التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 27

التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 27

الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 27، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

سيرة الشيخ مقبل الوادعي ونشأته العلمية

يواصل المحاضر سلسلة تراجم العلماء المعاصرين بالحديث عن الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، مستعرضًا نشأته يتيمًا في بيئة شيعية فقيرة ورحلته في طلب العلم بين اليمن ونجران والحجاز. استقر الشيخ لاحقًا وأسس مركزًا علميًا عالميًا جذب طلاب العلم من أنحاء العالم.

همة الشيخ الوادعي العالية وزهده في الدنيا

يبرز المقطع همة الشيخ مقبل العالية في طلب العلم ونبذه للدنيا رغم تيسرها، حيث رجع بالعلم النافع والدعوة السلفية التي نشرها طلابه عالميًا. ويوضح وصيته لطلاب العلم بجعل الدنيا تابعة للعلم مع التحذير من الاشتغال بها مستشهدًا بأبيات شعرية وقصة ابن المبارك.

صبر الشيخ الوادعي على الفقر واليتم في طلب العلم

يصف المقطع معاناة الشيخ مع اليتم والفقر الشديد والجوع، وصبره على طلب العلم رغم إغراءات الدنيا وضغوط أهله للعمل. ويبرز قناعته باليسير من الرزق ورفضه بيع الدين بالدنيا وتمسكه ببذل العلم النافع للمسلمين.

خاتمة الدرس والدعاء بالختم الحسن

يعلن المتحدث انتهاء الوقت المخصص للدرس معبرًا عن نيته استكمال ما تبقى في وقت لاحق إن شاء الله. ويختتم الجلسة بالدعاء والثناء على الله والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع تراجم علمائنا المعاصرين الراحلين الذين برحيلهم فقدت الأمة من العلم الشيء الكثير، وما ذهاب العلم إلا بذهاب حملته، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينزع العلم انتزاعًا من صدور الرجال، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». ومن أشراط الساعة وعلاماتها التي تدل على قرب وقوعها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يرفع العلم ويظهر الجهل. وفي اليوم الذي دفن فيه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال بعض التابعين وهو مورد العجلي رحمه الله تعالى: «لقد دفن اليوم علمًا كثيرًا، لقد دفن اليوم علمًا كثيرًا». وما أحوجنا إلى أن نستفيد من تجارب وخبرات العلماء السابقين الراسخين الراحلين، وهكذا أيضًا الباقين منهم. وآخر من تكلمنا عنه من هو يا إخوان؟ آخر من تكلمنا عنه من هؤلاء الراحلين من العلماء؟ نعم، عندك يا أبا سعد. أحسن. كان الحديث حول محدث اليمن، بل والجزيرة، الإمام المجدد لهذه الدعوة المباركة، ولا سيما في البلاد اليمانية، فضيلة شيخنا العلامة المحدث أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي بن مقبل الوادعي الهمداني، رحمه الله تعالى وغفر له. وسبق معنا عدة مجالس في الكلام حول حياته وسيرته وترجمته، والمراحل التي مر بها منذ أن كان صغيرًا، والمجتمع الذي نشأ فيه، وكان مجتمعًا شيعيًا، وهكذا دراسته عندهم، ثم ذهابه إلى المملكة للعمل، وهنالك وفق إلى التعرف على دعوة أهل السنة، وقرأ في كتب أهل السنة، وجلس مجالس علماء أهل السنة، فرجع إلى بلده وبقي فيها ما بقي داعيًا وناصحًا ومصلحًا. وهنا وجد أذى من المخالفين، ولا سيما الشيعة، واضطر إلى أن يدرس عندهم برهة من الزمن، ثم بعد ذلك انتقل إلى نجران ودرس هناك، ثم انتقل إلى الرياض وجلس هناك ودرس، ثم بعد ذلك انتقل إلى مكة المكرمة ودرس في معهدها، وانتقل بعد ذلك إلى المدينة النبوية وكانت دراسته في الجامعة الإسلامية. وكان رحمه الله تعالى نموذجًا للطالب المجتهد. لاحظوا: نشأ يتيمًا، ونشأ في بيئة شيعية، ونشأ فقيرًا، احتاج إلى أن يعمل، يعمل في النهار ويدرس في المساء، وطلب العلم، وماذا؟ وكان سنه ليس صغيرًا، وإنما قد مضى من العمر ما مضى. ثم انظر إلى العلم الذي حازه، وهكذا إلى المكانة التي نالها. وآخر ما وقفنا عنده بعد أن استقر في بلده وأقام مركزه، ووفد عليه طلاب العلم من اليمن وخارج اليمن، ساق الله ساق الله إليه طلاب العلم من أنحاء الدنيا وأسقاع المعمورة. يأتي الطالب من أمريكا ليدرس عند الإمام الوادعي، يأتي من أعماق أوروبا، يأتي من إفريقيا، من جنوب شرق آسيا، يأتي من أنحاء كثيرة لكي ينهل من علمه. ولهذا ذكر بعض العلماء كالشيخ ربيع بن هادي المدخلي، حفظه الله تعالى وعافاه، وختم له ولنا بالحسنى، ذكر أنه منذ زمن عبد الرزاق الصنعاني - لاحظوا زمن عبد الرزاق الصنعاني الذي رحل إليه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني، وكان البخاري في رحلته إليه لكن بلغه خبر موته - من ذلكم الزمان لم تقم دعوة على الكتاب والسنة كما قامت في عهد شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى. صفحات مضيئة من مراحل الشيخ التعليمية: محصلًا، أي طالبًا، وهكذا أيضًا معلمًا، يستفيد منها طلاب العلم. ومن هذه الصفحات: أولاً، الهمة العالية التي عرف بها الشيخ رحمه الله تعالى، وهذه تتمثل في نبذه للدنيا مع تيسرها أو تيسر جمعها. أتته الدنيا يا إخوان فردها، ولم يقبلها، ولم تقبلها. فقد اغترب ورجع من الاغتراب بماذا؟ الناس ترجع بالأموال، والشيخ رحمه الله تعالى يرجع بالعلم النافع والدعوة السنية السلفية والمنهج القويم، فرجع بما فيه عزه، وهكذا ما فيه عز بلده، بل وعز اليمن عامة، بل والعالم عامة. فها هم طلابه وتلاميذه في شرق الدنيا وغربها، ما تذهب بلدًا ولا تصعد جبلًا ولا تنزل سهلًا إلا وتجد من طلابه من يدرس الكتاب والسنة، تجد مساجد أو مسجد الإمام الوادعي في بريطانيا، في أمريكا، تجده في إفريقيا، في إندونيسيا، في غيرها من أنحاء الدنيا. فرجع بما فيه عزه وعز بلده، وهكذا عز انتشر في العالم أسره. وكما سبق، لاحظوا: كان يحترف ويشتغل في النهار، وماذا؟ ويرجع في المساء ويطلب العلم. وكان رحمه الله تعالى يرى أن طالب العلم يجب أن يجعل الدنيا تابعة للعلم والدين، لا يقدم الدنيا على علمه وتعليمه، ولا على دينه. وكان رحمه الله تعالى يقول: «لا يفلح أحد من طلبة العلم إلا إذا جعل الدنيا لوقت فراغه، إلا إذا جعل الدنيا لوقت فراغه». وكان رحمه الله تعالى كثيرًا ما يحفظ طلابه في حلقته هذه الأبيات، ألا وهي قول الشاعر: «عنوا يطلبون العلم في كل بلدة شبابًا، فلما فلما حصلوه وحشروا، وصح لهم إسناده وأصوله، وصاروا شيوخًا ضيعوه وأدبروا، وصاروا شيوخًا ضيعوه وأدبروا، فمالوا إلى الدنيا فهم يحلبونها بأخلافها، مفتوحها لا يصرر، فيا علماء السوء أين عقولكم، فيا علماء السوء أين عقولكم، وأين الحديث المسند المتخير؟». والشيخ رحمه الله تعالى ربى وعلم وأدب، لكن أتت الدنيا وأتت الحزبيات، فأخذت من أخذت من طلابه الكبار، فكان يتمثل بهذه الأبيات. وهكذا كان يحفظ طلابه أبيات الإمام المحدث أبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، منكرًا على أحد تلاميذه، ألا وهو إسماعيل بن إبراهيم بن علية. وكان ابن المبارك يا إخوان تاجرًا، تاجرًا، وكان ينفق على طلاب العلم، وكان يقول: «لولا أنتم ما اتجرتم». وكان ممن ينفق عليهم إسماعيل بن علية، فولي، فولي إسماعيل القضاء، أصبح قاضيًا، فأرسل إليه ابن المبارك هذه الأبيات، كما في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وهكذا في جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: قال ابن المبارك: «يا جاعل العلم له بازيًا، بازيًا، والباز معروف، شبيه الصقر يصطاد به. قال: يا جاعل العلم له بازيًا يصطاد به أموال المساكين، احتلت للدنيا ولذاتها بحيلة تذهب بالدين، فصرت مجنونًا بها بعدما كنت دواة للمجانين، فصرت مجنونًا بها بعدما كنت دواة للمجانين. لا تبع الدين بالدنيا، كما لا تبع الدين بالدنيا كما يفعل ظلال الرهابين. أين روايتك فيما مضى عن ابن عون وابن سيرين؟ أين أحاديثك والقول في لزوم أبواب الصلاطين؟ إن إن قلت أكرهت فذا باطل، زل حمار العلم في الطين». وكان رحمه الله تعالى مثالًا عظيمًا في الهمة العالية، وكذلك أيضًا الرغبة في العلم النافع وبذله للمسلمين، وبعده عن الدنيا. ومن هذه الصفحات كذلك: صبره على طلب العلم ونشره. فكما سبق معنا، كم تحمل من المشاق والمتاعب في سبيل تحصيل العلم النافع حين كان طالبًا، وهكذا أيضًا حين صار عالمًا ومعلمًا. لاحظوا كيف صبر على اليتم، اليتم يا إخوان ليس بالأمر الهين، أن ينشأ الشخص يتيمًا، وفي نفس الوقت أمه كانت تزهده عن طلب العلم وتحثه على طلب الدنيا والعمل، والعمل لها. وهكذا أيضًا صبر على المجتمع الذي فقد علم الكتاب والسنة وانتشر فيه التشيع. ومنذ بداية طلبه للعلم لم يكن هناك من يساعده على طريقه التي يسلكها، التي يسلكها. فكما سبق، كان رحمه الله تعالى يعمل وكان يتعلم، وليس عيبًا يا إخوان أن طالب العلم يتعفف فيعمل ويكسب له رزقًا يعفه عن السؤال أو الاستشراف لما عند الآخرين، لما عند الآخرين. وكان دائمًا إذا ذكر دراسته في جامع الهادي بصعدة يقول: «اليوم الذي نجد فيه خبزًا ناشفًا مع شيء من الطماطم يعتبر أسعد يوم وأهنأ يوم من حيث المأكل، من حيث المأكل». ويذكر رحمه الله تعالى أنه كان في بعض الأيام من شدة الجوع، يا إخوان، الجائع ماذا يفعل؟ من شدة الجوع يذهب إلى خزانة الخبز أو المكان الذي يرمى فيه الخبز فيبحث عن كسرة خبز، فماذا؟ لكي يأكلها ويهدأ ما به من جوع، فيجد أن هذه الكسرة قد عليها خيوط العنكبوت، عليها خيوط العنكبوت، ماذا يفعل بها؟ فيمسح عنها ذلك ويأكلها، ويأكلها. وذكر رحمه الله تعالى أنه عندما رحل من نجد إلى مكة لم يكن عنده إلا إيجار السيارة، يعني حق، حق، حق المواصلات، صح؟ نعم، إيجار السيارة، قال: وشيء من التمر، وشيء من التمر، وأنه بقي على ذلك مدة من الزمن يشرب من ماء زمزم ويأكل من هذا التمر حتى نفد ما عنده، حتى نفد ما عنده. ثم كان يعاني من عدم وجود مال ينفقه على نفسه. قال الشيخ رحمه الله تعالى عن نفسه في مكة: «بقيت في مكة أشرب ماء وآكل تمرًا حتى انتهى التمر، ماذا أصنع؟ وأردت أن أشتغل، وإن ذهبت إلى أصحابي يعني أهل البلاد هناك في مكة، شغلوني باللهو والطرب، هذا حال، حال العزب في أرض الغربة، إلا من رحم الله عز وجل. قال: وإن ذهبت إلى الحرم، بردت، أي أصابه البرد. قال: بعد ذلك اشتريت لي بطانية، وأشرب من ماء زمزم، وما تيسر من الطعام، ونوم في الحصوة، ويعلم الله أني أتصور أني ملك». لاحظوا: ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه، أهم شيء أن يكون ماذا؟ يتحصل على العلم النافع، على العلم النافع. هذه الصفحات مضيئة وعظيمة، لكن قد أتى الوقت على نهايته، ونكمل إن شاء الله عز وجل ما تيسر منها في وقت لاحق. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر