الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 51، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع ثلاثة آداب أساسية لحسن السؤال: حسن صياغة السؤال بأدب وتقدير، وحسن الاستماع للجواب دون انشغال، وصحة الفهم للجواب مع طلب التوضيح عند الحاجة. وتؤكد هذه الآداب أنها من كمال أدب طالب العلم مع علمائه ومشايخه.
يؤكد المقطع على فضيلة السؤال كأداة للعلم النافع مستشهداً بسؤال جبريل وابن عباس، ويوجب على طالب العلم اقتناء أدواته الأساسية كالكتاب والدفتر والقلم. وينهى عن ضعف الأدب بالاعتراض على الفتوى بقول "لكن الشيخ فلان قال كذا" لما فيه من الوهن وإثارة الخلاف بين العلماء.
يحذر المقطع طلاب العلم من السؤال تعنتاً أو لإحراج المعلم، ويؤكد أن السؤال ينبغي أن يكون للتفقه وطلب الفائدة. ويستعرض مراتب العلم الست عند ابن القيم: حسن السؤال، حسن الإنصات، حسن الفهم، الحفظ، التعليم، والعمل بالعلم مع ملاحظة تقديم العمل على التعليم.
يختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله، ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر. وتكون هذه الخاتمة ختاماً للدرس المبارك.
طيب، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه "حلية طالبي العلم"، في الفصل الخامس الذي يتعلق بآداب طالبي العلم في حياته العلمية: قال -أي: من آداب طالبي العلم-: "حسن السؤال". قال: "حسن السؤال". قال: "التزام أدب المباحثة من حسن السؤال، فالاستماع، فصحة الفهم للجواب". هذه ثلاثة أشياء يا إخوان يحتاجها طالب العلم عند أن يسأل عالماً أو يسأل معلماً. الأول: أن يكون عنده أسلوب حسن في سؤاله، في سؤاله، فلا يفاجئ المسؤول. مثلاً يقول: "بارك الله فيكم، ما قولكم في كذا وكذا وكذا؟" أو "ما هو الراجح في مسألة كذا وكذا؟". يقول مثلاً: "أحسن الله إليكم"، فيكون ماذا؟ يقدم بين يدي سؤاله ما يدل على الأدب، ما يدل على الأدب. ويجوز أن يأتي بسؤاله مباشرة، يجوز، لكن من كمال الأدب أن يكون السؤال حسناً، أن يكون السؤال حسناً. كذلك أيضاً من حسن السؤال: ألا يضرب كلام العلماء بعضهم ببعض. يقول: "يا شيخ، ما قولك في فتوى فلان؟" ويسميه، يسميه. فهنا يجعل شيئاً بين المسؤول وبين من أفتوا سابقاً، من أفتوا سابقاً، وهذا ليس من الأدب يا إخوان. لكن إذا أراد أن يسأل عن عبارة المفتي السابق، ممكن يأتي بها من غير أن يذكر اسماً. يقول: "يا شيخ، ما قولكم في من يقول كذا وكذا وكذا؟ في من يقول كذا وكذا وكذا، هل هذا القول صحيح؟ هل هذا القول صحيح؟". الأمر الثاني: هو حسن الاستماع. تسأل، وبعد أن تسأل تنتظر الجواب، لا تنشغل بشيء آخر. العالم أو الشيخ يجيب، وأنت تنشغل بشيء آخر، التفات إلى ناحية أخرى، أو بالتخاطب، أو جوال، أو غيره. هذا ليس من أدب السؤال، وإنما ينبغي أن يكون حسن الاستماع، حسن الاستماع. الأمر الثالث: صحة الفهم للجواب. لما يسمع الجواب ينبغي أن يركز ويفهم جواب هذا المسؤول، جواب هذا المسؤول. وإلا فقلة الفهم وقلة التركيز للجواب يضيع على طالبي العلم الكثير من العلم، الكثير من العلم. وإذا لم يفهم، أجاب الشيخ لكن ما فهم، لا بأس أن يطلب من الشيخ أن يوضح له ذلك. ممكن: "يا شيخ، توضح هذا، أنا ما فهمت". ولهذا يا إخوان، باب السؤال والجواب كما مر معنا أنه يعتبر من أساليب التعليم. جبريل أتى وسأل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يسمعون، فاستفادوا من سؤال جبريل وجواب النبي صلى الله عليه وسلم. أنس كان يقول: "لقد كان يعجبنا أن يأتي الأعرابي، الأعرابي العاقل، فيسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فيفيدنا، فيفيدنا". إلى غير ذلك مما يتعلق بالسؤال الذي يحصل بسببه الجواب الذي يكون من العلم النافع الذي ينتفع به السائل، وهكذا المستمع، وهكذا المستمع. ولهذا يذكرون عن ابن عباس أنه سئل: "من أين لك هذا العلم؟ عندك علم كثير على صغر سنك". فبماذا أجاب؟ بماذا أجاب ابن عباس؟ نعم، "كثرة السؤال". أظن في قلب في العبارة: "بلسان سؤول وقلب عقول". يعني عنده لسان يسأل عما يحتاج إلى السؤال عنه، وهكذا تركيز في ماذا، فيما يلقى. وهذا يا إخوان يحتاج إليه حتى في ماذا، حتى في الدروس. طالب يجلس في درس، ما عنده كتاب. على سبيل المثال كتاب "عمدة الأحكام"، يعني كتاب رخيص جداً. لو ذهب الواحد إلى المكتبة لوجد أن المتن قد يباع بألف ريال أو نحوها، أو نحوها. يبقى طالب بضعة أشهر ما عنده كتاب. هذا من الخطأ يا إخوان. طيب، ما في كتاب؟ مشكلة أخرى: ما في دفتر وقلم يسجل فيه الفوائد التي لربما ماذا يسمعها، التي يسمعها. هذا يا إخوان ما يليق بطالب علم. ممكن عامي جلس يوماً يستمع، ضيف أو عامل أتى لربما وحضر واستمع. لكن أنت طالب علم، أنت طالب علم، هذه وظيفتك، هذه وظيفتك. لا بد أن من ذهب إلى وظيفته يكون معه أدوات العمل، أدوات العمل. وما هي أدوات طالب العلم؟ كتاب، دفتر، قلم، إلى غير ذلك. فهذا من الأمور المهمة يا إخوان التي ينبغي ماذا؟ أن يراعيها. قال رحمه الله تعالى: "قال: وإياك إذا حصل الجواب أن تقول: لكن الشيخ فلاناً قال لي كذا، أو قال كذا". قال: "فإن هذا وهن في الأدب". ما هو الوهن؟ "وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون". ما معنى "أوهن"؟ نعم يا أبا الفضل: "ضعف". أحسن. "الوهن": أي ضعف. هذا ضعف في الأدب، هذا ضعف في الأدب. قال: "وضرب لأهل العلم بعضهم ببعض". يأتي واحد ويسأل شيخاً عن مسألة، فيفتي الشيخ بما عنده من علم. يذهب عند شيخ آخر ويطرح نفس السؤال، فيجيب الشيخ الآخر بما عنده من علم. يقول: "لكن الشيخ الفلاني أفتاني بكذا وكذا". إذا كان أفتاك بكذا وكذا، فلماذا تسأل ثانياً؟ عما تبحث؟ ماذا تريد؟ هذا وهن في الأدب، هذا وهن في الأدب. وكثيراً ما يقع من طلاب العلم، كثيراً ما يقع من طلاب العلم. قال: "وضرب لأهل العلم بعضهم ببعض". قال: "فاحذر هذا، فاحذر هذا". قال: "وإن كنت لا بد فاعلاً، قال: فكن واضحاً في السؤال، وقل للشيخ المسؤول: ما رأيك في الفتوى بكذا؟ ولا تسمِ أحداً. قل: ما رأيك في من يقول بكذا وكذا؟". قال رحمه الله تعالى: "قال ابن القيم رحمه الله" -أي كما في كتابه "مفتاح دار السعادة" كما أشار في التعليق-: "وقيل: إذا جلست إلى عالم فسل تفقهاً لا تعنتاً". انتهى كلامه. البعض يسأل ليس من باب معرفة الحق أو الوصول إلى الفائدة، وإنما لكي يظهر ما عنده من فهم في هذه المسألة قد مرت عليه، فيأتي ويسأل. لماذا؟ إما لكي يحرج المدرس مثلاً، أو لكي يظهر مكانته بين زملائه. هذا وهن في الأدب. وإنما يسأل سؤال متفقه يبحث عن الفائدة، لا تعنتاً. وقال أيضاً: "وللعلم ست مراتب: أولها حسن السؤال، الثانية حسن الإنصات والاستماع، حسن الإنصات والاستماع، الثالثة حسن الفهم". وهذه مرت معنا في كلام الشيخ رحمه الله تعالى. قال: "الرابعة: الحفظ". الرابعة: الحفظ. والحفظ يا إخوان هذا على قسمين: هناك حفظ غريزي فطري، يسمع الشخص الكلام فيحفظه مباشرة، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. وهناك حفظ يعني مكتسب، يحتاج من الشخص أن يبذل فيه جهداً، يأخذ الكتاب أو الدفتر ويكرر، يكرر، يكرر، يكرر، حتى يحفظ، حتى يحفظ. قال: "الخامسة". قال: "الخامسة: التعليم". الخامسة: التعليم. والشيخ العثيمين رحمه الله يقول: "أرى أن تكون هذه الخامسة هي السادسة". يعني أن الشخص يعلم غيره، يعلم غيره. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول". والشخص إذا تعلم شيئاً قبل أن يعلم غيره ينبغي أن يطبق ذلك العلم في نفسه. ولهذا السادسة قال: "وهي ثمرته: العمل به ومراعاة حدوده". انتهى كلام الإمام ابن القيم رحمه الله. قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى: "قال ثم... آه ماذا؟ قال: ثم أخذ في بيانها ببحث مهم". يعني ابن القيم رحمه الله توسع في بيان هذه المراتب الست بما لربما رجع إليه طالب العلم، استفاد فائدة كبيرة من ذلك. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الأدب. أسأل المولى عز وجل أن يوفقنا جميعاً لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.