كتاب الصيام من بلوغ المرام  1

كتاب الصيام من بلوغ المرام 1

الدرس في كتاب الصيام من بلوغ المرام 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة كتاب الصيام وتعريف الصيام لغة واصطلاحاً

يستهل الشيخ الدرس بكتاب الصيام من بلوغ المرام لقرب رمضان وأهمية مذاكرة العلم، موضحاً الفرق بين الصيام لغةً واصطلاحاً. ويبين أن الصيام فُرض في السنة الثانية للهجرة فصام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة رمضانات.

تسمية رمضان وحكم تقدم صيامه بيوم أو يومين

يشرح الشيخ تسمية شهر رمضان مشتقة من الرمضة لشدة حر الجوع، ثم يبين حديث النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا لمن له عادة. ويذكر خلاف العلماء في كون النهي للتحريم أو الكراهة والحكمة منه.

الحكمة من النهي عن تقدم رمضان واختلاف العلماء في صيام نصف شعبان

يذكر الشيخ الحكمة الثانية وهي تعليق الصيام برؤية الهلال، والثالثة كراهية التنطع في الدين. ويناقش قول الشافعية بمنع الصيام من نصف شعبان وضعف الحديث المستند إليه.

ختام الدرس والإشارة لاستكمال الفوائد في الدرس القادم

يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى الأخذ برأي علماء الحديث في مسألة صيام نصف شعبان. ويذكر أن هناك فوائد أخرى متعلقة بالحديث سيتم استكمالها في الدرس القادم إن شاء الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فكما أعلنا أن في هذا اليوم، ويوم الأحد والإثنين، مثل هذا الوقت سنتذاكر إن شاء الله تعالى بعض الأحاديث الواردة في كتاب "بلوغ المرام" في كتاب الصيام. وكان اختيار هذا الكتاب لأمرين اثنين: الأمر الأول، لقرب شهر الصيام شهر رمضان، فإن مما يستقبل به هذا الشهر التفقه في أحكامه، فهذا معنى من معاني كيف يستقبل رمضان: أن يتذاكر وأن يتدارس أهل الإسلام أحكام الصيام وما يتعلق بهذا الشهر. وأما المعنى الثاني أو السبب الثاني، فهو من باب تذاكر العلم، فإن العلم كما قال أحد السلف: "حياة العلم مذاكرته". فلربما مرت بنا مثل هذه المسائل قبل سنة، أو بعض هذه المسائل قبل سنة، وتعلمون أن الإنسان عرضة للنسيان والغفلة، فبالقراءة في مثل هذا الكتاب تذكر للعلم للمدرس، ولي كذلك الطالب، فالكل يستفيد ويراجع معلوماته، وهكذا يحقق المسائل التي يحتاج إليها. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه "بلوغ المرام من أدلة الأحكام": "كتاب الصيام". عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه». متفق عليه، أي: رواه البخاري ومسلم. فقوله رحمه الله: "كتاب الصيام"، "كتاب" بمعنى "مكتوب"، فكثيراً ما يأتي وزن "فعال" على صيغة "مفعول"، فكتاب بمعنى مكتوب، ولباس بمعنى ملبوس، وكذلك غير ذلك من الأوزان. فمعنى "كتاب" هنا: مكتوب، أي هذا مكتوب في الصيام. وأما الصيام فهو في اللغة مجرد الإمساك، ففي اللغة معناه أوسع من المعنى الاصطلاحي. فالصيام في المعنى اللغوي معناه مجرد الإمساك، سواء كان هذا الإمساك عن طعام، أو عن شراب، أو عن كلام، أو عن أي شيء، فيقال: فلان صائم. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً﴾ [مريم: 26]، أي: لا أتكلم. فهنا الصيام أتى بمعنى الإمساك عن الكلام، فيقال للساكت: صائم. ومنه قول الشاعر: "خيل صيام وخيل غير صائمة". فالصيام في اللغة هو مجرد الإمساك. وأما في الاصطلاح فهو الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات مع النية، لا بد من هذا القيد: مع النية، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. هذا هو التعريف الجامع المانع لمعنى الصيام في الاصطلاح: هو الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات مع النية، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. إلى غروب الشمس. وهنا نبدأ عن الصيام من حيث أولاً: فرضية الصيام. فإن الصيام لم يفرض في المرحلة المكية، إنما فرض في بداية المرحلة المدنية. ففرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة، فرض الصيام في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فصام النبي عليه الصلاة والسلام تسعة رمضانات، وهذا إجماعاً. صام عليه الصلاة والسلام تسعة رمضانات لأنه توفي عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة من الهجرة، وفرض في السنة الثانية من الهجرة. فذكر أهل العلم أن النبي عليه الصلاة والسلام صام تسعة رمضانات. وكذلك يقال "رمضان"، لأنه قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين»، يعني: ذكر حديث أبي هريرة. وهذا من دقة ترتيب المؤلف رحمه الله تعالى، فإنه في هذا الكتاب "كتاب الصيام" رتب الأحاديث على حسب ما يكون في أول هذا الصيام من أحكام. فلما جاء هذا الحديث في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، ناسب أن يذكره أولاً قبل الرؤية (رؤية الهلال) وقبل النية، لأنه مناسب جداً أن يذكر في مثل هذا الموضع. فقوله: «لا تقدموا رمضان»، "لا" هنا ناهية، وأصلها "لا تتقدم" لأن من الفعل "تقدم"، وهذا يجوز في اللغة حذف إحدى التائين والاكتفاء بتاء واحدة للتخفيف، وهذا كثير في القرآن والسنة. وأما قوله: "رمضان"، سمي رمضان، قيل: من "رمضة"، فهو مصدر "رمضة"، ومعنى "رمضة": أي إذا احترق، مشتق من الرمضة، والرمضة هي الأرض الحارة التي لا يستطيع ربما الإنسان أن يمشي عليها. فسمي شهر الصيام برمضان، قيل: لارتماضهم فيه، ومعنى ارتماضهم فيه: أي لما يلاقون فيه من حر الجوع، ومن مقاسات شدة الصيام في شدة الحر، فلذلك سمي برمضان من "رمضة" أي إذا احترق. وقوله: «بصوم يوم ولا يومين»، هذا النهي فيه ذكر يوم أو يومين، ولم يذكر أكثر من ذلك. قالوا: لأن الغالب في من يقصد ذلك أن يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. فالمعنى الإجمالي للحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا لمن كانت له عادة، «إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه»، «كان يصوم صوماً فليصمه». مثلاً: إنسان قد اعتاد صيام الإثنين والخميس، فصادف أن جاء يوم الإثنين قبل رمضان بيوم أو يومين، فهذا يرخص له في الصيام، بأن له عادة، له عادة يصوم في هذا اليوم، فهنا مستثنى من هذا النهي، مستثنى من هذا النهي. هذا هو المعنى الإجمالي لهذا الحديث. وإن شاء الله طريقة شرحنا لهذا الكتاب: أولاً، إن كان ليس في الصحيحين نذكر كلام المحدثين في حكمهم لهذا الحديث. وهذا الحديث الأول الذي بين أيدينا في الصحيحين، فلا يحتاج إلى بحث، فإن كان في الصحيحين أو في أحدهما اكتفينا بذلك، لأن ما فيهما قد أجمعت الأمة على قبوله إلا أحرف يسيرة، ثم هو معلوم. وإذا كان في غير الصحيحين ذكرنا كلام أهل العلم في هذا الحديث من حيث الصحة أو الضعف. والأمر الثاني في شرحنا لهذه الأحاديث: أن نذكر المعنى الإجمالي وألفاظ هذا الحديث وشرح ألفاظ هذا الحديث. والأمر الثالث: نأخذ الفوائد والأحكام من هذا الحديث. هذه هي إن شاء الله طريقتنا التي سنمشي عليها في شرحنا لهذه الأحاديث. فنأخذ بعض فوائد هذا الحديث: أولاً، من فوائد هذا الحديث: النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. واختلف أهل العلم: هل هذا النهي للتحريم أو للكراهة؟ على قولين: فمنهم من ذهب أن النهي للتحريم، لأن الأصل في النهي التحريم إلا لصارف، ولم يوجد عندهم صارف، فقالوا بأن النهي للتحريم، فمن صام قبل رمضان بيوم أو يومين وليست له عادة فيحرم عليه ذلك، هذا قول. وقول آخر لبعض أهل العلم: أن النهي للكراهة، وقالوا: الصارف لهذا النهي من التحريم إلى الكراهة الاستثناء، فكون النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه»، دل ذلك على أن هذا النهي لا يراد منه التحريم، إذ لو كان المراد منه التحريم لحرم على الجميع. والأقرب والله أعلم: القول الأول، لأن الاستثناء خاص بطائفة من الناس لهم عادة، أما الذي ليست له عادة فالأصل في حقه أن النهي للتحريم، والله تعالى أعلم. فمن لم تكن له عادة في صيام اثنين أو خميس، أو يصوم يوم ويفطر يوم، فهذا في حقه يكون الصوم للتحريم إذا صام هذه الأيام، للتحريم، والله تعالى أعلم. الفائدة الثانية: البحث عن الحكمة في هذا النهي. فقد ذكر أهل العلم حكم ثلاث لهذا النهي. وكما تقدم في درس العصر: أن المسلم الأصل أن يستسلم للأحكام الشرعية، ولا يدخل عقله فيها، ولا يشترط وجود الحكمة في هذه الأحكام الشرعية، هذا هو الأصل. ولكن إن وجدت الحكمة فهذا زيادة علم وزيادة إيمان. فأهل العلم ذكروا حكم ثلاث لهذا النهي: الحكمة الأولى: قالوا: أن النهي عن تقدم صيام رمضان بيوم أو يومين تمييز فرائض العبادات عن نوافلها، من أجل أن تتميز العبادات عن النوافل، لأن هذه النافلة ستكون قرب الفريضة، فمن أجل هذا جاء النهي كي يستعد المسلم لصوم رمضان بنشاط ورغبة، فلذلك نهي عن أن يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. هذا أمر أو حكمة من هذه الحكم. الحكمة الثانية: رجحها ابن حجر، أن الحكمة من هذا النهي هي أن حكم الصيام معلق برؤية الهلال، كما سيأتي معنا: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». قال: فمن تقدمه بصوم يوم أو يومين فقد حاول الطعن في هذا الحكم، كأنه يعترض على هذا الحكم، يقول: لا، أنا سأصوم ولو لم... يعني: أرى الهلال. فمن أجل هذا جاء النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، هذا السبب. وحكمة ثالثة ذكرها بعض أهل العلم: أن النهي كراهية التنطع في الدين وتجاوز الحدود التي فرضها الله، لأن البعض ربما يصوم ويتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين احتياطاً، فهذا الاحتياط في الحقيقة هو تنطع وغلو وتجاوز وتجاوز، ولذلك نهى الشرع عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. ومن فوائد هذا الحديث: أنه إنما اقتصر على صيام يوم أو يومين، لأن الغالب فيما يقصد ذلك أن يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. وذهب الشافعية إلى أن المنع من تقدم رمضان يكون من أول السادس عشر من شعبان، يعني: إذا انتصف شعبان، واعتمدوا على حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا»، «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا». فاعتمدوا على هذا الحديث، وقالوا: لا ينهى المسلم عن تقدم رمضان من السادس عشر من شعبان، يعني: إذا انتصف شعبان، اعتماداً على هذا الحديث. وهذا الحديث قد اختلف فيه أهل العلم: أولاً من حيث الصحة والضعف، وثانياً من حيث توجيهه. فأولاً: من حيث الصحة والضعف، فهذا الحديث: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا»، صححه جماعة من أهل العلم، فمنهم من المعاصرين: العلامة الألباني، وكذلك الشيخ ابن باز، وأحمد شاكر، وغيرهم من العلماء صححوا هذا الحديث، لأن رجاله ممن يحتج بهم. وأكثر أهل العلم، خصوصاً المتقدمين من أهل الحديث، على ضعف هذا الحديث، قالوا: لأنه من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، وتفرد العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة بهذا الحديث، ولم يرو أصحاب أبي هريرة هذا الحديث مع إفادته هذا الحكم العظيم الشرعي الذي يتعلق بنهي من النواهي، فحكموا على هذا الحديث بالضعف، بانفراد العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة. وممن حكم على هذا الحديث بالضعف: الإمام أحمد، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو زرعة، وابن معين، وأبو داود. وفيما أذكر أن شيخنا الوادعي رحمه الله كان يضعف هذا الحديث، وكذلك الإمام الذهبي، وابن رجب، وجماعة من أهل العلم على ضعف هذا الحديث، على ضعف هذا الحديث. والذين قالوا بصحة هذا الحديث وجهوه بنفس توجيه حديث أبي هريرة، حديث الباب: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين»، فقالوا: النهي في حق من لم تكن له عادة، لأن جاءت في الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح البخاري من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصوم شهراً كاملاً إلا شهر رمضان، وكان أكثر ما يصوم شهر شعبان، شهر شعبان، ورغب في الصيام في شهر شعبان، وجاءت علة في ذلك: لأن الناس يغفلون عنه. فقالوا: هذا النهي في حق من لم تكن له عادة، أنه دائماً يصوم أكثر شعبان، أو يصوم الإثنين والخميس، أو يصوم يوم ويفطر يوم، فمن لم تكن له مثل هذه العادات فالنهي خاص به، على صحة هذا الحديث، ومن يقول به. ومن ضعف الحديث قال: هذا الحديث لا يعمل به، ثم هو معارض لحديث أبي هريرة، ففي حديث أبي هريرة النهي عن صيام تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وهذا فيه النهي عن صيام نصف شعبان. فالمهم: هذا الحديث فيه كلام بين أهل العلم، ومن مضعف ومصحح، والأقرب الله أعلم أن هذا الحديث لا يصح، لأن جهابذة هذا الفن من العلماء المتقدمين قد حكموا عليه بالعلة والضعف، منهم الإمام أحمد كما تقدم، وحسبك به في علم الحديث، ومنهم عبد الرحمن بن مهدي، وأبو زرعة، وغيرهم. فالأقرب الله أعلم الأخذ بقول هؤلاء الجهابذة من جهابذة الحديث. هذا أيضاً مما يستفاد من هذا الحديث. وبقيت فوائد يسيرة تتعلق بهذا الحديث، لكن الوقت قد داهمنا، فإن شاء الله نكتفي بما أخذنا، ونكمل ما بقي في الدرس القادم. وإلى هنا والله تعالى أعلم. شكراً.