الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 25، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يواصل الدرس ترجمة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي مستعرضاً إقامته ست سنوات في معهد الحرم المكي وهجرته للمدينة للدراسة في كلية الدعوة وأصول الدين وكلية الشريعة. أنهى الكليتين والتحق بالدراسات العليا متخصصاً في علم الحديث على يد علماء كبار مما يعكس همته العالية في طلب العلم.
يتناول المقطع جانباً من سيرة الشيخ حمد بن محمد الأنصاري في نشر العلم بالمدينة النبوية وإقامة دروس واسعة انتفع بها طلبة العلم. أثار ذلك حفيظة المقلدة فوشوا بهم واعتقل نحو مئة وخمسين طالب علم لمدة شهر ثم أفرج عنهم مع عنايتهم بتخريج الأحاديث.
يتناول المقطع فتنة جهيمان العتيبي واستيلاءه على الحرم المكي عام 1400هـ بدعوى المهدية وموقف الشيخ مقبل الرافض لتلك الأفكار. أدى ذلك لاتهامه زوراً وترحيله إلى اليمن قبل الحادثة فتحولت المحنة إلى منحة بتأسيس دار الحديث بدماج منارة علمية عالمية.
يختتم المتحدث الدرس بالاكتفاء بما ذُكر من ترجمة الشيخ مقبل الوادعي والشيخ حمد الأنصاري. يصلي على النبي محمد ويحمد الله ويذكر أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع تراجم علمائنا المعاصرين الراحلين. وكان آخر ما تكلمنا عنه في الدرس الماضي هو ترجمة شيخنا الإمام العلامة المحدث أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي بن مقبل الوادعي رحمه الله تعالى. وهذا هو المجلس الثالث من المجالس التي نتدارس فيها ونتذاكر بعض جوانب ترجمته رحمه الله تعالى. وكان آخر ما تكلمنا عنه هو استقرار الشيخ رحمه الله تعالى بمكة، وأتى بأهله واستقر بمكة مدة الدراسة في المعهد، معهد الحرم المكي، وكانت قرابة ست سنوات. فكان في النهار في المعهد، وبعد العصر إلى بعد العشاء في الحرم مع دروس المشائخ في الحرم المكي. وبعد الانتهاء من معهد الحرم، من المتوسط وهكذا أيضا من الثانوية، وكانت الدروس دروسا دينية، عزم الشيخ رحمه الله تعالى على أن ينتقل إلى المدينة النبوية لكي يدرس في جامعتها الإسلامية. فهاجر هو ومعه غيره من طلاب العلم إلى المدينة، والتحقوا بجامعة الجامعة الإسلامية، وانضموا إلى كلية الدعوة وأصول الدين. وكان من أبرز المشائخ الذين كانوا يدرسون بها الشيخ السيد محمد الحكيم، وهكذا أيضا الشيخ محمود عبد الوهاب فائد، وكلاهما مصري. وكان المدرسون من المصريين في تلك الحقب من الزمان منتشرين في المملكة، ومنهم من يحمل المنهج السلفي، ومنهم من كان مبتلى بالأفكار الإخوانية. وهذا من الأمور التي عانت ولا تزال تعاني منه المملكة العربية السعودية، آثار تركها بعض المدرسين الذين قدموا من مصر ويحملون تلكم الأفكار الإخوانية والحزبية. والشيخ رحمه الله تعالى عند أن جاءت العطلة قال: خشيت من ذهاب الوقت وضياعه، قال: فانتسبت في كلية الشريعة. لاحظوا إلى الهمة يا إخوان، في العطلة ما قال فرصة رحلات، فسحات، وأكلات، وألعاب وغيرها أبدا. طالب العلم يا إخوان من أغلى ما يملك هو وقته. الشيخ في العطلة خشي من ذهاب الوقت فانتسب في كلية الشريعة، قال: لأمرين: الأول التزود من العلم، الأمر الثاني أن الدروس متقاربة وبعضها متحدة، قال: فهي تعتبر مراجعة لما درسنا في كلية الدعوة. قال: وانتهيت بحمد الله من الكليتين وأعطيت شهادتين. قال: وأنا بحمد الله لا أبالي بالشهادات، المعتبر عندي هو العلم، المعتبر عندي هو العلم. وهذا يا إخوان إن دل على شيء دل على همم عالية لدى العلماء، وأن من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة. اليوم طالب العلم قد يكون عنده عطلة في الأسبوع على سبيل المثال يوم الخميس والجمعة، هل معنى ذلك أن هذه العطلة للعب؟ نذهب ونستأجر ملعبا أو نستأجر فندقا أو نقضي ساعات طويلة في الأسواق أو غيرها؟ الجواب لا، هذه العطلة ينبغي أن نجتهد فيها أكثر، نراجع دروس أسبوع كامل، نراجع محفوظات أسبوع كامل، وهكذا تكون الهمم عالية في طلب العلم. هذا إذا أردنا أن نبرز، هذا إذا أردنا أن نستفيد، هذا إذا أردنا أن نحصل العلوم ونطرق الفنون. وأما من كان همته في اللعب وتضييع الأوقات مع الشبكات ومع غيرها من الأمور، فهذا قد يسبقه المجتهدون. الشيخ رحمه الله تعالى بعد أن أكمل الدراسة في كلية الدعوة وأصول الدين وكلية الشريعة، التحق بالدراسة العالية لنيل الشهادة العالمية المسماة بالماجستير. وهذا كان بعد أن انتهائه، فتحت في الجامعة الإسلامية الدراسة العالمية، فتقدم الشيخ رحمه الله تعالى لاختبار المقابلة، قال: ونجحت بحمد الله تعالى. وهنا يا إخوان تخصص في علم الحديث، في علم الحديث. قال: وبحمد الله حصلت الفائدة التي أحبها، وكان أبرز من درسنا عليه أي في الماجستير في علم الحديث الشيخ محمد الأمين المصري رحمه الله تعالى، وهكذا الشيخ محمد الحكيم المصري رحمه الله. قال: وفي آخرها الشيخ حمد بن محمد الأنصاري رحمه الله. قال: وكنت أحضر بعض الليالي درس الشيخ عبد العزيز بن باز في الحرم المدني في صحيح مسلم، وأحضر كذلك مع الشيخ الألباني في جلساته الخاصة بطلبة العلم للاستفادة. ولاحظوا يا إخوان جانب مهم في دراسة الشيخ رحمه الله تعالى أنه كان مع دراسته يدرس إخوانه، يدرس إخوانه. فذكر رحمه الله تعالى أنه منذ أن كان يدرس في معهد الحرم المكي أنه كان يدرس بعض طلبة العلم في قطر الندى، وهكذا أيضا في التحفة السنية. وأيضا عند أن كان في بيئة المدينة، قال: كنت أدرس بعض إخواني في الحرم المدني في التحفة السنية. قال: ثم وعدت إخواني في الله بدروس في بيتي بعد العصر في جامع الترمذي، وقطر الندى، والباعث الحثيث. قال: وانتشرت دعوة كبيرة في المدينة، أو من المدينة، ملأت الدنيا في مدة ست سنوات. بعض أهل الخير الذين يسعون في تمويلها، ومقبل بن هادي وبعض إخوانه في الله هم الذين يقومون بتعليم إخوانهم. قال: وأما الرحلات للدعوة إلى جميع أنحاء المملكة، يعني يخرجون دعوة إلى الله عز وجل، قال: فمشترك بين الإخوان كلهم، فطالب العلم للتزود من العلم ولإفادة الآخرين، والعام للتعلم. قال: حتى استفاد كثير من العام وأحب الدعوة وأحب الدعوة. والشيخ رحمه الله تعالى عانى كثيرا كما عانى غيره من المقلدة والمتعصبة، ومن بعض علماء السوء، وكان ذلك بسبب تحركهم الدعوي، وهكذا الدروس التي كانوا يقومون بها التي تعتبر نهضة وتعتبر خيرا لدى طلاب العلم، ولا سيما يا إخوان في معرفة السنة، في معرفة السنة والعناية بتخريجها وتحقيقها. فكان طلاب العلم يهتمون بتخريج الأحاديث، وهذا شيء لم يتعود عليه ولم يألفه المقلدة، ما اعتادوا أنهم إذا أتوا بحديث أن يقال لهم: من أخرج هذا الحديث ومن صححه؟ فكان بعضهم يتضايق من ذلك، يتضايق من هل الحديث صحيح أو ضعيف، ومن في سند هذا الحديث، وأن الحديث قد ضعفه فلان وفلان من المتقدمين والمتأخرين وغيرهم. فهنا باحت على هؤلاء المقلدة والمتعصبة الأرض بما رحبت، وأشاعوا أن الشيخ ومن معه من العلماء وطلاب العلم أنهم خوارج إلى غير ذلك. قال الشيخ: وحاشاهم من ذلك. وذكر الشيخ رحمه الله تعالى أنه قد تحصل من بعض المبتدئين الذين تغلب عليهم الحماسة الزائدة والاندفاع قد تقع من بعضهم بعض الأخطاء وبعض السقطات، التي كان قد يستغلها بعض هؤلاء المتعصبة والمقلدة. كان الشيخ رحمه الله تعالى مشغولا برسالته الماجستير، وبسبب الإغراءات، وبسبب هذه الدعاوى والإرجافات، قال الشيخ: فما شعرنا ذات ليلة إلا بالقبض علينا. قال: فقبضوا على نحو مئة وخمسين من طلاب العلم، وهرب من هرب، وارتجت الدنيا بين منكر ومؤيد. قال: فبقينا في السجن نحو شهر أو شهر ونصف. قال: وبعدها خرجنا بحمد الله أبرياء. وكان الشيخ رحمه الله تعالى يكرر في دروسه كلمة لشيخه الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «لو استطاعوا أن يرموا الداعي إلى الله عز وجل أنه يأتي أمه لفعلوا»، من باب تشويه الصورة، من باب تشويه الصورة. الشيخ رحمه الله تعالى أتم رسالة الماجستير، وكانت رسالة الشيخ رحمه الله تعالى في الماجستير في علم الحديث، كان موضوعها «الإلزامات والتتبع» وكلاهما للإمام الدارقطني رحمه الله تعالى، وهي تتعلق بعلم العلل الذي هو من أصعب علوم مصطلح الحديث. الإلزامات والتتبع: إلزامات يعني أحاديث ألزم بها أو ألزم بإخراجها البخاري ومسلم لأنها صحيحة ولم يخرجاها في الصحيحين. ومن المعلوم أن البخاري ومسلم لم يستوعبا إخراج جميع الأحاديث الصحيحة. وهكذا أيضا التتبع للأحاديث المنتقدة في البخاري ومسلم، دارقطني تتبع أحاديث في الصحيحين وانتقدها كما انتقدها غيره من الحفاظ، فكان في بعضها الصواب مع الدارقطني، وكان في بعضها الآخر الصواب مع الشيخين. فمن هما الشيخان؟ فمن هما الشيخان عند أصحاب الجدران؟ بدءا من أبي عبد الله إلى أبي عبد الله إلى أبي سالم إلى محمد بن سليم إلى أبي صلاح. طيب، واحد، نعم: البخاري ومسلم، البخاري ومسلم رحمة الله عليهما. أحيانا يا إخوان إذا طال السرد غفل القلب وغمضت العين وذهب صرح الذهن بعيدا، فالأسئلة يا إخوان تجعل الذهن في الغالب حاضرا. حصلت يا إخوان فتنة للشيخ رحمه الله تعالى ولغيره، هذه الفتنة ذا عاصيتها واشتهر أمرها، هي فتنة المدعو جهيمان العتيبي، جهيمان العتيبي. وجهيمان هذا هو ابن محمد الصقري العتيبي، ولد في أول رجب عام ألف وثلاثمائة وخمس وخمسين من الهجرة، يعني ما يوافق السادس عشر من شهر سبتمبر عام ألف وتسعمائة وست وثلاثين. جهيمان العتيبي هذا تخرج من الجامعة الإسلامية، وقاد عملية الاستيلاء على الحرم المكي. شباب عندهم حماس، وعندهم طموح، لكن هناك قصور في الجانب العلمي، في الجانب العلمي. وحركة الاستيلاء على الحرم المكي كانت في الأول من شهر محرم عام ألف وأربعمائة من الهجرة. وخلاصتها يا إخوان هو أن هناك رجلا يقال له محمد بن عبد الله القحطاني، وكان جهيمان متزوجا بأخت هذا القحطاني، والقحطاني ادعى أنه المهدي، وسبب ادعائه هو أن تتابعت الرؤى من قبل كثير من الناس يرون أن القحطاني هذا هو المهدي. فهنا قام هؤلاء الشباب بهذه الحركة، أدخلوا الأسلحة إلى الحرم المكي، وقام جهيمان العتيبي بعد الصلاة ويطالب بأخذ البيعة لصهره محمد بن عبد الله القحطاني على أنه هو المهدي المنتظر. وحصل يا إخوان سفك للدماء، حصل سفك للدماء في المسجد الحرام، في المسجد الحرام، وحصلت فتنة عظيمة، قتل من الحرس والجنود من قتل، وقتل ممن مع جهيمان العتيبي من قتل. الشيخ رحمه الله تعالى واجه علبية، حتى أن الشيخ رحمه الله تعالى يذكر أنه قبل خروج جهيمان، أخرج جهيمان رسائل يدعو فيها إلى أفكاره، فاستدعوا الشيخ رحمه الله تعالى، قالوا: من كتب هذه الرسائل؟ جهيمان ما يستطيع يكتبها، ما في إلا أنت، أنت الذي كتبتها. والشيخ رحمه الله تعالى بين لهم أنه لم يكتبها، وأنه لا يقر جهيمان ومن معه على هذه الأفكار الخاطئة التي لا يقرها أهل العلم، التي لا يقرها أهل العلم. وأشهد من هذا أن الشيخ رحل، وكان ترحيله كما ذكر الكثير قبل أن يقوم جهيمان العتيبي بهذه العملية في الحرم المكي. ورحل الشيخ إلى اليمن، ونزل في بلده صعدة. وبعد ذلك قام بعض الخيرين بإرسال مكتبته الكبيرة، مكتبة عظيمة يا إخوان كانت عنده، وحاول الشيعة مصادرة هذه المكتبة، إلا أنه تدخل بعض الخيرين من المسؤولين فقام بإخلاء سبيلها، وماذا أتت المكتبة إلى الشيخ. وبني للشيخ في بلده دماج، ولواء صعدة، بني له مسجد صغير ومكتبة توضع فيها الكتب، وقدم بعض المصريين للدراسة عنده، وهكذا بعض أهل بلده. وما هي إلا فترات وإذا بطلاب العلم يتتابعون من مصر والجزائر والمغرب وليبيا، وهكذا من بلجيكا، وهكذا من الكويت وغيرها من البلدان، فجعل طلاب العلم يتوافدون على الشيخ في بلده دماج. وأسست يا إخوان دار الحديث بدماج، وبدأت مرحلة جديدة في حياة الشيخ. والذي نحب أن ننبه عليه فيما مضى أن الشيخ ما كان يوافق جهيمان العتيبي ومن معه من المتحمسين، وأنه كان يناصحهم، لكن قد يغلب السيف العدل، السيف العدل، فوقع ما وقع. وكان في ترحيل الشيخ يا إخوان كان فيه مصلحة عظيمة، ألا وهي دعوة عظيمة ملأت الدنيا، وانتشر نفعها في أسقاع الدنيا وأنحاء المعمورة. يأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل الكلام حول الشيخ رحمه الله تعالى بدار الحديث بدماج، وما هي أو ما هو الخير الذي جعله الله تعالى على يد هذا العالم وهذا الإمام رحمه الله تعالى. نكتفي بهذا، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر