الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 53، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد فضل مذاكرة العلم ومناقشته مع أهل البصيرة، موضحاً أنها تفوق المطالعة الفردية لأنها تثبت المعلومة، تشحذ الذهن، وتنقلها من الذاكرة المؤقتة إلى الدائمة.
يؤكد المقطع أن المراجعة المستمرة تنقل المعلومات من النسيان إلى الذاكرة المؤبدة مستشهداً بسورة الفاتحة، ويبين آداب المذاكرة من إنصاف ولطف وهدوء محذراً من أنها تكشف عوار من لا يصدق فيها، وينصح باختيار رفيق المذاكرة ممن يوصف بـ"سمين العلم".
يبيّن المقطع أن المذاكرة نوعان: مذاكرة النفس بمراجعة الحفظ والعلم وهي ضرورية لا يستغني عنها طالب العلم، ومذاكرة الغير مع إخوان صالحين ينفعون في العلم مستشهداً بآية الصبر مع الذاكرين وسير السلف في طول المذاكرة حتى الفجر.
يختتم المتحدث كلامه بالصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين، مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم بالحقائق والغيب.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، طيب. قال رحمه الله تعالى، أي الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، قال في باب وفصلي آداب طالب العلم في حياته العلمية: "مذاكرة العلم، مذاكرة العلم". قال: "تمتع مع البصراء بالمذاكرة والمطارحة". والبصراء جمع ماذا؟ بصراء جمعوا ماذا؟ أين أبو مصطفى عندك يا أبو مصطفى؟ بصراء جمعوا بصراء، جمعوا يعني... يعني بصراء جمع ما، مفردها واحدها ماذا يقال؟ لا، بس قاربت الذي بجانبك، نعم مجاهد، صح، نعم تفضل. بصراء ما مفردها؟ طيب عندك يا أبا هريرة: بصار. طيب، تحتاج إلى تعديل يسير جداً، فمن يعدلها؟ أين عمران؟ نعم عندك يا عمران: بصراء جمع ماذا؟ بصراء جمع... لا، بس عندك يا أبا زهير، أحسنت: جمعوا بصير. قال: "تمتع مع البصراء بماذا"؟ ليس بالنظر إلى المشاهد والخضرة والأشجار والأمطار، لا، قال: "بالمذاكرة والمطارحة". والمقصود بالبصراء: يعني ذوي البصيرة، ذوي البصيرة. قال: "فإنها في مواطن تفوق المطالعة". لما تتذاكر وتتناقش مع إخوانك هذا في مواضع، قال: "تفوق المطالعة"، يعني أفضل مما لو قرأت أنت لوحدك. لماذا؟ لأن المذاكرة تثبت المعلومة، وماذا قال؟ "وتشحذ الذهن". ومعنى تشحذ الذهن: أي تنشط الذهن وتقويه وتقويه. قال: "وتقوي الذاكرة". والإنسان غالباً له ذاكرتان: ذاكرة مؤقتة وذاكرة ماذا؟ دائمة. أنت أول ما تقرأ وتحفظ ينتقل هذا المحفوظ إلى الذاكرة المؤقتة، فإن تعاهدته انتقل إلى الذاكرة المؤبدة، ما ينسى إلا أن يشاء الله. وإذا لم تتداركه ماذا يحصل له؟ النسيان، يحصل له النسيان. ألا ترون معلومات يحفظها أحدنا وآيات وأحاديث وآثار وأبيات يحفظها، فإذا لم يتعاهدها نسيت، وإذا تعاهدها ودائما يكررها تنتقل إلى الحافظة أو الذاكرة المؤبدة. أرأيتم سورة الفاتحة، هل يخطئ فيها أحد نادراً؟ لأنها في الذاكرة المؤبدة. وهكذا ما يتعلق بأسماء الله وغيرها. قال: "وتقوي الذاكرة". قال: "ملتزماً الإنصاف والملاطفة". لما تتناقش وتتذاكر مع إخوانك لا تكن أحمقاً، لا تكن شديداً عنيفاً، كن ماذا؟ كن لطيفاً، كن لطيفاً، يحب الإخوة المذاكرة معك. وأما إذا كنت شديداً ومستهزئاً وعنيفاً وساخراً، فعندها ما ستجد من تتذاكر معه. قال: "مبتعداً عن الحيف والشغب والمجازفة". الحيف: أي الظلم في ماذا؟ في الحكم وغيره. الحيف: أي يظلم غيره، فابتعد عن ظلم الآخرين، وعن الشغب، لا تشغب مع الآخرين إذا تذاكرت معهم، اجعل مجلس المذاكرة مجلس هدو وطمأنينة وسكينة. قال: "وكن على حذر، وكن على حذر عند المذاكرة، كن على حذر". قال: "فإنها تكشف عوار من لا يصدق في المذاكرة". يظهر يا إخوان، يظهر ما عند الشخص من ضعف علمي، يظهر ما عند الشخص من ضعف في الحفظ، يظهر ما عند الشخص من بذاء لربما في العبارة وفحش إلى غيره. قال: "فإنها تكشف عوار من لا يصدق". قال: "فإن كانت أي المذاكرة مع قاصر في العلم، بارد أو باردي الذهن، قال: فهي داء ومنافرة". ومعنى هذا يا إخوان: أن الواحد إذا أراد أن يذاكر يبحث له عن ماذا؟ عن شخص سمين، كيف سمين؟ ليس سمين البدن، وإنما سمين العلم والفائدة، عنده معلومات ممكن تتذاكر معه، ممكن تتذاكر معه. أما المذاكرة مع قاصر العلم وبارد الذهن، قال: فهذه داء ومنافرة. قال: "وأما مذاكرتك مع نفسك في تقليبك لمسائل العلم، قال: فهذا ما لا يسوغ أن تنفك عنه". وقد قيل: "إحياء العلم مذاكرته". بهذا نعلم يا إخوان أن المذاكرة على نوعين: النوع الأول: مذاكرة مع النفس، تجلس مع نفسك وتراجع وتذاكر وتحفظ المعلومات، وتحفظ الآيات والسور، تحفظ الأحاديث، تحفظ الدروس، هذه مذاكرة مع النفس، وهذه ماذا؟ يحتاجها طالب العلم ولا يستغني عنها. النوع الثاني: مذاكرة مع الغير، اختار من إخوانه طلبة العلم من يتذاكر معه، ويستغلون الأوقات في مذاكرة أبواب مسائل وأمور تتعلق بالعلم، فيكون المجلس مفيداً، يكون المجلس مفيداً. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. إذن يجالس الإنسان من تحصل بينه وبينهم الفائدة. وكان السلف يا إخوان حريصين على المذاكرة، حريصين على المذاكرة، يجلس أحدهم يتذاكر مع أخيه، لربما من بعد صلاة العشاء، صليا، جلس كل واحد إلى زميله إلى أخيه يتذاكران أحاديث، فلا يشعران بمرور الوقت، فبينما هما كذلك إذا بالمؤذن دخل لكي يؤذن لصلاة الفجر، لصلاة الفجر. وما أحلى المذاكرة يا إخوان، سواء كانت مذاكرة آيات، أحاديث، آثار، أشعار، كل ذلك يعود على المرء بالفائدة. فهذا أدب من آداب طالب العلم في حياته العلمية. أسأل المولى عز وجل أن يحفظنا جميعاً، وأن يوفقنا لكل خير، ويصرف عنا كل شر وضير، وأن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.