس على سبيل الخفية، أي ليس على سبيل مثلاً أنهم يخفون الحديث، ولكن باب التعود؛ فيرون أن هذا الرجل ثقة، أو أنهم يروون عنه ناس معروفون، فيروون عنهم بدون ما يذكرون الواسطة. ولهذا الحسن، لما قيل له: عن من أخذت هذا الحديث؟ فقال: ترون نأخذ من السوقة. قيل للحسن: من أين أخذت هذا الحديث، أو عن من أخذت هذا الحديث؟ فقال: ترون أننا نأخذ من السوقة. نحن ما نأخذ من السوقة. السوقة معناه: الفجار، الفساق، الكذابين. نحن ما نأخذ منهم، نأخذ من الناس الذين هم على الإسلام، على العدالة. لكن هذا ما يكفي؛ لأن الحديث لا بد فيه من حفظ، ظاهر العدالة لا تكفي في أخذ الحديث. ولهذا كانوا يتحرون بعض أهل البصرة وغيرهم كابن سيرين، وكان يقول لهم: سلوا الحسن ممن سمع هذا الحديث، وسلوا أبي العالية ممن سمع هذا الحديث، وسلوا فلاناً ممن سمع هذا الحديث. فلهذا فالتدليس عند العلماء: منهم من أجازه، ومنهم من حرمه. وممن حرمه شعبة، كان يقول: التدليس أخ الكذب. كان يقول: التدليس أخ الكذب. ولهذا لا يروي عن مشايخه على حديث المدلسين، ما يروي عن مشايخه إلا ما كان سماعاً. ولهذا كان يقول: كفيتكم تدليس ثلاثة. كان يقول: كفيتكم تدليس ثلاثة: قتادة، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش. معناه: ظاهر كلامه يقول: إذا رأيتموني رويت عن هؤلاء الثلاثة، اطمئنوا أنه ليس هناك تدليس منهم، اطمئنوا أنه ليس هناك تدليس منهم. فلهذا فالتدليس أخ الكذب. وكذلك أيضاً الإمام الشافعي رحمه الله يرى أن التدليس حرام، لا يجوز أن يدلس الشخص، وذكر أيضاً أنه أخ الكذب. لكن هناك شيء اختلفوا فيه العلماء: وهو هل يطعن التدليس في الراوي؟ أن إذا عرف الرجل بالتدليس هل هو طعن فيه؟ فبعض العلماء يقول: أنه طعن فيه، لكن لا يسقط عدالة الراوي، هو طعن لكنه لا يسقط العدالة. ومنهم من فصل، فقال: إن أكثر التدليس، ولم يعرف عنه إلا التدليس، فهذا يسقط. وهذا كمثل ما جاء عن بعضهم أنهم ضعفوا بسبب كثرة تدليس، مثل فرج بن فضالة، ضعف بكثرة تدليس. لكن هل التدليس وحده؟ لا، أصلاً هو عنده سوء حفظ، وعنده كثرة تدليس، فضعف بسبب هذين الأمرين. فالصحيح أن المدلس ما يضعف، لكن يؤثر في روايته، يؤثر في روايته. ولهذا المدلسون أنواع وأشكال، أنواع تدليس أو المدلسون أنفسهم أنواع. ذكر الحافظ ابن حجر، وقبله الحافظ العلائي، خمس أنواع من المدلسين: فالمرتبة الأولى والمرتبة الثانية لا يقبل تدليسهم، والمرتبة الثالثة لا يقبل تدليسهم إلا إذا صرحوا، والمرتبة الرابعة والخامسة كلاهما ما يقبل لأنهم ضعفاء. طيب، وتدليس هذا أنواع. أنواع التدليس أشهرها ثلاثة أنواع: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وتدليس التسوية، وهو من تدليس الإسناد. بعضهم يدخلوه في تدليس الإسناد، وبعضهم يفردوا تدليس التسوية. وهذا التعريف الذي ذكرناه هو تعريف تدليس الإسناد، هو تعريف تدليس الإسناد: أن يروي الراوي عن من سمعه ما لم يسمعه منه. وأما تدليس الشيوخ فله تعريف آخر: هو أن يروي عن شيخ فيكنيه بغير كنيته، أو يسميه بغير اسمه المشهور عنه، يسمى تدليس الشيوخ. وأما تدليس التسوية فهو أن يروي الراوي عن شيخه فيصرح بالتحديث، ثم يروي عن شيخه فيسقط الواسطة بين شيخه وشيخ شيخه. مثل ما يفعل وليد بن مسلم: يروي عن الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن، وغير عن الزهري، فيحذف قرة، يحذف الواسطة بين الأوزاعي والزهري. فقال له الهيثم بن جميل: يا أبا العباس، أي وليد بن مسلم، إنك إذا فعلت هذا تتهم الأوزاعي، أن الناس سيتهمون الأوزاعي أنه يدلس. ليش أحياناً يذكر هذا الشخص وأحياناً ما يذكره؟ فقال الوليد بن مسلم: أنبّل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء، أنبّل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء. لكن هذا تدليس، وإخراج الأمر عن حقيق