الدرس في كتاب الصيام من بلوغ المرام 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستكمل الشيخ شرح حديث عمار بن ياسر حول صيام يوم الشك، مبيناً درجته الصحية حيث رواه البخاري تعليقاً ووصله الخمسة وصححه الأئمة. كما يوضح اصطلاح الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام بالخمسة والسبعة والأربعة، مؤكداً ثبوت الحديث حكماً.
يشرح المقطع النهي الوارد في حديث عمار عن صيام يوم الشك مؤكداً أنه للتحريم، فمن صامه احتياطاً فقد عصى النبي صلى الله عليه وسلم. ويستفيد جواز ذكر النبي بكنيته أبا القاسم في سياق الإخبار، مشيراً لهدي النبي في إكمال شعبان ثلاثين يوماً.
يفسر الشيخ حديث ابن عمر في صيام رمضان بالرؤية وإكمال العدة ثلاثين يوماً عند الغيم، مبيناً أن معنى فاقدروا له هو إكمال عدة شعبان لا تضييقها. ويرد قول من نسب للإمام أحمد جواز تضييق العدة إلى تسعة وعشرين يوماً مستدلاً بالروايات المفسرة.
يوضح المتحدث عدم صحة القول المنقول عن الإمام أحمد في تضييق العدة، معلناً انتهاء الدرس الحالي. ويعد بمناقشة فوائد الأحاديث في الدرس القادم داعياً المشاهدين للاشتراك في القناة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فتقدم معنا في الدرس الماضي الكلام على الحديث الأول في كتاب الصيام، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه». وذكرنا بعض فوائد هذا الحديث وبعض الأحكام المستنبطة منه. وبقي من فوائده: أن في هذا الحديث القاعدة العظيمة، ألا وهي: الأصل في العبادات التوقيف، الأصل في العبادات التوقيف، إلا أن يرد دليل يدل عليها. ما هو وجه الاستدلال من هذا الحديث؟ الصيام عبادة جليلة وفضله عظيم، ومع هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، فلا يقول قائل: أيش في هذا؟ الصيام عبادة، ما الذي يمنع أن المسلم يتقرب إلى الله ويعجل بالطاعة ويعجل بالصيام فيصوم قبل رمضان عبادة؟ فيقال له: الأصل في العبادات التوقيف، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فمن صام فقد خالف هدي النبي عليه الصلاة والسلام. في هذا الحديث هذه كذلك الفائدة أو المسألة العظيمة. ننتقل إلى الحديث الثاني مما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتاب الصيام. قال: الحديث الثاني عن عمار، عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم». ذكره البخاري تعليقاً، ووصله الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. أولاً: الحكم على هذا الحديث. هذا الحديث كما ذكر رواه البخاري تعليقاً، أي رواه حديثاً معلقاً، والحديث المعلق في اصطلاح أهل الحديث هو أن يسقط المصنف من أول السند راوياً فأكثر، وهو من قسم الحديث الضعيف لجهالة هذا الراوي المحذوف. فالبخاري ذكره في كتابه الصحيح لكنه معلقاً، فليس على شرطه. وقوله: «وصله الخمسة» هذا اصطلاح خاص بالحافظ في كتابه «بلوغ المرام»، فيريد بالخمسة: الإمام أحمد في المسند «مسند الإمام أحمد»، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. هذا المراد بالخمسة. فالحافظ ابن حجر في كتابه «بلوغ المرام» له اصطلاحات خاصة، فقد يقول: «رواه السبعة»، فيراد بالسبعة: الخمسة الذين ذكرنا ويضاف إليهم البخاري ومسلم. فإذا قال: «أخرج السبعة» أو «رواه السبعة»، المراد: مسند الإمام أحمد، صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، جامع الترمذي، سنن النسائي، سنن ابن ماجه. وأيضاً قد يقول: «رواه الأربعة»، فالمراد بالأربعة: السنن الأربعة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. إذا قال: «رواه الأربعة». وقد يقول: «رواه الثلاثة»، فيريد بالثلاثة: أبا داود، والترمذي، والنسائي، مستثنياً أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه. فإذا قال: «رواه الثلاثة» فيريد: أبا داود، والترمذي، والنسائي. فهذا الاصطلاح خاص بالحافظ في كتابه «بلوغ المرام». فقوله: «وصله الخمسة» أي: رووا هذا الحديث موصولاً بالسند المتصل. وقوله: «وصححه ابن خزيمة وابن حبان»، ابن خزيمة وابن حبان ممن عرف بالتساهل في التصحيح، فلذلك لا يعتمد أهل العلم على تصحيحهما، ولكن الحديث قد صححه جماعة من أهل العلم، منهم الإمام الترمذي رحمه الله حيث قال: «حديث عمار حديث صحيح»، وكذلك صححه البيهقي، والعراقي، والحاكم، ووافقه الذهبي، ومن المعاصرين العلامة الألباني عليه رحمة الله. وبعضهم حكم عليه بالوقف، قال: هو موقوف على عمار. ولكن حتى لو كان موقوفاً على عمار فحكمه حكم المرفوع، لماذا؟ لأنه لا يتجاسر الصحابي أن يحكم على شيء بمعصية، بمعصية الرسول عليه الصلاة والسلام، إلا وهو قد سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فعلى هذا فيكون الحديث ثابتاً، وإن كان سنده ظاهره الوقف، لكن حكمه حكم المرفوع، حكم المرفوع. وقوله: «فقد عصى أبا القاسم»، فهذا حكم من الصحابي بالعصيان لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يتجاسر عليه الصحابي إلا وقد سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. معنى الإجمال لهذا الحديث: يخبر عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه أن من صام اليوم الذي يشك فيه، واليوم الذي يشك فيه الصحيح أنه اليوم الثلاثون من شعبان إذا لم تتبين الرؤيا، إما بغيم، وإما بقتر، أو غبرة، أو إلى غير ذلك، فهذا هو يوم الشك. اليوم الذي لا يعلم هل يكون اليوم الأول من رمضان أو اليوم الأخير من شعبان، وسبب عدم المعرفة عدم وضوح الرؤيا، عدم وضوح الرؤيا، فهذا هو الصحيح في يوم الشك. فأخبر عمار أن من صام هذا اليوم احتياطاً وأنه من رمضان فقد عصى أبا القاسم، أي: فقد ارتكب معصية، عصى فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ نهى عن صيام هذا اليوم، إذ نهى عن صيام هذا اليوم. هذا هو المعنى الإجمالي. فقوله: «أبا القاسم» يريد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن كنية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أبا القاسم، كني بأكبر أولاده، فالقاسم هو من زوجته خديجة رضي الله تعالى عنها، وقد توفي، فقيل: توفي قبل البعثة، وقيل: توفي بعدها، فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كني بأبي القاسم. هذا هو المعنى الإجمالي لهذا الحديث. وأما ما يؤخذ من هذا الحديث والفوائد المستنبطة من هذا الحديث: ففي هذا الحديث النهي عن صيام يوم الشك من شهر رمضان، أي: كما تقدم اليوم الثلاثون من شعبان إذا لم تكن الرؤية واضحة لغيم أو قتر أو غبار أو إلى غير ذلك. وظاهر النهي للتحريم، لأن عماراً رضي الله تعالى عنه حكم بالمعصية لمن خالف هذا النهي، لمن خالف هذا النهي، فقال: «فقد عصى أبا القاسم»، فيكون صيام يوم الشك من الأمور المحرمة التي لا يجوز للمسلم أن يرتكبها، فالنهي للتحريم. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: في هذا الحديث من الفوائد جواز ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بغير صفة الرسالة أو النبوة إذا كان من باب الخبر وليس من باب النداء والطلب، وإنما هو من باب الإخبار أو الخبر، فعمار رضي الله تعالى عنه قال: «فقد عصى أبا القاسم»، فهذا من باب الإخبار، فلم يرد رضي الله تعالى عنه النداء، إنما أراد الإخبار، فباب الإخبار أوسع من الطلب، أوسع من الطلب، فلا ينادى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بصيغة الرسالة أو النبوة، كما قال الله عز وجل: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾، فيقال: يا رسول الله، يا نبي الله. وأما في باب الإخبار تخبر عن شيء قاله أو فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا بأس أن تذكر ذلك بالكنية كما فعل عمار رضي الله تعالى عنه. وفي هذا الحديث أيضاً ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في الهدي، في كتابه القيم «زاد المعاد في هدي خير العباد»، فذكر شيئاً من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم، وهو اليوم الذي يشك فيه، فقال رحمه الله تعالى: «وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ألا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محققة»، يعني: برؤية واضحة بينة، «إلا برؤية محققة أو شهادة»، أو شهادة شاهد واحد، كما صام بشهادة ابن عمر، وهذا سيأتي معنا الحديث عند أبي داود بعد عدة أحاديث. قال: «وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره غيم أو سحاب، أكمل عدة شعبان ثلاثين، إذا غم، وكان يفعل ذلك». فهذا فعله، وهذا أمره، فهذا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يؤكد ما ذكرنا من أن ما قاله عمار إنما هو شيء أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى آله وسلم. فهذا هو شيء مما يذكر في فوائد هذا الحديث. وننتقل إلى الحديث الثالث، فقال: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له». ويقال: «فاقدروا له» بكسر الدال وضمها، «فاقدروا له» متفق عليه. ولمسلم: «فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين». وللبخاري: «فأكملوا العدة ثلاثين». وله، أي البخاري، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». لا يحتاج إلى أن يتكلم على درجة هذا الحديث من حيث الصحة، لأن هذه الروايات إما في الصحيحين وإما في أحدهما، وكما تقدم أن الحديث إذا كان في الصحيحين أو في أحدهما فقد بلغ الغاية، فلا يحتاج إلى البحث عن صحته أو ضعفه. أما مفردات هذا الحديث: فقوله: «فإن غم عليكم» أو «فإن أغمي عليكم»، أي: غطي الهلال وستر عنكم، غطي وستر عنكم. وهذا الاستتار إما كما تقدم أن يكون بغيم، أو قتر، أو غبرة، أو إلى غير ذلك. فإذا حال بينكم وبين رؤية الهلال شيء فأكملوا العدة ثلاثين. والروايات يفسر بعضها بعضاً. فقوله: «فاقدروا له»، أي: كما جاء شرحه، أو كما جاء تفسيره عن بعض شراح هذا الحديث، بالضم أو بالكسر، أي: قدروا عدد الشهر وأكملوا شعبان ثلاثين يوماً، هذا هو المراد. «فاقدروا له» أي: قدروا عدد الشهر. فالشهر العربي إما أن يكون تسعة وعشرين يوماً، ولا نجزم بذلك إلا بثلاثة أمور، لا نجزم بأن الشهر تسعة وعشرين إلا بإحدى ثلاثة أمور: إما برؤية الهلال أن نرى الهلال، وإما بشهادة عدل، وإما بشهادة عدل يأتي شاهد ويقول: أنا رأيت الهلال، وإن لم يره جميع الناس، فقط هو الذي رآه لظهور المطلع الذي رأى منه، أو لقوة نظره، أو إلى غير ذلك، فسيأتي معنا أنه يقبل قوله، هذا نحكم على أن الشهر قد خرج تسعة وعشرين يوماً. وأما إذا لم يكن شيء من ذلك فيكون بإتمام، وهذا هو الأمر الثالث: بإتمام العدة ثلاثين. فهذا معنى قوله: «فاقدروا له»، أي: قدروا عدد الشهر وأكملوا شعبان ثلاثين يوماً. فالروايات يفسر بعضها بعضاً. فمعنى «فاقدروا له» أي: أكملوا عدة شعبان. من أين أخذنا هذا؟ من رواية البخاري: «فأكملوا العدة ثلاثين»، وفي رواية: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». وهذه من فوائد جمع طرق الحديث، الحديث إذا جمعت طرقه تبين وظهر المعنى المراد منه، فلما جمعت لنا هذه الروايات علمنا ما المراد بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فاقدروا له». لماذا نحن نقول هذا؟ لأن هناك مذهباً ينقل عن الإمام أحمد، ونصره بعض الحنابلة، أن المراد بقوله: «فاقدروا له» أي: ضيقوا عليه، ضيقوا عليه، من قوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، أي: من ضيق عليه رزقه وصار لا مال له، فإنه ينفق على قدر استطاعته. فقالوا: معنى «فاقدروا له» أي: ضيقوا عدة شعبان، فاجعلوها تسعة وعشرين. فقالوا: فإذا يجب صيام، يجب صيام الثلاثين عند عدم وضوح الرؤية، عند عدم وضوح الرؤية. فهذا القول معناه أن اليوم الذي يشك فيه يجب عندهم صيامه، يجب عندهم صيامه، لأنهم فهموا من قوله: «فاقدروا له» أي: ضيقوا العدة، فاجعلوه تسعة وعشرين. وهذا القول غير صحيح، لأن الرواية الأخرى ترده، الروايات الأخرى ترده، فقد جاءت في الروايات الأخرى: «فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»، وفي رواية: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، فالمراد: «فاقدروا له» أي: أكملوا العدة، والروايات يفسر بعضها بعضاً. وأما ما نقل من ذلك القول عن الإمام أحمد فهو قول غير صحيح، فهو قول غير صحيح. طيب، نكتفي بذكر هذه المفردات، وفي الدرس القادم نأخذ ما يتيسر من فوائد هذه الأحاديث. فنكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة.