شرح قرة عيون الموحدين 5

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 5، ألقاها

مقدمة وتنبيهات على اختلاف النسخ

بدأ الشيخ درسه بتنبيهات حول الفقرات المختلف فيها بين نسخ الدرس، مع تصحيح بعض الأحاديث الضعيفة. كما أشار إلى أهمية التدقيق في النصوص.

تحريم الشرك ووجوب إخلاص العبادة

شرح المقطع تحريم الشرك بالله ووجوب إخلاص العبادة له مستدلاً بالآيات والأحاديث، وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو إلى التوحيد منذ بداية رسالته.

فضل التوحيد وتفسير آية الأنعام وتكفير الذنوب

تناول العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله معنى التوحيد وفضله، وتفسير آية الأنعام التي تنص على أن الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم لهم الأمن، وبين أن المراد بالظلم هو الشرك الأكبر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، فقبل أن ندخل في درسنا الجديد، ننبه على بعض الفقرات التي وقع فيها شيء من الخلاف بالنسبة لبعض النسخ. وقبل هذا أيضاً نبهنا في بعض الدرس الماضي أن فقرة مرت علينا فلم نقرأها، وهي قوله بعد قوله: «وتقدم أن أصله وأساسه توحيد العبادة»، قال: «فلا تغفل عما تقدم». وقوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً﴾، أي حرم عليكم الشرك الذي نهاكم عنه بقوله: «أن لا تشركوا به شيئاً». قال: «فالشرك أعظم ذنب عصي الله به، أكبره وأصغره». هذه العبارة الأخيرة ما قراءناها في الدرس الماضي. وهو كما ذكر رحمه الله تعالى: «أن الشرك كبيره وصغيره أعظم الذنوب». أعظم الذنوب الشرك، كبيره وصغيره. أما كبير الشرك، فالأمر فيه واضح، وتقدم بأن كل ذنب دونه يرجى من الله جل وعلا أن يغفره، إلا الشرك به، فإن الله جل وعلا لا يغفره. وكذلك بالنسبة للشرك الأصغر، على قول طائفة من أهل العلم، أنهم يقولون بأنه داخل في عموم قول الله جل وعلا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الشرك الأصغر داخل في عموم هذه الآية، باعتبار أن الله جل وعلا لا يغفره، بمعنى أن العبد لا بد وأن يؤاخذ به، وأن يحاسب عليه. بل إن الحسنات الماحيات لا تكون سبباً لمحق هذا النوع من الشرك الأصغر، وإن كان عنده التوحيد المنجي بإذن الله رب العالمين جل وعلا. فعلى القول الذي ذكروه هؤلاء، الأمر كذلك فيه واضح، من أن الشرك كبيره وصغيره أعظم الذنب. وعلى القول الآخر، وهو الصحيح، أن الشرك الأصغر يكون داخلاً تحت عموم مشيئة الله جل وعلا، أي: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، وأن الشرك الأصغر داخل تحت قوله جل وعلا: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، للفوارق الكثيرة بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في تنايا هذا الكتاب ذكر شيء من ذلك بإذن الله جل وعلا. وعلى القول الثاني، كما سمعتم، كذلك يكون الذنب - كما هو مذهب أهل السنة والجماعة - متفاوتاً. فالشرك والكفر بالله جل وعلا أعظم الذنوب مطلقاً، ودونها من الذنوب على كذلك رتب. فالكبائر على رتب، فهناك كبيرة، وهناك أكبر الكبائر، وما شابه ذلك. لذا يذكر بعض أهل العلم: أن الشرك الأكبر أعظم الذنوب مطلقاً، وأن الشرك الأصغر أعظم المعاصي، أو قل: أعظم الذنوب التي هي دون الكفر بالله جل وعلا مطلقاً. هذا أمر. الأمر الثاني: يعني مر معنا فيه أيضاً العبارة الأخرى، في قوله بعد أن ذكر جملة من الآيات، قال: «علم أن لا إله إلا الله تنفي الشرك الذي وقعوا فيه، وأنكروا التوحيد الذي دلت عليه لا إله إلا الله». فصار أولئك المشركون أعلم - أعلم بمعنى هذه الكلمة - لا إله إلا الله من أكثر متأخر هذه الأمة، لا سيما أهل العلم منهم، لا سيما أهل العلم منهم الذين لهم دراية في بعض الأحكام وعلم الكلام. قال: «فجهلوا توحيد العبادة وزينوه». هكذا عندنا في نسختنا: «فجهلوا توحيد العبادة وزينوه». لفظ «زينوه» في النسخة الأخرى ليس موجوداً هاهنا، وإنما ذكر بعد قوله: «فوقعوا في الشرك»، «المنافع له وزينوه»، أي في الفقرة التي تليها. وعلى النسخة الأخرى يكون المعنى واضحاً، أي: «وقعوا في الشرك المنافع له»، أي: المنافع للتوحيد، «وزينوه»، أي: زينوا ذلك الشرك، حتى يظن الظان أنه ليس بشرك بالله جل وعلا. فيقول: أمره على النسخة الأخرى واضح. وعلى نسختنا هذه كذلك قد يخرج بتخريج صحيح، فيقال: «فجهلوا توحيد العبادة وزينوه»، بمعنى: زينوا ذلك الجهل الذي هو الجهل بتوحيد العبادة، حتى ظن الظان أن ذلك الجهل علماً، وأن التوحيد الذي ظهر لهم هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وهذا ليس بصواب. وكذلك وقع في النسخة الأخرى: «فوقعوا في الشرك المنافع له»، كما سمعتم، «وزينوه». «وجهلوا توحيد الأسماء والصفات وأنكروه». فلقوله: «وأنكروه» الذي عندنا في الفقرة الثانية، ذكروا بعد قوله: «وجهلوا توحيد الأسماء والصفات وأنكروه». وكذلك على النسخة الثانية يكون المعنى واضحاً، أي: أنهم جهلوا توحيد الأسماء والصفات، وأنكرهم، أي: أنكروا توحيد الأسماء والصفات. وعلى نسختنا أيضاً قد يوجه ويخرج بتخريج صحيح، فيقال: «فوقعوا في الشرك المنافقة وأنكروهم»، أي: وأنكر الوقوع في الشرك، واضح هذا. «وأنكروهم» يكون: «وأنكروا الوقوع في الشرك»، زعماً منهم أنهم ليسوا واقعين فيه، والحق أنهم واقعون فيه، شاءوا أم أبوا. هذا ما أحببنا أن ننبه عليه قبل شروعنا في درسنا لهذا اليوم بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «وأما قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه، فليقرأ: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ إلى قوله: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه﴾ إلى آخر الآية». قولهم: «التي عليها خاتمه»، أي قول عبد الله بن مسعود: «التي عليها خاتمه». وقبل هذا حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، رواه الإمام الترمذي وغيره بإسناد صحيح إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. وسهى بعض المحققين، فظن أن راويه الذي هو داود الأوديني، ظنه داود بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديني الضعيف. والصواب أنه داود بن عبد الله، داود بن عبد الله الأوديني، وهو ثقة، وهو ثقة. فالحديث صحيح. ونحن نبهنا على هذا الأمر بأن بعضهم، أو كثير من المحققين، تبعوا في هذا الوهم إمام المحدثين في العصر، العلامة الألباني رحمه الله. فالشيخ الألباني رحمه الله تعالى حكم على هذا الحديث بالضعف، ظناً منه رحمه الله تعالى بأن داود هو ابن يزيد. والصواب أن داود هو ابن عبد الله؛ لأن الحديث رواه الترمذي من طريق داود الأود عن الشعبي، وداود الأود عن الشعبي الذي روى عنه الترمذي إنما هو داود بن عبد الله، إنما هو داود بن عبد الله الأود. أما داود بن يزيد الأود، روى عن الشعبي، لكن روى عنه - أو أخرج له - ابن ماجة فحسب، أخرج له ابن ماجة فحسب. فننتبه لهذا، وننتبه لهذا، وهذا من الأمور الدقيقة، فننتبه لها. إذن الحديث صحيح، بقي شرحه. قال: قوله: «التي عليها خاتمه»، قال: «شبه هذه الوصية بوصية كتبت فختمت». وهذه عادة الوصية، بمعنى أن الإنسان إذا وصى بوصية لابد أن يختم عليها، أن يختم عليها بخاتمه، إشارة إلى أن هذه الوصية صحيحة ومعتبرة، صحيحة ومعتبرة. فابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه شبه الوصية التي في قول الله جل وعلا: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ إلى آخر الآيات، شبهها بوصية أوصى بها نبينا صلى الله عليه وسلم، ووضع عليها خاتمه، ووضع عليها خاتمه، أي: فلم تغير ولم تبدل. قال: «أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يدعو الأمة من حين بعثه الله تعالى إلى أن توفاه، صلوات الله وسلامه عليه». وقد قال: يعني يدعو الأمة إلى هذه الأمور، وأولها إلى هذه الأمور، ومن أول هذه الأمور - بل أول هذه الأمور مطلقاً -: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً﴾، أن لا تشركوا به شيئاً، أي: أن لا يشرك العبد بالله رب العالمين جل وعلا شيئاً. وها هنا - كما هو ظاهر -: «أن لا تشركوا»، لا ها هنا إما أن تكون نافية، وإما أن تكون ناهية. ﴿تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً﴾. فإذا كانت ناهية، فالأمر واضح: «لا تشركوا». وقوله: «شيئاً»، القاعدة عند العلماء: بأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم. إذن هذا نهي من الله رب العالمين جل وعلا بالنهي عن الشرك، نهي من الله جل وعلا عن الشرك مطلقاً، كبيره وصغيره؛ لأن الله جل وعلا نهى عنه نهياً عاماً مطلقاً. ويحتمل أن تكون «لا» ها هنا نافية، ويكون «تشركوا» منصوبة بأن التي قبل «لا»، أي في قوله: «ألا تشركوا»، لأن النون أضغمت في اللام، فصار: «ألا تشركوا»، وإلا أصلها: «أن لا تشركوا». فيحتمل أن تكون مجزومة بـ «لا» الناهية إذا كانت «لا» ناهية. ومحتمل أن تكون منصوبة بأن التي قبلها «لا» النافية. وكلاهما محتمل، وكلاهما يدلان على هذا المعنى: «لا تشركوا»، النهي فيه واضح. و«أن لا تشركوا» كذلك النهي فيه واضح. فيكون النهي من باب ماذا؟ أن الله جل وعلا نفى الشرك به على أي وجه كان. فيكون من باب الخبر الذي يراد به الإنشاء، أو الخبر عن حكم الله جل وعلا وأمره، أو الخبر عن حكم الله جل وعلا وأمره الذي لا يرضى سواه، وهو: «أن لا تشركوا به شيئاً»، لا إخبار عن واقع الأمر؛ لأن الشرك قد وقع. قوله: «أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يدعو الأمة من حين بعثه الله تعالى إلى أن توفاه، صلوات الله وسلامه عليه». وقد قال: «مفروق سيد بني شيبان في دعوته صلى الله عليه وسلم القبائل في مواسمهم»، أي: حينما كان يدعو النبي صلى الله عليه وسلم القبائل ورؤساءها في المجامع، وفي الأسواق، وفي المحاضر، وفي المواسم، كان يدعوهم بدعوات. فجاء في بعض الرواية: أن طائفة من رؤساء القبائل، ومنهم هذا الرجل مفروق سيد بني شيبان، سأل النبي صلى الله عليه وسلم - كما ذكرها هنا - قال: «أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وقد قال مفروق سيد بني شيبان في دعوته صلى الله عليه وسلم القبائل في مواسمهم وإلى ما تدعو إليه يا أخا قريش؟» أي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «إلى ما تدعو إليه يا أخا قريش؟» أي: أي شيء تدعو إليه؟ قال: «فتلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً﴾». وهذا الحديث رواه أبو نعيم والبيهقي في «الدلائل»، ولم يسعفني الوقت في النظر في رجاله. لكن نقول بإذن الله جل وعلا: غداً نأتيكم بالخبر إن شاء الله تعالى. لكن الشاهد منه: أن من أوائل ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم - كما ذكر في هذا الحديث - أنه كان يدعو بهذه الآية: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً﴾ إلى آخر الآيات. قال رحمه الله تعالى: «وقد تضمنت هذه الآيات المحكمات أمراً ونهياً، كما قد قال تعالى عن خليله إبراهيم: أي أن الله جل وعلا تضمن - أو تضمنت هذه الآيات - فأخبر الله جل وعلا في هذه الآيات، وأمر بأوامر، أن الله جل وعلا في هذه الآيات أمر فيها بأوامر، ونهى فيها عن نواهي». قال: «وقد تضمنت هذه الآيات المحكمات أمراً ونهياً، كما قال تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام: إذ قال له ربه: ﴿أسلم﴾، قال: ﴿أسلمت لرب العالمين﴾، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾». وهذه الوصية كالوصية، هذه الوصية كالوصية. لذا يقول الشيخ رحمه الله: كما قال تعالى عن خليله إبراهيم، فخليله الرحمن إبراهيم وصى بنيه بهذه الوصية، كما وصى بها خليله محمد صلى الله عليه وسلم أمته، أمته بأن لا يشركوا به شيئاً. قال رحمه الله تعالى: «وأما حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟» قال: فساقه المصنف رحمه الله تعالى؛ لتضمنه معنى الآيات التي تقدمت، وذلك قوله: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً». والحديث متفق عليه، كما هو معلوم. والشاهد منه - كما ذكر الشارح رحمه الله - ووجه ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لهذا الحديث هاهنا - كما ذكر الشارح رحمه الله تعالى - هو كالمفسر والمبين والموضح للآيات السابقات، من أن حق الله جل وعلا على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. قال العلامة المنقم رحمه الله تعالى: سؤال: حق الإله عبادة بالأمر لا بهوى النفوس، فذاكر الشيطان من غير إشراك به شيئان هما سبب النجاة، فحبذا السببان. لم ينج من غضب الإله وناره إلا الذي قامت به الأصلان، والناس بعد فمشرك بإلهه، أو ذو ابتداع، أو له الوصفان، أي: مشرك ومبتدع. قال رحمه الله تعالى: «فمن صرف شيئاً من العبادة التي هي حقه سبحانه - لا يستحقها أحد سواه - لغيره، كالدعاء والاستعانة، فقد آمن بالطاغوت وأشرك بالله وكفر، وأشرك بالله وكفر». كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم عن عبادة الطاغوت، والنهي عن ذلك في آيات كثيرة، نهى الله جل وعلا عن الإيمان بماذا؟ الإيمان بالطاغوت. فقوله رحمه الله تعالى: «فمن صرف شيئاً من العبادة التي هي حقه سبحانه - لا يستحقها أحد سواه - لغيره، كالدعاء - الدعاء - الدعاء من العبادة العظيمة - كما قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم -: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾، فتم الله جل وعلا: «الدعاء عبادة». وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾. قال: «والاستعانة كذلك، الاستعانة بالله جل وعلا من العبادات». قال الله جل وعلا في سورة الفاتحة: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. قال: «فمن صرف - يعني هذه العبادات وما شابه هذه العبادات - فقد آمن بالطاغوت وأشرك بالله». والله جل وعلا يقول: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾، أي: استمسك بـ «لا إله إلا الله»، واستمسك بالإسلام. إذا لابد له من كفر بالطاغوت، وإيمان بالله جل وعلا. فمن عكس الأمر، فقد انعكس عليه الحكم، أي: لم يكن مؤمناً، بل صار كافراً. ولم يكن موحداً، بل صار مشركاً. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً»، قال: «ليس على الله حق واجب بالعقل، كما تزعم المعتزلة». لكن هو سبحانه أحق ذلك على نفسه، تفضلاً وإحساناً على الموحدين المخلصين، الذين لم يلتفتوا في إرادتهم ومهماتهم ورغباتهم ورهباتهم إلى أحد سواه، ولم يتقربوا بما يقولونه ويعملونه من الطاعات إلا إليه وحده. والله أعلم. وهذا تنبيه لطيف من العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى إلى هذه المسألة. وكما ذكرنا في أول الكتاب: أن الكتاب مملوء بالعلم، ومملوء بالمسائل العلمية الدقيقة، بأسلوب لطيف وعبارات مختصرة. وهذه مسألة من مسائل العلم التي تكلم فيها العلماء، وربما تكلموا عليها في مباحث وصفحات. وها هو العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى يلخصها لنا بكلمات مختصرة. وهي: هل الحق الذي كتبه الله جل وعلا على نفسه، وأوجبه على نفسه، أو الأشياء التي حرمها الله جل وعلا على نفسه، هل هي واجبة عليه بمقتضى العقل، أو هي محرمة عليه بمقتضى العقل؟ أم أن ذلك هو من فضل الله جل وعلا وإحسانه؟ الجواب هو ما ذكره العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في هذا الموضع، وهو: أن الأمر إلى الله جل وعلا، وأنه من فضل الله جل وعلا وإحسانه. فالله جل وعلا - كما قال: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ - هذه الكتابة التي بمعنى الإيجاب، أي: أوجب ربكم على نفسه الرحمة. وفي قول الله جل وعلا في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً»، هل هاهنا كذلك التحريم عقلي؟ أم أنه فضل من الله جل وعلا؟ الجواب: أنه فضل من الله جل وعلا. فالله جل وعلا هو الذي أوجب على نفسه، وهو الذي حرم على نفسه، تفضلاً وإحساناً منه سبحانه وتعالى. فهو ربنا جل وعلا لا يفعل شيئاً إلا لحكمة. فمن مقتضى حكمته جل وعلا: أنه حرم الظلم على نفسه، تفضلاً وإكراماً؛ لقبح الظلم. وأوجب على نفسه حقوقاً أيضاً، على مقتضى حكمته وفضله وإحسانه جل وعلا. فالله جل وعلا لا يفعل شيئاً إلا لحكمة عظيمة جليلة. وهذه منها. وهذه المسألة - كالعادة - وقع فيها طرفان في جانب الإفراط والتفريط. وأهل السنة والجماعة وسط بين الإفراط والتفريط. والمسألة مردها إلى مسألة: وهي مسألة التحسين والتقبيح: هل هما عقليان؟ أم أنهما شرعيان؟ والحق في ذلك: أن مسألة التحسين والتقبيح هي شرعية وعقلية، بمعنى أن الشرع جملة يدرك حسن أشياء، وقبح أشياء. فيدرك العقل مثلاً حسن العدل، وحسن كذلك الإحسان، وما شابه ذلك. ويقبح الظلم والفساد، وما شابه ذلك. فهذه أشياء تدرك. لكن الحكم في ذلك - من حيث الوجوب والتحريم، ومن حيث الثواب والعقاب - هو شرعي، متوقف على الشرع. والقادرية والمعتزلة - ممثلة لهم في هذا الباب - يقولون: بأن مسألة التقبيح والتحسين عقليان. فحسن، والشرع إنما كاشف لذلك. وفي المقابل: الجبرية يقولون: لا شيء يدرك بالعقل، إنما الحسن والقبح نسبي، بمعنى أن ما حسنه الشرع فهو حسن، وما قبحه الشرع فهو قبيح. وإن كنا قبل ذاك لا ندري: أهو حسن أو قبيح؟ أي: لا يدرون مثلاً: هل الظلم قبيح أو حسن؟ يقولون: لا ندري؛ لأن الشرع جاء بذلك، لما علمنا بأنه ماذا؟ بأنه على ذلك الوصف. وهكذا قل في غيره. والحق - كما سمعتموه - بين هؤلاء وهؤلاء. وفي المسألة تفاريع وتفاصيل. وخلاصتها ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا، وهو قوله رحمه الله: «ليس على الله حق واجب بالعقل كما تزعمه المعتزلة، لكن هو سبحانه أحق ذلك على نفسه تفضلاً وإحساناً على الموحدين المخلصين» إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى. فهو حق أوجبه الله جل وعلا على نفسه، تفضلاً منه وإكراماً لعباده المؤمنين. قال رحمه الله تعالى: «باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب». قال رحمه الله: «الباب في اللغة هو المدخل إلى الشيء». وهو على قسمين: إما أن يكون المدخل مدخلاً حسيا، كما هي الأبواب المعروفة للبيوت وغيرها. وإما أن يكون مدخلاً معنوياً، كما في «أبواب العلم» ونظائرها. قال رحمه الله: قوله: «وما يكفر من الذنوب»، أي: «باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب». قال: «قوله وما يكفر من الذنوب: ما مصدرية»، أي: وتكفيره الذنوب؛ لأن «ما» المصدرية تسبق بما بعدها بمصدر. فتقدر: يكون التقدير: أي «باب فضل التوحيد وتكفيره الذنوب»، وتكفيره الذنوب؛ لأن «ما» وما بعدها معطوفة على التوحيد، والتوحيد مضاف إليه، والمضاف إليه يكون مخفوضاً بماذا؟ بالكسرة. إذن يكون التقدير: «وتكفير الذنوب». قال: «ويجوز أن تكون موصولة»، أي: «ما» تكون موصولة، والعائد محذوف، أي: أي تقديره يكون: «والذي يكفره من الذنوب». «ويكفره» الها هاهنا العائد. هاهنا من الذنوب. فكلا التقديرين - على كلا التقديرين - يكون الأمر مستقيما، سواء كانت مصدرية أو كانت موصولة. على كلا التقديرين. وما تقدم ذكره. قال رحمه الله تعالى: «والمراد بالتوحيد توحيد العبادة». والمراد بالتوحيد توحيد العبادة، وهو إفراده تعالى بأنواع العبادة الباطنة والظاهرة، كالدعاء والذبح والنذر، كما قال تعالى: ﴿فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون﴾. وقال تعالى: ﴿فادعوه مخلصين له الدين﴾. قوله رحمه الله: «والمراد بالتوحيد توحيد العبادة»، كما تقدم ذكره في أول كتاب: أن الكتاب ألفه الشيخ رحمه الله تعالى في توحيد العبادة، في توحيد الإلهية؛ لأنه الذي وقع فيه الجهل، ووقع فيه النزاع، لا سيما عند المتأخرين. فاحتاج الشيخ رحمه الله تعالى إلى تأليف هذا الكتاب، وبيان حقيقة التوحيد التي حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل. وقول رحمه الله تعالى: «وإفراده تعالى بأنواع العبادة الباطنة والظاهرة»، إشارة إلى ما تقدم من أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فكل عمل ظاهر أو باطن هو عبادة، وجب أن يكون لله وحده لا شريك له، وأن لا يصرف لغير الله جل وعلا. لذا قال رحمه الله: قال: «كالدعاء والذبح والنذر»، «كالدعاء والذبح والنذر»، وغير ذلك. فالدعاء والذبح والنذر هي عبادات ظاهرة، وباعتبار تعلق القلب - تعلق قلب الداعي بالمدعو، والذبح بالمذبح له، والنذر للمنذر له - تكون عبادة كذلك ماذا؟ باطنة. تكون عبادة باطنة. قال رحمه الله تعالى: كما قال تعالى: ﴿فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون﴾. وقال تعالى: ﴿فادعوه مخلصين له الدين﴾. وهذه الآيات دالة له دلالة واضحة على وجوب إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: «وقوله: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾». قوله: «باب فضل التوحيد»، وقول الله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ كذلك معطوف على ما تقدم من قوله: «فضل التوحيد». والتوحيد مخفوض، فقوله يكون معطوفاً عليه. وقول الله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾، قال: «واللبس هنا الخلط». ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا﴾، أي: لم يخلطوا، لم يخلطوا إيمانهم بظلم. قال: «والمراد بالظلم هنا الشرك الأكبر». المراد بالظلم هاهنا الشرك الأكبر. وهذا تفسير ينبغي لنا أن ننتبه له؛ لأن هذه الآية وقع فيها شيء من الإشكال على بعض الأولين، حتى بيّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبيّن لهم أن معنى الظلم في هذه الآية هو الشرك الأكبر. لذا قال رحمه الله تعالى: «والمراد بالظلم هنا الشرك الأكبر»، كما ثبت في حديث ابن مسعود وغيره مرفوعاً: «إنما هو الشرك». ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾. وكما جاء في الحديث: أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لما نزلت هذه الآية، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: «يا رسول الله، وأينا لم يظلم نفسه؟» فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس هذا». قال: «إنما هو الشرك». قال: «ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾». فمعنى الآية في قول الله جل وعلا: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، أي: بالشرك. وهل المراد بالشرك الأصغر أو الأكبر؟ الآية في الشرك الأكبر. وسيأتي مزيد بيان في كلام الشيخ رحمه الله. قال رحمه الله: قال: «أراد أن من لم يجتنب الشرك لم يحصل له أمن ولا اهتداء بالكلية». من لم يجتنب الشرك، أي: وقع في الشرك الأكبر، وقع في الشرك الأكبر، لم يقع ولم يكن، ولم يحصل له أمن أبداً بالكلية. لذا قال: «لم يكن له أمن ولا اهتداء بالكلية». وأما من سلم منه، أي: من الشرك الأكبر، سلم منه، أي: من الشرك الأكبر. قال: «فيحصل له من الأمن والاهتداء بحسب مقامه في الإسلام والإيمان»، بحسب مكانته، وبحسب إيمانه وتقواه إلى غير ذلك. قال: «فلا يحصل الأمن التام والاهتداء التام إلا لمن لم يلق الله بكبيرة مصرا عليها». بمعنى: أن من لقي الله جل وعلا بكبيرة، ولكنه لم يكن مصرا عليها، لم يكن مصرا عليها، فيرجو له أن يدخل تحت مشيئة الله، فيكون آمناً بإذن الله جل وعلا. وقد يكون مؤاخذاً بتلك الكبيرة، إن غلبت سيئاته على حسناته. قال رحمه الله: قال: «فلا يحصل الأمن التام والاهتداء التام إلا لمن لم يلق الله بكبيرة مصرا عليها». فأما إن كان للموحد ذنوب، لم يمت منها، حصل له من الأمن والاهتداء بحسب توحيده، وفاته منه بقدر معصيته. كما قال تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين نصطفين من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾. إذن من أورث الكتاب من أهل الإيمان هم على مراتب. أعلاهم السابقون، ثم المقتصدون، ثم الظالمون لأنفسهم. وسأتي تفسير ذلك. قال رحمه الله: «فالظالم لنفسه هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئاً، فهو تحت مشيئة الله». إن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنبه. ونجاه بتوحيده من الخلود في النار؛ لأنه يدخل تحت عموم قول الله جل وعلا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. قالوا: «وأما المقتصد فهو الذي عمل بما أوجب الله عليه، وترك ما حرم عليه فقط». وهذا حال الأبرار، فهو من الأبرار. قالوا: «وأما السابق فهو الذي حصل له كمال الإيمان باستفراغه وسعه في طاعة الله، علما وعملا». قال: «فهذا - أي المقتصد والسابق - فهذان لهم الأمن التام والاهتداء التام في الدنيا والآخرة». فالكل للكل، والحصة للحصة؛ لأن كمال الإيمان يمنع صاحبه من المعاصي وعقوباتها. كمال الإيمان يمنع صاحبه من المعاصي في الدنيا، وإيمانه الكامل يمنعه من الخوف في الأخرى. قال: «فلم يلق ربه بذنب يعاقب عليه». ما قال تعالى: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾. قال: «وهذا الذي ذكرت في معنى هذه الآية، ومعنى ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وابن القيم رحمه الله في معناها، وهو الذي دل عليه القرآن، وهو قول أهل السنة والجماعة، خلافاً لأهل بدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم». بمعنى: إن أهل السنة والجماعة - بمعنى أن أهل السنة والجماعة - يجعلون الناس على حسب إيمانهم. فالناس عند أهل السنة والجماعة متفاوتون؛ لأن الإيمان عند أهل السنة والجماعة يتفاوت، فهو مراتب. لا كما تقول الوعيدية من المعتزلة والخوارج: من أن الإيمان كتلة واحدة. أو المرجئة من أنه كتلة واحدة، ثم اختلفوا على فريقين. المرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية؛ لماذا؟ لأن عندهم الإيمان كتلة واحدة لا تتجزأ. وفي المقابل: الوعيدية من خوارج ومعتزلة يقولون: لا إيمان مع معصية، لا إيمان مع معصية. وأهل الحق - أهل السنة والجماعة - بين هؤلاء وهؤلاء، فيقولون: بأن من فعل المعاصي لا يعطى الإسم الكامل، أي: الإيمان الكامل الذي يستحق المدح والثناء. ولا يسلب عنه أصل الإسم، بل هو مؤمن بإيمانه، وفاسق بمعصيته. أو هو مؤمن ناقص الإيمان. أو هو مؤمن عاصي. فلا يسلب إسم الإيمان مطلقاً، ولا يعطى الإسم المطلق. وهذا هو الحق الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة. والله تعالى أعلى

شاركنا على