كتاب الصيام من بلوغ المرام  13

كتاب الصيام من بلوغ المرام 13

الدرس في كتاب الصيام من بلوغ المرام 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكم من أفطر ناسياً في رمضان وتفصيل أقوال العلماء في الجماع ناسياً

يشرح حديث أبي هريرة المتفق عليه: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه»، مبيناً أن النسيان لا يفسد الصوم بل هو رزق من الله، ويستعرض أقوال العلماء فيمن جامع ناسياً؛ فجمهورهم على عدم القضاء والكفارة لعموم رواية الحاكم، بينما ذهب الإمام أحمد إلى وجوب القضاء والكفارة قياساً على حديث المجامع عامداً.

أحكام النسيان في الأكل والشرب والقيء للصائم

من أكل أو شرب ناسياً في رمضان لا قضاء عليه ولا كفارة، ويجب على من رآه تذكيره لأن ذلك من النهي عن المنكر. كما أن ما دخل الجوف بغير عمد كالماء في الغسل أو المضمضة أو النخامة لا يفطر. أما القيء فمن ذرعه (غلبه) فلا قضاء، ومن استقاء عامداً فعليه القضاء، مع اختلاف في صحة الحديث الوارد في ذلك.

حكم تعمد القيء والإكراه على الفطر في الصوم

يناقش المقطع خلاف العلماء في إفطار من تعمد القيء، فمن صحح الحديث أوجب القضاء مطلقاً، ومن ضعفه فصل بين من ضعف به فأفطر أو رجع القيء إلى بطنه وبين من لم يحصل له ذلك. كما يبين أن الإكراه على الفطر لا يفسد الصوم، مستدلاً بقوله صلى الله عليه وسلم «من ذرعه القيء»، ويرد فتوى جواز الفطر لأصحاب الأعمال الشاقة لانتفاء الإكراه الحقيقي.

خاتمة الدرس وإعلان انتهاء الجلسة

يُعلن المتحدث عن انتهاء الجلسة أو الدرس الحالي، مكتفياً بما تم طرحه، ومفوضاً العلم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه "بلوغ المرام" في كتاب الصيام، وهو الحديث التاسع عشر: قال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». متفق عليه. وللحاكم: «من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة». درجة الحديث: الرواية الأولى كما سمعت متفق عليها في البخاري ومسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». وأما رواية الحاكم فهي كذلك رواية صحيحة، حسنها العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في "صحيح الجامع" برقم سبعين وستة آلاف، فهي رواية صحيحة، وهي أعم من حديث أبي هريرة: «من أفطر في رمضان» فيشمل جميع المفطرات من أكل وشرب وكذلك جماع وإلى غير ذلك، وهذا سيأتي معنا إن شاء الله في فوائد هذا الحديث. مفردات الحديث: قوله «فليتم صومه» أي: أن يستمر في صومه ولا يعد مفطرا؛ لأنه أكل من غير اختياره ومن غير تعمد ومن غير تذكر، بل هو ناس. فمن نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، أن يستمر في صومه ولا يقطعه، ولا يكون مفطرا. وقوله: «فإنما أطعمه الله وسقاه» أي: أن الله عز وجل من لطفه أن يسر له هذه الأكلة أو هذه الشربة حين أن أنساه الصيام أنه صائم، فصار هذا الرزق المباح مسوقا من الله تعالى، فهذا معنى قوله: «فإنما أطعمه الله وسقاه». والحديث فيه فوائد: فإن حديث أبي هريرة له منطوق وله مفهوم. فمنطوقه: أن من نسي فأكل أو شرب وهو صائم فإنه يستمر في صومه، فلا يفسد صومه ولا يفطر بذلك، ويؤيد هذا عموم الأدلة كقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾، والنسيان ليس من كسب القلب، النسيان ليس من كسب القلب. فهذا هو منطوق هذا الحديث. وأما مفهومه: مفهوم هذا الحديث فيه أن الأكل والشرب من العامد الذاكر يفطر الصائم، يفطر الصائم ويفسد الصيام بذلك. وقد تقدم معنا في الدرس الماضي أن هذا بإجماع العلماء: أن من أكل أو شرب وهو ذاكر عامد فإنه يفطر بذلك، يفطر بذلك. وإذا أفطر عامدا فهل عليه القضاء؟ بعض أهل العلم ذكر أنه ليس عليه القضاء، لماذا قال؟ لأنه تعمد ذلك، بل عليه الإثم، فتجب عليه التوبة ويجب عليه الرجوع إلى الله عز وجل وكثرة الاستغفار، وكثرة الاستغفار، ولا يقبل منه الصوم لأنه تعمد ذلك. وممن رجح هذا العلامة الألباني عليه رحمة الله كما في كتابه "تمام المنة". وهذا فيه الزجر الشديد للإفطار متعمدا. أن الله عز وجل... التعمد في الإفطار أو النسيان في الإفطار لا يقتصر على الطعام والشراب، وإنما ذكر الطعام والشراب في رواية الصحيحين لأن ذلك من باب الغالب، فالغالب على المفطر ناسيا أن يفطر بالأكل أو الشرب، بالأكل أو الشرب. فلذلك أدخل بعض أهل العلم الجماع ناسيا إذا كان قد تحقق ذلك، وإلا فبعض أهل العلم يقول: لا يتصور أن يكون نسيان في الجماع، فإذا نسي الرجل فلا تنسى المرأة فتذكره. ولكن إن وقع هذا، وإنما الأعمال بالنيات، فنسي وتوافق نسيان الرجل مع المرأة، فهنا هل يلزم ذلك المجامع شيئا؟ شيئا هنا خلاف بين أهل العلم: فمنهم من قال لا يلزمه شيء لعموم رواية الحاكم: «من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة». فهذا الحديث لم يقيد بالطعام والشراب بل أطلق الإفطار، فيشمل كل مفطر، يشمل كل مفطر. ومن أهل العلم وهي رواية عن الإمام أحمد أنه قال: إنما يلزمه القضاء والكفارة المجامع وإن كان ناسيا، وإن كان ناسيا. ما هو دليله؟ دليله فيما سيأتي معنا إن شاء الله: حديث أبي هريرة، حديث المجامع في نهار رمضان، فقال الإمام أحمد: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يستفصل هذا الرجل، لم يقل له: هل جامعت ذاكرا رمضان أو ناسيا؟ فدل ذلك على عموم الحديث. ولكن عمومي رواية الحاكم أعم: «من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة»، فهي الأقرب والله تعالى أعلم. إن يتصور ذلك، وإنما الأعمال بالنيات. وفي حديث أبي هريرة، أو في حديث أو رواية الحاكم أيضا فائدة أخرى: وهي أن من أكل أو شرب ناسيا لا قضاء عليه ولا كفارة، ما عليه شيء، لا يتصدق بشيء ولا يقضي ذلك اليوم الذي أكل فيه، فقوله: «فلا قضاء عليه ولا كفارة» يفيد ذلك. بقي مسألة أخرى تتعلق بهذا الحديث: وهي إذا أكل الصائم ناسيا في نهار رمضان فرآه آخر، رآه إنسان آخر وهو يأكل أو يشرب، هل يذكره؟ هل يمنعه من أن يأكل أو يشرب بقوله: إنك صائم؟ أو يجعله يستمر: «فإنما أطعمه الله وسقاه»؟ لا، لا يجعله يستمر، بل يذكره، بل يذكره؛ لأن ذلك من النهي عن المنكر، فهذا منكر. فإذا رأيت أحدا يأكل أو يشرب في نهار رمضان بالنسبة للرأي منكر، لكن بالنسبة للناس لا شيء في ذلك، لكن طالما أنك رأيته فيجب عليك الإنكار، فتذكره: يا أخي لعلك ناس، أنت صائم لا تأكل، أو تقول له: أنت صائم، حتى يمتنع، حتى يمتنع عن الأكل والشرب. والنسيان في الأكل والشرب في رمضان واقع، خصوصا في الأيام الأول من هذا الشهر، فإن الإنسان قد اعتاد على الأكل والشرب في الأشهر التي قبل رمضان، فلربما ينسى، خصوصا في الأيام الأولى من هذا الشهر. فلذلك من رحمة الله عز وجل أنه لم يؤاخذهم على النسيان: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. وهذه قاعدة جليلة في الصيام ينبغي على الصائم أن يجعل لها جميع النظائر التي مثلها. فمثلا: قد يسأل البعض، إنسان اغتسل في نهار رمضان فبغير إرادته دخل شيء من الماء إلى جوفه، فهل عليه شيء؟ لا، ليس عليه شيء؛ لأنه لم يتعمد ذلك. إنسان أراد أن يخرج النخام من فمه فغلبته فدخلت إلى جوفه، فهل عليه شيء؟ لا، ليس عليه شيء، ليس عليه شيء؛ لأنه لم يتعمد ذلك. إنسان يتوضأ فتمضمض، مضى فجاءته مثلا كحة أو إلى غير ذلك فدخل شيء من الماء إلى جوفه من غير عمد، فهل عليه شيء؟ ليس عليه شيء. وقس على هذا كل ما كان من غير النسيان، يعني كل ما كان من غير العمد، فإنه لا يفطر به الصائم، لا يفطر به الصائم، وإنما يفطر بالأكل والشرب عمدا. والله يعلم العامد من الناس، لا تقول: أنا لست متعمدا وأنت متعمد، أو أنا ناسي وأنت لست بناسي، فإن كذبت على الخلق وكذبت على نفسك فإن الله عز وجل يعلم أنك كاذب، فالله عز وجل يعلم بما يعمل العباد. قال: الحديث العشرون: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء». رواه الخمسة، وأعله أحمد، وقواه الدارقطني. درجة هذا الحديث: هذا الحديث مختلف فيه كما نبه على ذلك الحافظ، فبعضهم صحح هذا الحديث، وبعضهم أعله كالإمام أحمد، وكذلك ممن نقل عنه إعلاله لهذا الحديث أو إعلاله لهذا الحديث الإمام البخاري رحمه الله تعالى، فقد قال: لا أراه محفوظا، لا أراه محفوظا. وشيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "أحاديث معلة ظاهرها الصحة" يضعف هذا الحديث ويعلّه، ويعلّه. فكما رأيت هؤلاء الأئمة على ضعف هذا الحديث. ونقل بعضهم الإجماع على أن من تعمد القيء فإنه يفطر، فإنه يفطر اعتمادًا على هذا الحديث. «ومن ذرعه القيء» أي: سبقه وغلبه وقهره، يعني خرج من غير إرادته، خرج القيء من غير إرادته. والقيء هي ما تقذفه المعدة، كما هو معلوم، كما هو معلوم. فالتفصيل على أن من خرج القيء من بطنه من غير تعمد فلا شيء عليه، ومن تعمد ذلك فعليه القضاء. فمن قال بهذا التفصيل اعتمادًا على هذا الحديث، ومعنى «ومن استقاء» أي: طلب إخراج القيء تعمد ذلك، تعمد ذلك فأخرجه باختياره، كأن يضع أصبعه أو يشم بعض الروائح التي تهيج القيء وخروج ما في المعدة أو إلى غير ذلك. فهذا هو معنى الحديث. وكما سمعت أن الحديث مختلف فيه، فمن ذهب إلى التفصيل فإنه اعتمادًا على هذا الحديث، وبعضهم كما سمعت نقل الإجماع على هذا التفصيل، نقل الإجماع على هذا التفصيل. ولكن هذا الإجماع لا يثبت، فإنه قد خالف بعض أهل العلم في هذه المسألة، وقال: إن من استقاء فليس مطلقًا عليه القضاء، بل المسألة فيها تفصيل. لأنهم قالوا: من صحح الحديث قال: إن السبب في قضاء من تعمد القيء لأن خروج القيء من بطنه فيه ضعف، فيه ضعف للمتقي، ضعف للمتقي، والشرع يحرص على أن يكون المسلم بعيدًا عن إنهاك نفسه وعن إتعاب نفسه، فالصوم يضعفه، فهو ربما إذا استقاء أتى بمضعف آخر له، ألا وهو خروج ما في بطنه، فلذلك جاء أن من استقاء فعليه القضاء. فالمهم: من ذهب إلى ضعف الحديث فصل فيمن تعمد القيء، فيمن تعمد القيء، فقالوا: إن كان هذا التعمد سببا في إفطاره فعليه القضاء. وكيف يكون سببا في إفطاره؟ إما بضعفه ثم بعد ذلك يفطر بأكل أو شرب، وإما برجوع شيء من هذا القيء إلى البطن، فإنه ربما عند خروج هذا القيء يرجع شيء من هذا القيء إلى بطنه، فإذا رجع شيء فإنه يفطر بذلك. أما إذا لم يرجع شيء ولم يفطر بسبب الضعف، بسبب الضعف، فإنه لا يفطر، فإنه لا يفطر لضعف الحديث وإعلاله، وإعلال الحديث. وربما بعضهم يستغرب: كيف الإنسان يتعمد القيء؟ كيف يتعمد القيء؟ فلربما يتعمد القيء من أجل أن يفطر، من أجل أن يفطر، فهذا لا يجوز، فهذا لا يجوز. إذا لم يكن هناك أمر آخر للاستقاء، كأن يكون مثلا مريض، فهذا يفطر للمرض، لا داعي إلى أن يتعمد القيء. أو كذلك يكون عنده ألم أو إلى غير ذلك من الأمور التي يحتاج فيها إلى الاستقاء، فهنا يفطر لكونه مريضا. أما يتعمد بدون سبب، فربما يكون فعله ذلك من أجل أن يفطر. فالمهم: هذا هو خلاف العلماء في هذا الحديث. ففي الحديث، فيمن صححه: أن القيء من العامد المختار يفطر الصائم ويفسد الصيام مطلقا. وكما تقدم أن بعضهم نقل الإجماع على هذا، ولكن الإجماع منتقض لأن بعضهم قد ضعف الحديث. وهو استدل أيضا، استدل من هذا الحديث بأن الإكراه على الفطر لا يقع به إفطار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ذرعه القيء» يعني غلبه، وهنا مضطر، مضطر إلى أن يخرج منه هذا القيء، فهو في حكم المكره. فالمكره على الفطر فإنه لا يقع به إفطار. مثلا: إنسان صائم فأضطره أحد الناس إلى أن يفطر، إلى أن يفطر، كأن مثلا جعله يعمل عملا شاقا، فعمل عمل وهو صائم حتى كاد أن يهلك، وكاد أن ربما يموت، فهنا مضطر، فله أن يفطر، فله أن يفطر لأنه مضطر إلى ذلك. بخلاف الفتوى التي ذكرها بعضهم وهي فتوى غير صحيحة، أنه أجاز لأصحاب الأعمال الشاقة أن يفطروا، فهذا غير صحيح، هذا غير صحيح. لماذا؟ لأن صاحب العمل العمل في يده، من الذي اضطره إلى ذلك؟ يقول لك: إنسان محتاج إلى المال وعمله في أعمال شاقة، فقال: لا بأس يفطر ويعمل لأنه مضطر إلى ذلك. لا، هذا ليس فيه اضطرار. الإضطرار هو الذي يصل إلى حد المرض أو الهلاك، إلى حد المرض أو الهلاك. أما أن يفطر من أجل أن يعمل في دنياه بحجة أن عمله شاق، فهذه فتوى أنكرها أهل العلم، أنكرها أهل العلم. وإنما المضطر الذي يعني أجبر على هذا العمل، ليس هو مختار، إنما أجبر من غيره، وإن لم يفعل هذا العمل ربما قتل أو ضرب أو أوذي، فهنا له أن يفطر وإثمه على من أجبره واضطره. أما أن يكون مختارا فهذا ليس فيه اضطرار، هذا ليس فيه اضطرار. وفي هذا الحديث كذلك دليل على ما مر في حديث أبي هريرة: أنه من لم يقصد ولم يتعمد الإفطار فأتى بمفطر من غير قصد ولا تعمد فلا شيء عليه، لعموم الأدلة من القرآن والسنة، ومنها كذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وما استكرهوا عليه. فجمع هنا بين النسيان والإكراه، فدل هذا الحديث على أن الإكراه في الإفطار لا شيء على صاحبه، وأن النسيان في الإفطار كذلك لا شيء على صاحبه. وقد تقدم في حديث أبي هريرة شيء من هذا المعنى، ولذلك جمعنا بين الحديثين لأن معناهما متقارب. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.