التعليق على الجواب الكافي 15

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في خطورة الاعتماد على رحمة الله

يُناقش الدرس خطورة الاعتماد على رحمة الله مع الإصرار على الذنوب ودون عمل صالح، ويُشدّد على أهمية التوازن بين الرجاء والخوف من الله.

تحذير الداعية من مخالفة قوله لفعله

يُحذّر الدرس من مخالفة الداعية لقوله، ويستشهد بأحاديث نبوية تصف عذاب من يأمرون بالبر وينسون أنفسهم، ويبين أن نعيم الدنيا وبؤسها ينسى في الآخرة.

ختام الدرس والرجوع إلى الله

يُختتم الدرس بالرجوع إلى الله والاكتفاء بما تم شرحه، على أن يستكمل في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد ذكرنا كلام الإمام ابن القيم رحمه الله، أتى رحمه الله ببعض الطرق التي استدل بها من يفعل المعاصي، أو أنه من باب الاغترار والأمان الذي يحصل له، فيذكر مثلها ويتحجج بهذه الحجج أنه يحسن الظن في سعة مغفرة الله، وأن الإنسان ليس منزهًا عن الذنوب، وأن الله غفور رحيم، وأن الله أجل وأكرم وأجود أن يعذب عباده، أو أنه يجعل ذلك فيما وعد الله عز وجل نبيه، وغيرها من هذه الأشياء التي يستدلون بها أو يتحججون بها. وأقول: لها أشياء باطلة، الواجب على المسلم أن يحسن العمل لله عز وجل، فيحسن الظن بالرب سبحانه وتعالى، فما حصل من النقص والتقصير، فإنه يستدرك بالاستغفار والتوبة إلى الله جل وعلا. قال رحمه الله: وخصل وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين. ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب، فهو كالمعاند. على كثير من هؤلاء الجهال اعتمدوا على عفو الله ورحمته وكرمه سبحانه وتعالى، فضيعوا أمره ونهيه، فيقولون: الله غفور رحيم. وهؤلاء مرجعهم نسوا نصوص الوعيد، قد قال الله عز وجل: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾، فبهذا فلابد للمسلم أن يكون بين الرجاء والخوف. وأما أن يغلب الرجاء دائما، فهذا يضره. لهذا قال هنا ابن القيم: إن هؤلاء الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، فضيعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين. وكذلك أيضا أمنوا من مكر الله، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. قال معروف الكرخي: «جاءوك رجاء من لا تطيعه من الخذلان والحمق». ومعروف هو الكرخي، كان عابدا من عباد أهل بغداد، وهو معروف بالزهد، وقد أثنى عليه الإمام أحمد رحمه الله. وقال له عبد الله بن أحمد: إني لا أجد عند معروف علمًا، فقال: سكت، وعنده رأس العلم، عنده رأس العلم خشية. قالوا: قال بعض العلماء: من قطع عضوا منك في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم، لا تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا. وهذا على أن الثلاثة دراهم تساوي ربع دينار؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطع في مجن، والمجن هو الترس، وكان يقدر في ذلك الزمان بثلاثة دراهم. وقال أيضا في حديث عائشة: «لا تقطع يد إلا في ربع دينار فصاعدا». فهذا الذي قال هنا بعض العلماء: الذي قطع منك في الدنيا هذا العضو بسرقة ثلاثة دراهم أو ربع دينار، لا تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا. قال: وقيل للحسن: أراك طويل البكاء، فقال: أخاف أن يطرحني ولا يبالي. العجيب معنا أن السلف رحمه الله عملوا وعندهم خوف، ونحن عندنا تقصير في الأعمال كثير، وكذلك الرجاء. وهذه من الفروقات العظيمة بين السلف والخلف إلا من رحم الله وأدرك طريقة السلف. وإلا فغالب الناس تقصير في العمل ورجاء في عفو الله ورحمته. وأما السلف فكانوا عندهم عمل وعندهم خوف من الله جل وعلا. قال: وكان يقول أي الحسن: إن قوما ألهتهم أماني مغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير التوبة. وهذا هو الضرر العظيم الذي يلحق بالإنسان بسبب اعتماده على رحمة الله وعفوه وكرمه جل وعلا، وينسى أن الله عز وجل شديد العقاب. فلهذا يضره أنه يخرج من الدنيا بغير توبة، تصوفه الأمان وتغرّه الأمان حتى يظن أنه على خير، وأن الله سيغفر له، فبعد ذلك يصر على المعاصي والكبائر حتى يخرج من الدنيا بغير توبة. قال: يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي. وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل. وهذه العبارة أكثرها قد خرجها الإمام الخرائطي في «مكارم الأخلاق». قال: وسئل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد، كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: والله لأن تصحب أقوامًا يخوفونك حتى تدرك أمنًا خير من أن تصحب أقوامًا يؤمنونك حتى تلحق بالخوف. فتصحب أقوامًا يقولون: اتق الله، عذاب الله شديد، يخوفونك من عذاب الله جل وعلا، مصحوبك خير لك من أن تصحب أقوامًا يؤمنونك حتى تلحق بالخوف -أي يوم القيامة- أن يؤمنوك، كيف يقال لك: الله غفور رحيم، هذه الدنيا تمتع بهذه الدنيا، ولا تنس نصيبك من الدنيا. ما يقولون في هذا في المعافاة؟ فهؤلاء يؤمنون الشخص حتى يلحقه الخوف؛ لأن الله عز وجل لا يجمع على عبده أمنين ولا خوفين، فإن خافه في الدنيا أمنه في الآخرة، وإن أمنه في الدنيا خوفه في الآخرة. قال: قد ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطوف به أهل النار، فيقولون: يا فلان، ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه». وهذا من أعظم الأدلة خاصة على العلماء والدعاة: أنه يدعو الناس إلى الخير ولا يأتيه، وينهاهم عن الشر ويأتيه، هذه مصيبة. قال: وذكر الإمام مسلم من حديث أبي رافع، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقبر، فقال: «أفلح هذا؟ ظننت أنه يريدني، فقال: لا، ولكن هذا قبر فلان، بعثته ساعيًا إلى آل فلان، فغل نمرة فدرع من النار». مثل هذه من النار. قال: وفي مسنده أيضا من حديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقارض من نار، فقلت: من هؤلاء؟ قال: خطباء من أمتك من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم». وهذا كله يدل على أن الإنسان لا يأمن عذاب الله جل وعلا. قال: وفيه أيضا من حديث أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين كانوا يأكلون لحم الناس ويقعون في أعراضهم». وهذا قد قرأناه قريبا في الصحيح المسند لشيخنا مقبل رحمه الله. قالوا: فيه أيضا عنه، قال: «كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: «نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء». وهذا الحديث أصله صحيح. قال: وفيه أيضا عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لجبريل: «مالي لم أر ميكائيل ضاحكًا قط؟ قال: ما ضحك منذ خلقت النار». قال: وفي صحيح مسلم، رضي الله عنه -أي عن أنس- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما رأيت خيرا قط». والذي عاشه في هذه الدنيا وتمتع في الأموال وغيرها، كل ذلك ينسى بغمسة واحدة في النار. قال: ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط. فهذا هو أمر الآخرة، فلا يغر الإنسان المال ولا تغره الدنيا؛ فإنها متاع زائل. ونرجع إلى الله جل وعلا إن شاء الله، ونكتفي بهذا، ونكمل في درس لاحق.