الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 49، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد الدرس ضرورة تلقي طالب العلم للنصوص من شيخ متقن لضبطها وتجنب التحريف، لأن القراءة الفردية تؤدي إلى الأخطاء. وكان السلف في أمس الحاجة لذلك لخلو المخطوطات من النقط والشكل، فكان الضبط يتم شفهياً بوصف دقيق للحروف.
أكمل الحافظ ابن حجر قراءة صحيح البخاري في عشر مجالس بواقع مئة ساعة، وصحيح مسلم في أربع مجالس خلال يومين، وسنن ابن ماجه في أربع مجالس، ومعجم الطبراني الصغير في مجلس واحد. كما قرأ شيخه الفيروز أبادي صحيح مسلم في ثلاثة أيام، مما يعكس هممهم العالية في طلب العلم.
يستعرض المقطع مراجع دقيقة من كتب السير والطبقات مثل «سير أعلام النبلاء» و«طبقات الشافعية» و«شذرات الذهب» مع أرقام المجلدات والصفحات، مؤكداً علو همم العلماء القدامى في التوثيق. ويحث المستمعين على الاقتداء بهم في الاجتهاد بقراءة هذه الكتب الممتعة، مستشهداً بتعليق الشيخ العثيمين داعياً للاستعانة بالله على ضعف الهمم.
يختم المتحدث بدعاء إلى الله بأن يقوي العزائم والهمم، ويرزق العلم النافع المتبوع بالعمل الصالح، ويزيد من العلم والإخلاص واليقين والصبر على طلب العلم وتعليمه. ويختتم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى في كتابه «حلية طالب العلم» في آداب طالب العلم في حياته العلمية: قال رحمه الله تعالى: «قراءة التصحيح والضبط». قراءة التصحيح والضبط: أحياناً يقرأ الإنسان مع نفسه فيقع في التصحيف، ويقع في أخطاء، بينما لو قرأ على شيخ أو قرأ على عالم لصوّب له هذا الخطأ، ونبهه على هذا التصحيف الذي وقع فيه. وهذا ليس في قراءة الكتب فقط، بل كذلك أيضاً في قراءة القرآن؛ تجد بعض طلبة العلم يحفظ وحده ولا يقرأ على معلم ومدرس، فيقرأ الآية خطأً ويحفظها خطأً، وبعد ذلك يقوم بتسميعها خطأً، وهذا من الخطأ يا إخوان. ولهذا ينبغي على الطالب أن يحرص على أن يقرأ على المعلم، وعلى الشيخ الذي يضبط له هذا الكتاب وينبهه على الخطأ من الصواب. قال رحمه الله تعالى: «احرص على قراءة التصحيح والضبط على شيخ متقن، على شيخ متقن». لماذا؟ قال: «لتأمن من التحريف والتصحيف والغلط والوهم». قال: «وإذا استقرأت تراجم العلماء، وبخاصة الحفاظ منهم، تجد عدداً غير قليل ممن جرد المطولات في مجالس أو أيام، قراءة ضبط على شيخ متقن، قراءة ضبط على شيخ متقن». وكانوا في العهد الأول يا إخوان أحوج إلى ذلك أكثر منهم في زمننا هذا. فما هو السبب؟ لماذا كانوا في العهد الأول أكثر حاجة إلى ذلك؟ نعم، من يستنبطها استنباطاً؟ لماذا؟ نعم، أحسنت: كانت الكتابة بدون نقط، وهكذا أيضاً كانت بدون شكل، وإنما كانوا إذا أرادوا أن يضبطوا يضبطون بالكلام؛ يقال مثلاً: «بالموحدة التحتية» يعني «بـ»، أو «بالموحدة الفوقانية» يعني «نون»، وهكذا. يعني إذا قالوا: «بالمثناة الفوقية» يعني «تـ»، «بالتحتية» يعني «يـ»، «بالمثلثة» يعني «بالمعجمة» أي «ثـ»، وهكذا. وغير أنهم كانوا أعرف منا بلغة العرب ودلالاتها ومعانيها. نحن اليوم توفرت لنا أسباب العلم أكثر مما توفرت لهم، فالله عز وجل علم ضعفنا وعجزنا وضعف هممنا، فسهل لنا سبحانه ويسر الأمور لنا. قال: فهذا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس، في عشرة مجالس، قال: «كل مجلس عشر ساعات، كل مجلس عشر ساعات»، وصحيح مسلم في أربعة مجالس، في نحو يومين، وشيء من بكرة النهار إلى الظهر، إلى الظهر، إلى الظهر. لاحظوا يا إخوان الفترة التي قرأ فيها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى صحيح البخاري في عشرة مجالس، كل مجلس عشر ساعات، إذن المجموع كم ساعة؟ أين الناظم بسرعة؟ عشرة مجالس، كل مجلس عشر ساعات، وإلا عمك علي ما شاء الله قد حسبها بسرعة، قال: «مئة»، أصاب، أصاب. فإذن الحمد لله، ففي مئة ساعة، مئة ساعة، وصحيح مسلم في أربعة مجالس في نحو يومين، وماذا؟ وشيء من بكرة النهار إلى الظهر. قال: «وانتهى ذلك في يوم عرفة، وانتهى ذلك في يوم عرفة». قال: «وكان يوم الجمعة سنة ثمانمائة وثلاثة عشر من الهجرة». وقرأ -أي الحافظ ابن حجر- هذا يذكره تلميذه الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى، قال: «وقرأ سنن ابن ماجه في أربعة مجالس، في أربعة مجالس». قال: «ومعجم الطبراني الصغير في مجلس واحد، بين صلاتي الظهر والعصر، بين صلاتي الظهر والعصر». والطبراني يا إخوان يلقب بـ «مسند الدنيا»، الدنيا رحلته في طلب العلم من أشهر الرحلات، طويلة جداً، طاف الدنيا وجمع الحديث، فأخرج للأمة المعجم الكبير والمعجم الأوسط والمعجم الصغير. قال: «وشيخه -أي شيخ الحافظ ابن حجر- الفيروز أبادي»، ما هو كتابه المشهور؟ الفيروز أبادي: «القاموس المحيط»، نعم في اللغة العربية. قال: «قرأ في دمشق صحيحَي مسلم على شيخه ابن جهبل قراءة ضبط في ثلاثة أيام، في ثلاثة أيام». قال: «وللخطيب البغدادي، والمؤتمن الساجي، وابن الآبار، وغيرهم في ذلك عجائب وغرائب يطول ذكرها». يعني هذه العجائب والغرائب تدل على همم عالية، تدل على همم عالية كانت لدى هؤلاء الأعلام رحمة الله عليهم. قال: «وانظرها في السير»، أي «سير أعلام النبلاء» للذهبي، يعني في المجلدات أعطانا المجلدات والصفحات: قال: «المجلد الثامن عشر، صفحة مائتين وسبعة وسبعين، وأيضاً صفحة مائة وتسعة وسبعين، والمجلد التاسع عشر، صفحة ثلاثمائة وعشرة، والمجلد الحادي والعشرون، صفحة ثلاثمائة وثلاث وخمسين». هؤلاء العلماء يا إخوان، يعني هممهم عالية، لما يذكر لك الصفحة والمجلد لربما قرأ الكتاب عدة مرات، عدة مرات، فحين يذكر لنا ذلك ينبغي يا إخوان أن نشمر نحن، وتقوى عزائمنا، وتنشط قوانا في ماذا؟ في الاجتهاد في قراءة مثل هذه الكتب. وكم هي يا إخوان ممتعة، ممتعة حين أن تقرأ في «سير أعلام النبلاء»، وتقرأ تراجم وحياة هؤلاء الأعلام، كأنك تعيش معهم، كأنك تعيش معهم. تقرأ في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل، تقرأ في ترجمة الإمام الشافعي، تقرأ في ترجمة سفيان الثوري وابن عيينة، تقرأ في تراجم الصحابة رضوان الله عليهم. يا إخوان ترى عجائب وتقرأ غرائب، لولا أن العلماء وثقوها في كتبهم وإلا لأعدها البعض من الخيال، من الخيال. قال: «وطبقات الشافعية للسبكي، المجلد الرابع، صفحة ثلاثين». قال: «والجواهر والدرر للسخاوي، المجلد الأول، صفحة مائة وثلاثة، ومائة وتسعة، وفتح المغيث أيضاً للسخاوي، المجلد الثاني، صفحة ستة وأربعين، وفتح المغيث في شرح ألفية الحديث للسخاوي». قال: «وشذرات الذهب، المجلد الثامن، صفحة مائة وواحد وعشرين، ومائتين وستة». قال: «وخلاصة الأثر، المجلد الأول، صفحة اثنين وسبعين إلى ثلاث وسبعين». قال: «وفهرس الفهارس للكتاني، وتاج العروس، المجلد الأول، صفحة خمسة وأربعين إلى ستة وأربعين». قال رحمه الله تعالى: «فلا تنسى حظك هذا، فلا تنسى حظك هذا». الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى، وهو هو يا إخوان في العلم والهمة في طلب العلم وصرد كتب أهل العلم، علق على كلمة الشيخ بكر رحمه الله تعالى: «فلا تنسى حظك هذا»، ماذا قال؟ قال: «الظاهر ما لنا حظ أبداً». الشيخ العثيمين يقول: «الظاهر ما لنا حظ أبداً، والله المستعان». فإذا ماذا نقول نحن؟ ماذا نقول نحن؟ إلى الله المستعان يا إخوان من ضعفنا وعجزنا وفتورنا وضعف هممنا. لكن ربنا جواد كريم، بر رحيم، أسأله عز وجل أن يقوي عزائمنا، وأن يقوي هممنا، وأن يرزقنا العلم النافع الذي يتبعه العمل الصالح. نسأله عز وجل أن يزيدنا علماً إلى علمنا وإخلاصاً ويقيناً وصبراً على طلب العلم وتعليمه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً.