الدرس في التعليق على منظومة الزمزمي 42، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل مسألة تخصيص القرآن للسنة النبوية، حيث يشرح المؤلف كيف يمكن للقرآن أن يخصص أحكامًا عامة في السنة. يُظهر المقطع خلافًا بين العلماء حول جواز هذا التخصيص.
يقدم هذا الفصل أمثلة على تخصيص القرآن للسنة النبوية، مثل تخصيص آية الأصواف لحديث ما قطع من بهيمة وهو حي، وتخصيص الصلاة المكتوبة من عموم النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة.
يتناول هذا الفصل تفسير ابن كثير لآية معينة ويعتبره تفسيرا حسنا، ويتمنى له الرحمة، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: الخامس ما خص به من السنة. قال: وعز لم يوجد سوى أربعة كآية الأصواف أو كالجزية والصلوات حافظوا عليها والعاملين ضمها إليها. حديث ما أبين في أولاها خص، وأيضًا خص ما تلاها. لقوله أمرت أن أقاتل من لم يكن لما أردت قابلاً. وخصت الباقية النهي عن حل الصلاة والزكاة للغني. هذا الباب هو الباب الخامس مما تعالى من الأحكام ما خص به من السنة. وهذا الباب عكس الباب الذي سبق، الباب السابق كان الكلام حول كيف أن السنة تخصص القرآن. كان الكلام في الدرس الماضي عن هذا: كيف أن السنة تخصص القرآن. هذا الباب عكس، وكيف أن القرآن يخصص السنة، بمعنى أن يأتي من السنة ما فيه الألفاظ عامة، ثم يأتي القرآن بحكم خاص فيخصص هذا العموم في السنة. قال رحمه الله تعالى: ما خص به من السنة. وهذا الباب مما وقع فيه الخلاف، هل هذا حاصل؟ هل يمكن أن تأتي السنة بعمومها ثم يأتي التخصيص من القرآن؟ مذهب الكثير من العلماء على جواز ذلك، وعلى حصوله، وعلى وقوعه. وما هنالك شيء يمنع. وكان من أعظم استدلالاته في قول ربنا عز وجل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ تبيانًا لكل شيء، فالقرآن بيان وإضاح. لماذا؟ لكل، وكل من الألفاظ العموم ما أفرادها؟ شيء، كل ما يكون شيء من شيء، فإن القرآن والكتاب يبينه. ومن هذه الأشياء السنة، فالسنة تعتبر شيء من الأشياء التي يأتي القرآن ويبينها. ومن تبيين القرآن للسنة مسألة التخصيص. أدل كثيرًا هذا ليس مقامها، لكن الشاهد أن جماعة من الفقهاء استبعدوا ذلك، استبعدوا ذلك، قالوا: إن القرآن لا يخصص السنة. ومن ما استدلوا به وهو مسألة يرون أنها كافية في المنع، وهو أنهم أرادوا أن يدفعوا الإيهام الذي قد ينقض في أذهان الناس. ما هو الوهم؟ الوهم الذي سيقع في أذهان الناس أنهم إذا سمعوا أن السنة عامة وجاء القرآن في تخصيص السنة، قالوا: هذه الصورة لربما إذا ارتسمت في الأذهان ستظهر لك أن السنة هي الأعلى وهي القمة وهي الأصل، وأن القرآن دون ويأتي ويخصص السنة، كأن القرآن فرع يقوم ببعض مهام السنة. فيقول: هذا إذا فتحنا هذا المجال سيوهم، سيقول عند الناس هذا الظن أن القرآن السنة هي الأصل وهي الأم وهي الشيء الأكبر، وأن التخصيص للقرآن لأنه دون. وهذا ما نريده أن يقع بين الناس، فيغلق هذا الباب تمامًا. وهل هذا صحيح؟ هذا ليس بصحيح. بل قال علماء: ما من مسلم إلا في قلبه أن القرآن يعلو ولا يعنى عليه، يعلو ولا يعنى عليه. هذا أمر بديهي في قلوب الخلق، ولا مردود في هذا الباب. لكن هذه مسألة التي ستدر بها مسألة عقلية على منع فتح هذا الباب. والشاهد إخواني في الله: هذا الباب لا غبار عليه، وهو أن تخصيص القرآن للسنة هذا مما يقع وحصل، وله مشاهدات، وله كذلك وقائع، وليس فيه ما يدعيه من يدعي بأن فيه وهم التنقص. قال رحمه الله تعالى: الخامس ما خص به من السنة. قال: وعز لم يوجد سوى أربعة كآية الأصواف أو كالجزية. قوله: وعز، عز مر معنا تقريبًا في بعض الأبيات القريبة بمعنى قل وندر، هذا قليل. وهذا من الفوارق في درس أمس: كون أن السنة تخصص القرآن، الأمثلة كثيرة. الأمثلة كثيرة، لكن هنا عندما يأتي القرآن ويخصص من السنة هذا عزيز، عزيز، أي قليل، قليل. قال: وعز، أي قل لم يوجد سوى أربعة. ما هي أربعة؟ أي المؤلف يقول: الذي يمكن أن يستدل به في هذا المقام أربع آيات. أربع آيات يمكن أن يستدل بها على أنها قامت بتخصيص أربعة أحاديث، كل آية خصصت حكم من أحكام العموم في السنة فقط أربعة. وهذا ماذا يدلك على قلته؟ أربعة فقط شواهد يمكن أن يبرهن به على هذا أمر، هذا دل على أنه كما قال مؤلف: عز شيء عزيز وقليل أن يوجد هذا الأسلوب تخصيص القرآن للسنة. قال: وعز لم يوجد سوى أربعة. وهل هذا يسره هذا الحصر؟ طبعًا لا يسلم كون نحصر الأمثلة بهذا، بل هي نفس الأمثلة بين أخذ وجذب بين الفقهاء. ومنهم من أضاف مثالًا خامسًا، بل السيوطي رحمه الله تعالى في الإتقان ذكر مثالًا خامسًا على أن الأمثلة تدل على أن القرآن خصص شيئًا من السنة. ابن كثير كذلك، وسأتي بمثاله. ابن كثير في تفسيره مر على آية وذكر فائدة على أن هذا من أوضح الصور التخصيص تخصيص القرآن للسنة. فلا يمكن أن نحصر ما يمكن أن نحصر. فالمؤلف إنما اجتهد بالحصر، لكن غيره قد لا يوافقه على قضية الحصر. قال: وعز لم يوجد سوى أربعة كآية الأصواف أو كالجزية والصلوات حافظوا عليها والعاملين ضمها إليها. بدأ المؤلف والناظم رحمه الله تعالى بأسلوب السرد، فذكرنا الآيات الأربع. ما الغرض من هذه الآيات الأربع؟ هذه الآيات الأربع جاءت وتسلطت على أحاديث بلفظ عام فخصصت الحكم. وما هي هذه الآيات الأربع؟ قال رحمه الله تعالى: كآية الأصواف. والذي يعنيه بقول تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ هذه قصده رحمه الله تعالى. كآية الأصواف، هذه الآية وهي الآية الأولى. ونحص على الترتيب لأنه سيعود بعد ذلك سيسرد أن الآيات سردًا يشير إلى الآيات سردًا، ثم سيعرج عليها بالأحاديث التي خصصت عن طريقها. قال: كآية الأصواف أو كالجزية. هذه الآية الثانية. والذي يعنيه بقول سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ تسمى آية الجزية. قال: كآية الأصواف أو كالجزية والصلوات حافظوا عليها. الآية الثالثة والتي أشار إليها بقوله: والصلوات حافظوا عليها. قوله سبحانه وتعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ هذه آية قامت بتخصيص حديث، قامت هي بتخصيص حديث نبوي. هذه الآية الثالثة. الصلوات حافظوا عليها والعاملين ضمها إليها. والعاملين ما يتعلق بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ في ذكر تعداد ربنا عز وجل الأصناف الثمانية الذين يستحقون الزكاة. إذن قال: ضمها إليها، أي ضم هذه الآية الآية العاملين إلى الآيات الثلاثة فيكتمل عندك نصاب أربعة آيات. إذن آية الأصواف، وآية الجزية، وآية، وآية حافظوا على الصلاة، وآية الأخيرة وهي آية ماذا؟ آية العاملين. هذه الآيات الأربع ما المراد منها؟ المراد منها أن هذه الآيات جاءت إلى أحاديث عن رسول الله وردت بلفظ عام، وردت بلفظ عام. فكان من أمر القرآن أن خصص، أن خصص هذا الحكم العام. وكما قلنا: التخصيص هو قصر العام على بعض أفراده، قصر العام على بعض أفراده. أي أن السنة جاءت بلفظ عام، ثم جاء القرآن وخصص. طيب ما أين التخصيصات؟ سيأتي الآن. قال رحمه الله تعالى: حديث ما أبين في أولاها خص، وأيضًا خص ما تلاها. حديث ما أبين جاء بعدة ألفاظ. والذي عنونه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: عليه الصلاة والسلام: «ما قطع من بهيمة وهي حية فهو ميتة». هذا الحديث ورد عن جمع من الصحابة، عن ابن عمر، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى. ويحسنه جماعة من أهل العلم، كان فيه مقال، لكن على التصحيح. وشيخ الإمام الألباني صححه رحمه الله تعالى. بهذا لفظ: «ما قطع من بهيمة». جاء بعدة أبين، أبين بمعنى القطع، بمعنى القطع. طيب نأتي الآن إلى الربط بين الآية والحديث. ما الذي نحن بصدده؟ بصدد ذكر حديث جاء بلفظ عام، ثم جاء القرآن وخصص. نربط بين الحديث وبين الآية الأولى وهي آية الأصواف. أين علاقة العموم والتخصيص؟ العلاقة أولًا: الحديث حديث قوله عليه الصلاة والسلام: «ما قطع من بهيمة وهو حي فهو ميتة». تأتي إلى بهيمة، هذا كان يوجد عند أهل الجاهلية لو ربما إذا أتوا إلى بعير وأرادوا منه لحم، لو ربما أخذوا شيء من لحمه وهو حي، أخذوا شيء من سنامه، أخذوا شيء من سنامه، واجعلوا في النار ويأكلوا منه وهو حي. يقول: هذا حيوان سينجبر الجرح وينمو، مع ذلك هذا تعذيب وتنكيل. الشرع جاء وأخبر أن هذا الفعل لا يجوز، بل هذا الذي قطع من الحيوان وهو حي هذا ميتة، هذا ميتة. طيب الحديث عندي العموم: ما قطع، أي كل ما يقطع من البهيمة عندي لفظ عام. أي شيء يقطع: رجل، رأس، شيء صلب، شيء رطب، من الأمام، من الخلف، من فوق، من تحت، عندي لفظ عام. ما قطع قد مر معنا أن ما من أسماء الموصولة تفيد العموم. الله: ما في السماوات، ما تفيد العموم. ما قطع من بهيمة وهو حي فهو ميتة. طيب إذن هذا نص عام. فإذا لو جاء أحد عند بهيمة وأتى بالسكين، فإيش ستفعل؟ ستذبح، لا، لا أستأذن شيء منها، قل: اتق الله، ما ستفعل؟ تذبح، قل: لا، ما سأذبح، لكن سأخذ شيء منها. قال عليه الصلاة والسلام: «ما قطع من بهيمة وهو حي فهو ميتة». فأي شيء تأخذه منها يعتبر ميتة. فيقول الأخ: أما سمعت قول الله عز وجل: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ متاعًا. فربنا مدح أن هذه الأشياء أخذت من البهائم ويتمتع بها. فإذن يقول: يأتي هذا بالسكين ويأتي إلى الشعر وإلى الوبر ويأخذه من الغنم وهو حي، ويتمتع به. صح؟ صح، بماذا؟ تخصيص القرآن للسنة. تخصيص القرآن للسنة، فالسنة جاءت بلفظ عام، وآية الأصواف كما اعتبرها العلماء: أن هذه تخصيص. فإذن كل ما يأخذ من البهيمة وهو حي لا يجوز، إلا ما كان من الأصواف والأوبار والأشعار، أي ما ينمو عليها. هذا يقطع سواء كان في حال حياتها أو كان بعد مماتها، ينتفع بذلك بعد ذلك. قال رحمه الله تعالى: حديث ما أبين في أولاها خص. خص بتلك الآية. قال: وأيضًا خص ما تلاها. والذي تلاها ما سيأتي لقوله: «أمرت أن أقاتل من لم يكن لما أردت قابلاً». هذا الحديث الثاني. حديث ثاني فيه عموم، وجاء تخصيص من القرآن. قال رحمه الله تعالى: وأيضًا خص ما تلاها. لقوله: «أمرت أن أقاتل من لم يكن لما أردت قابلاً». هذا الحديث الثاني. والذي يعنيه بهذا الإشارة إلى ما جاء في الصحيحين لقوله عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم». عصموا مني دماءهم وأموالهم. فقول المؤلف قال: لقوله: «أمرت أن أقاتل من لم يكن لما أردت». وما الذي أراده نبينا؟ أراد الشهادة. لأن قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا». هذا الذي أراده نبينا بالقتال، أراد من قتاله أن يخضع الناس للشهادة وللتوحيد. قال: لقوله: «أمرت أن أقاتل من لم يكن لما أردت قابلاً». أي الذي لا يقبل التوحيد، الذي لا يقبل التوحيد. ما حيلتي معه؟ أقاتله، أقاتله. هذا معنى هذا البيت. طيب إذن هذا الحديث فيه عموم: «أمرت أن أقاتل الناس». الناس من ألفاظ العموم، أي كل أحد سيقاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يأت ولم يذعن بالتوحيد، سأقاتله. بهذا النص عندي عموم. إما الشهادة وإما القتال. طيب هنا قال: هذا خص بآية أخرى وهي آية الجزية. ما هي آية الجزية؟ قوله سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فيقال: أن هذا حكم عام، لكن جاء من القرآن ما يخصص هذا الحكم. فخرج من هذه المقاتلة كل من وضع الجزية، كل من وضع الجزية. فمن رضي بالجزية ودفع الجزية لأهل الإسلام، فإن نفسه يكف عنه، سيكف عنه. معنى قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا». معنى أولًا ما شهدوا، ما شهدوا أصلا يقاتلوا، لكن جاء التخصيص من القرآن. فالقرآن خصص هذا الحكم العام. هذا قول رحمه الله تعالى: حديث ما أبين في أولاها خص. وأيضًا خص ما تلاها لقوله: «أمرت أن أقاتل من لم يكن لما أردت قابلاً». إذن هذا الشاهد الثاني. قال: وخصت الباقية النهي عن حل الصلاة والزكاة للغني. وخصت الباقية، الباقية أي ما بقي من الآيات. وبقيت آيتان: آية حافظوا على الصلاة، وآية العاملين عليها. هاتان الآيتان خصصتا أحاديث جاءت بلفظ العموم من السنة. ما الذي خصصتا؟ قال: وخصت الباقية، أي الباقية وهي حافظوا على الصلاة. راعي الترتيب. قال: خصت النهي عن حل الصلاة. طيب إذن ما المقصود عن حل الصلاة؟ إشارة هي الأحاديث المروية في السنة على النهي عن الصلاة في وقت الكراهة. طبعًا أحاديث كثيرة جدًا، أحاديث كثيرة جدًا فيها أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل أوقاتًا للنهي، جعل أوقاتًا للنهي لا يوصل فيها. مثل ما ذا؟ أعجب لفظ: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس». لا صلاة، نكر في سياق النفي، ما الذي يفيد؟ يفيد العموم. لا صلاة، عندي عموم. إذن حديث نبوي لفظ عام. لا صلاة، والعموم ماذا يشمل؟ يشمل كل صلاة، يشمل كل صلاة. طيب افترض أن الآن لو أن رجلا استيقظ متأخرًا عن صلاة الفجر وأراد أن يصلي في وقت الكراهة، أو رجل نام وغفل عن صلاة العصر، سيصليها ودخل وقت الكراهة. أيصلي على ظل الحديث؟ يقول: لا، لا صلاة. أنت تنتظر حتى يخرج الوقت حتى يخرج وقت الكراهة، ثم صلي الفريضة، صلي الفجر، ثم صلي العصر، لكن خرج الكراهة. لماذا خرج الكراهة؟ لأنه يكون عندي حديث عام: «لا صلاة بعد العصر، لا صلاة بعد الفجر». وهذا العموم يعم النافلة ويعم الفريضة ويعم المكتوبة، الفرد والجماعة، يمتنع. أهذا مسلم؟ قال: لا يسلم. لماذا؟ قال: هذا الحديث العام خصص بهذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وقوموا لله قانتين. فدل ذلك على أن هذه الصلاة هي مقدمة في الحفاظ، وأن يحافظ عليها، وأن يحافظ عليها. هكذا ضرب المؤلف رحمه الله تعالى بهذا. فأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة عامة تشمل الجميع، لكن جاءت الآية وخصصت ماذا؟ المكتوبة. فالمكتوبة لا يشملها العموم، فأنت تصلي للمكتوبة متى ما جاء، زال عنك العذر، إن كان من نوم، إن كان من مرض، وإن كان من أي سبب. فالمكتوبة خصصت بهذه الآية. قال رحمه الله تعالى: وخصت الباقية النهي عن حل الصلاة والزكاة للغني. الحديث الرابع والذي جاءه التخصيص من القرآن. الأحاديث تدل على أن لا زكاة للغني، الأصل هذا. أحاديث كثيرة، كما جاء في مسلم، الإمام أحمد، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي». لا تحل الصدقة لغني، أن الغني المستغني القادر على التكسب، لا تحل له الصدقة، أي بمعنى الزكاة. ما يحل له أن يأخذها لأنه غني مستكفي. طيب هذا الحديث: «لا تحل». كما قلنا: عموم، لا تحل الصدقة، نكرًا في سياق النفي، يريد العموم. ما يجوز أبدًا. طيب سأعمم هذا الحكم. السنة دلت على أنه لا يجوز لأي غني أن يأخذ مال الصدقة. أتفاجأ مثلًا أجد رجلًا مقتدرًا ويأخذ مال الصدقة، يقول: يا أخي ما يجوز. يقول: لا، أنا يجوز لأن أخذ، ولو كنت مستطيعًا لما يقول: أنا من العاملين عليها. العامل على الصدقة هو الذي يتفرق، ويكون له إنابة من الإمام، فيذهب يمنة ويسرى، ويكتب، ويأتي بأسماء المتصدقين، وأنواع الزكاة، ويجمع، ويحصل، ويرتب، ويوزع، ويأخذ. هذا متفرغ، العامل هذا يعطى من مال الزكاة. وقد يكون هذا العامل مقتدرًا، أنا مثلًا، وإمام مثل إمام، وأحتاج إلى أن في هذه البلاد تجميع صدقات، فأذهب إلى رجل قد تكون جامعي، يا فلان، تعال، أنت رجل عندك قدرة على الحساب، وأحتاج إليك أن تجمع للزكاة، فتكون يا العامل عليها، وأعطيك شيء من الزكاة. هل يجوز شرعًا؟ مقتدر، نعم يجوز شرعًا. العامل ليس من شرط أن يكون ماذا؟ فقيرًا، لا، ولو كان مستطيعًا يجوز. العامل عليها يعطى مقابل ماذا؟ ما قام به. إذن هذا الذي صار هذا الآن رجل مقتدر ويعطى لهم من مال الزكاة، رجل غني ويعطى من مال الزكاة. قد يقول: قال: ألم يقل نبينا: «لا تحل الصدقة لغني»؟ وكيف تعطونه؟ يقول: هذا الحديث عام، وجاء التخصيص من القرآن بقوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ إذن الأصل أن الأغنياء ما يعطون، إلا ما كان من جنس العامل عليها، فهذا يعطى. فهذا إخواني في الله ما ذكر المؤلف بقوله: وخصت الباقية النهي عن حل الصلاة والزكاة للغني. إذن عندي أربعة آيات خصصت أربعة أحاديث. الحديث الأول: حتى يكون بالترتيب، الحديث الأول ما كان من قول نبينا: «ما قطع من بهيمة». الأصل أن ما يقطع من بهائم لا يحل، يكون في حل النجاسة، لكن جاءت الآية: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ بتخصيص هذا. خرج من عموم النهي. ما يتعلق بالجزية، الأمر بقتال الناس إما الشهادة وإما القتال، جاء القرآن وخص ماذا؟ من دفع الجزية، هؤلاء خرجوا عن حكم النص. والعامل، وهذا كذلك فيما يتعلق بحل الصلاة. نهى نبينا عن أداء الصلاة، أي صلاة، نهى أن تؤدى في أوقات الكراهة. فجاءت الآية وخصصت الصلاة المكتوبة، فإنها تؤدى. والأمر الرابع ما يتعلق بأن الزكاة لا تحل لأغنياء، لا تحل لغني، فجاءت الآية وأخبرت أن من كان من العاملين، ولو كان غنيًا، فإنه يعطى من مال الزكاة. هذا هو المثال، أمثلة الأربعة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. وهناك مثال مر معنا في تفسير ابن كثير، في سورة الممتحنة، وهو قوله تعالى: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية ذكرها ابن كثير رحمه الله تعالى في التفسير، وعبر عنها قال: فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة. وهذا من أحسن أمثلة ذلك. أين وجه العموم والتخصيص في القرآن؟ ابن كثير كان يذكر لنا ما يتعلق بما وقع من صلح الحديبية من إبرام الاتفاق بين المسلمين والكفار. كان من البنود من بنود الصلح على أنه من جاء من الكفار إلى أهل الإسلام فإنه يرد. فكان هذا مما أبرم في الاتفاق على أن من جاء من المسلمين مهاجرًا إلى رسول الله فإنه يرد، فإنه يرد. فبعموم يرد، هذه الآية ما الذي فيها؟ فيها أن المؤمنة إذا جاءت ترد لا، تختبر، تختبر. وجاءت أدلة في السنة الصحيحة عن بعض الصحابة كيف تختبر؟ تسأل: هل جئت هربًا من زوجك؟ هل جئت رغبة لفلان؟ هل جئت؟ تسأل. فإذا علمنا أنها مؤمنة وحررت رغبة لله وللرسول، فإنها تدخل في معسكر المسلمين ولا ترد. واضح الآن كيف؟ إذن الآية، الحديث عندي النبوي عام. حديث الرسول عام: «أنه من جاء من المسلمين من معسكر فإنه يرد». هذا حكم عام، لكن جاءت هذه الآية وحصصت، وأن النساء يخرجن من هذا الحكم، وأن المؤمنة جاءت فإنها لا ترد، تمتحن، فإن علم أنها صدقت الإيمان، فإنها توضع في المعسكر. فهذا الذي عبر عنه ابن كثير رحمه الله تعالى قال: تكون هذه الآية مخصصة للسنة. وهذا من أحسن أمثلة ذلك. رحمه الله رحمة واسعة. لهنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.