الدرس في كتاب الصلاة 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
سجود السهو مشروع عند ترك واجب في الصلاة مثل التشهد الأول، أو عند نسيان ركن من أركان الصلاة. يدل على ذلك حديث عبد الله بن بحينة وأبي هريرة رضي الله عنهما.
إذا شك المصلي في عدد الركعات ولم يترجح عنده شيء بنى على اليقين وهو الأقل وسجد سجدتين قبل السلام. إذا غلب على ظنه شيء بنى عليه وسجد سجدة بعد السلام.
المأموم لا يسجد للسهو إذا سها مع الإمام، وإن سهى الإمام فالمأموم يتابعه. سجود السهو يكون قبل السلام إذا بنى على اليقين، وبعد السلام إذا بنى على غلبة الظن.
سجدتا السهو تجبران السهو وتذل الشيطان الذي يحاول إفساد صلاة الإنسان. الحديث عنهما يفيد الترغيم للشيطان وإن كان الحديث ضعيف السند.
بسم الله الحمد لله وصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين، ولا أما بعد. قال المصنف رحمه الله: باب سجود السهو وغيره من سجود التلاوة والشكر. قال: حديث السابع بعد الأربعين: مياه، وعن عبد الله بن بحينة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس وسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم. أخرجه السبعة، وهذا اللفظ للبخاري. وفي رواية لمسلم: يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس. هذا الحديث في مشروعية سجود السهو إذا سهى المصلي في صلاته، وهذا السهو إما أن يكون بزيادة، وإما أن يكون بنقصان، وإما أن يكون بشك. هذه الثلاثة هي أسباب سجود السهو، ستأتي أحاديث في بيان هذه الثلاثة الأسباب. فإذا سهى فترك واجباً من الواجبات، أو زاد ركناً، أو أنقص ركناً، فإنه في حال النقصان يأتي به ثم يسجد لسهو، وفي حال الزيادة كما سيأتي يسجد لسهو، فتصح صلاته. وفي حال الشك سيأتي فيه ذكر التفصيل. ففي حديث ابن بحينة: أن النبي صلى بهم الظهر، فقام عليه الصلاة والسلام من الركعتين إلى الركعة الثالثة ولم يجلس للتشهد، وقام الناس معه، فتابعوه. حتى إذا قضى الصلاة -أي صلى ركعتين الأخيرتين- وانتظر الناس أن يسلم، كبر وهو جالس وسجد سجدتين -أي سجدتي السهو- قبل أن يسلم، ثم سلم. ففي هذا الحديث دليل على أن من ترك التشهد الأول وقام إلى الركعة التي بعدها، فإنه لا يرجع، بل يستمر في صلاته. وكذلك أيضاً فيه أن المأمومين يتابعون الإمام بترك هذا الواجب، وإن كانوا ذاكرين له؛ لأنه يجب عليهم متابعة الإمام، فيتركون التشهد ويتابعون الإمام في القيام. وكذلك أيضاً فيه: أن من سهى فترك التشهد يكمل صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام؛ لأنه أنقص في الصلاة -أنقص التشهد- وحينئذ يأتي بالتشهد قبل السلام. وفي هذا الحديث كذلك دليل على أن التشهد الأول واجب؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم جبره بسجود السهو. وفيه أيضاً دليل على قاعدة تستلزم بها أهل العلم، وهي قولهم: "يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً". فهذا المأموم لو ترك التشهد الأول وهو يصلي وحده متعمداً، بطلت صلاته؛ لأنه ترك واجباً عمداً، فتبطل الصلاة. لكن لما تركه عمداً متابعة للإمام، لم تبطل صلاته؛ فيثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً. وفيه كما ذكرنا أيضاً مشروعية سجود السهو إذا أنقص المصلي شيئاً من صلاته. قال: الحديث الثامن بعد الأربع مئة: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي ركعتين -يعني الظهر أو العصر- ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها. وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه. وخرج سرعان الناس -يعني المسرعين- فقالوا: قصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي صلى الله عليه وسلم ذا اليدين؛ لأنه كان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت؟ فقال: لم أنسى ولم تقصر -يعني في ظني- فقال: بلى قد نسيت. فصلى ركعتين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر. متفق عليه، واللفظ للبخاري. وفي رواية لمسلم: صلاة العصر. ولأبي داود: فقال أصدق ذو اليدين، فأومأوا -أي نعم- وهي في الصحيحين، لكن من أبو داود قال: فقالوا. وفي رواية له: ولم يسجد حتى يقنعه الله تعالى ذلك. هذا الحديث كما سمعتم: صلى النبي عليه الصلاة والسلام إحدى صلاتي العشي ركعتين -الظهر أو العصر- وقام وسلم، وقام يظن أنه قد أكمل الصلاة، وخرج المسرعون من المسجد، فقال ذو اليدين للنبي صلى الله عليه وسلم: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ -يعني هل نزل وحي بقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين أم أنك نسيت وصليت ركعتين وتركت ركعتين؟- فقال عليه الصلاة والسلام: لم أنسى ولم تقصر -يعني في ظني على حسب ظنه عليه الصلاة والسلام- فلما قال كما قال ذو اليدين قالوا: نعم. قام فأتى بركعتين ثم سلم، ثم سجد لسهو بعد السلام. ففي هذا الحديث: أن من أنقص من الصلاة شيئاً من أركانها -كان ينقص ركعة أو ركعتين- فإنه إذا ذكر أو ذكر يقوم ويأتي بما ترك فيكمل الصلاة، ثم يسلم، ثم يسجد لسهو بعد السلام؛ لماذا؟ لأن هنا فيه زيادة وهو زيادة السلام، وكان ينبغي أن يكمل الصلاة ثم يسلم آخر الصلاة، فحينئذ يكمل صلاته ثم يسلم ثم يسجد لسهو بعد السلام. وكذلك أيضاً فيه: أن من نسي شيئاً من الصلاة ثم ذكر، وكان الفاصل يسيراً -الوقت قليل بين سلامه من الصلاة وبين تذكره لما ترك من الصلاة- إذا كان الفاصل يسيراً عرفاً، فإنه يتم على صلاته الأولى. أما إذا طال الفصل، فإنه يستأنف الصلاة من جديد؛ يعني مثلاً سلم من ركعتين وخرج الناس وتفرقوا، ثم ذكر بعد زمن أنه أنقص من الصلاة ركعة أو ركعتين، فهنا يستأنف الصلاة من جديد ويعيدها من جديد؛ لأن الفصل قد طال، فحينئذ تبطل الصلاة ويأتي بها من جديد. وفيه كذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام بشر ينسى كما ينسون، وسيأتي هذا في ثم سعود التصريح بذلك منه عليه الصلاة والسلام أنه بشر ينسى كما ينسون. ومن حكمة الله جل وعلا: أن الله عز وجل أنسى نبيه شيئاً من الصلاة ليشرع للنجاس أحكام سجود السهو ليشرع لهم أحكام سجود السهو. وكذلك أيضاً: هل في هذا الحديث دلالة على عدم قبول خبر الآحاد؟ الجواب: لا. قال بعضهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما قبل خبر ذي اليدين حتى قال للناس: أصدق ذو اليدين، أو كما قال. وقال بهذا من رد حديث الآحاد كالمعتزلة. قال: فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل خبر ذي اليدين حتى تابعه غيره. والجواب عن هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد التأكد فقط، ولم يرد رد كلامه. وإلا فخبر الذين تابعوا ذا اليدين ليسوا واحداً، ليسوا واحداً، لم يبلغ مبلغ التواتر. فليس في الحديث دلالة على عدم قبول خبر الآحاد. وأيضاً استدل بهذا الحديث من قال: بأن الكلام في الصلاة لمصلحة الصلاة لا يضر بالصلاة. قال: لأن الصحابة تكلموا -تكلم ذو اليدين وتكلم النبي صلى الله عليه وسلم- وأكملوا صلاتهم. والصحيح: أن الكلام في الصلاة -ولو كان لمصلحة الصلاة- يبطل الصلاة. وهؤلاء تكلموا بعد أن سلموا وخرجوا من الصلاة -بعد أن خرجوا من الصلاة- ولم يتكلموا في داخل الصلاة. فرق بين الأمرين. قال: الحديث التاسع بعد الأربع مئة: وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله. فقام إليه رجل يقال له الخرباق -وكان في يديه طول- فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه -يعني أنه صلى ثلاث ركعات- وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم. فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم. رواه مسلم. هذا الحديث نحو الحديث الذي قبله: أن من أنقص شيئاً من الصلاة، فإنه يأتي به إذا ذكر ويبني على صلاته، ثم يسجد لسهو بعد السلام. قال: حديث العاشر بعد الأربع مئة: وعنه رضي الله عنه -يعني عمران بن حصين- أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم، فسهى، فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم. رواه أبو داود والترمذي وحسنه. في هذه الرواية ذكر التشهد -يعني لما سجد لسهو سجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم- وذكر التشهد في هذا الحديث شاذ غير محفوظ. وقد ضعفه البيهقي ومن عبد البر؛ وذلك أنه شذ فيه أشعث، وخالف الحفاظ الذين رووا هذا الحديث عن ابن صيرين ولم يذكر أحد منهم التشهد. فروايته شاذة. وما ورد في ذكر التشهد قبل السلام من سجدتي السهو فلا يثبت ولا يصح. جاء نحو ذلك عن ابن سعود، وأيضاً فيه ضعف. وقد تتبعها شيخنا رحمه الله في كتاب "أحاديث معلة ظاهرها الصحة". والحيث الصحيحة التي مرت معنا، وما سيأتي أيضاً ليس فيها ذكر التشهد. فإنما كان يسلم النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسجد للسهو ثم يسلم من غير أن يتشهد -من غير أن يتشهد- يعني لا يجعل لسجود السهو تشهد مستقل. إن كان قبل السلام فهو تشهد الصلاة، يتشهد للصلاة ثم يسجد لسهو ثم يسلم. وإن كان بعد السلام فيسجد لسهو ثم يسلم من غير تشهد. هذا هو الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حديث الحادي عشر بعد الأربعمائة: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدري كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك وليبني على يقين، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم. فإن كان صلى خمساً شفعنا له صلاته، وإن كان صلى تماماً كانتا ترغيما للشيطان". رواه مسلم. هذا الحديث الآن في ذكر السبب الثاني من أسباب سجود السهو، وهو الشك. إذا حصل للإنسان شك في الصلاة. في هذا الحديث: إذا شك الإنسان في صلاته ولم يدري كم صلى -لا يدري صلى ثلاث أم أربع، اثنتين أو ثلاث- ولم يترجح عنده شيء -يعني يحتمل أنه يعمل بغلبة الظن- ما عنده يعني راجح. ففي هذه الحال يعمل بيقين. واليقين هنا ما هو؟ الأقل. يأخذ بالأقل. إذا شك هل صلى ثنتين أم ثلاث يجعلها ثنتين -هذه يعني يقين- والثالثة مشكوك فيها، فيجعلها ثنتين. إذا شك هل صلى ثلاثة أم أربع يجعلها ثلاثاً؛ لأن الثلاثة هي اليقين. والقاعدة في الشك في العدد: أن اليقين هو الأقل. اليقين هو الأقل. إذن هنا يطرح الشك ويبني على يقين -وهو الأقل- ثم يكمل صلاته، ثم يسجد السجدتين قبل أن يسلم -يسجد السجدتين قبل السلام- قال: "فإن كان صلى خمساً شفعنا له صلاته" -يعني إذا كان في الواقع قد صلى خمساً، كانت الخامسة شفعاً- "وإن كان صلى تماماً كانتا ترغيما للشيطان". أي سجدتي السهو كانت ترغيما للشيطان. معنى ترغيما: يعني إذلالاً للشيطان الذي أراد أن يوسوس له في صلاته وأن يشوش عليه في صلاته. وعلى كل حال فهو يعني على خير، وصلاته صحيحة. إذن إذا حصل الشك في الصلاة فيبني على اليقين إذا لم يكن عنده رجحان، يأخذ بالأقل ويكمل صلاته، ثم يسجد لسهو قبل السلام. قال: الحديث الثاني عشر بعد الأربعمائة: وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا. وكان قد زاد عليه الصلاة والسلام في بعض الروايات: صلى خمساً. قال: فثنى رجليه واستقبل القبلة، فسجد سجدتين ثم سلم. ثم أقبل علينا بوجهه فقال: "إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به -يعني لو نزل وحي يغير حكم الصلاة أو عددها أو كذا لأخبرتكم بذلك- ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون. فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين". متفق عليه. وفي رواية للبخاري: "فليتم ثم يسلم ثم يسجد -يعني بعد السلام-". ولمسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد سجدتي السهو بعد السلام". هذا الحديث: حيث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام سهى في الصلاة فزاد فيها -فزاد ركعة وصلى خمساً وسلم عليه الصلاة والسلام- فقيل له: أحدث في الصلاة شيء؟ لأن تعرفون ذاك الوقت كان وقت وحي نزول الوحي، فلعل الوحي قد نزل بزيادة في الصلاة، هم ما يدرون. فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه مباشرة، فجلس، وجهه إلى القبلة وسجد سجدتي السهو. وهذا فيه أن المسلم إذا زاد في الصلاة ركعة فصلى خمساً أو ستاً، أنه يسجد للسهو وصلاته صحيحة. وهذا قول جمهور أهل العلم: أن صلاة من زاد فيها سهواً أنها صحيحة، ولا يلزمه إلا أن يسجد للسهو فقط. وفيه كذلك: أن السجود للسهو المستحب في حال الزيادة يكون بعد السلام؛ لأن هنا قال: "ثم سلم ثم سجد سجدتين" -ثم سجد ثم سلم- يعني سجد للسهو بعد السلام. طبعاً هذا على جهة الاستحباب، وإلا لو سجد في جميع السهو قبل السلام أجزأ، ولو سجد بعد السلام كذلك. لك تتبع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في المواضع التي سجد فيها قبل السلام وبعد السلام. هذا أفضل وأتبع للسنة. وفي هذا الحديث كذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يصيبه ما يصيب البشر من السهو والنسيان. وهذا فيه رد على من غلا في النبي عليه الصلاة والسلام حتى جعل له ما هو من صفات الربوبية واللوهية. فهو عليه الصلاة والسلام عبد فلا يعبد، ورسول فلا يكذب. ولهذا قال: "فإذا نسيت فذكروني". وفيه كذلك النوع الثاني من أنواع الشك، وهو: إذا شك الإنسان في الصلاة وكان عنده غلب الظن -غلب الظن تحر واجتهد وغلب على ظنه أحد الأمرين- مثلاً شك هل صلى اثنتين أم ثلاث، فغلب على ظنه أنه صلى ثلاث، يكمل صلاته -يأتي بالرابعة- ثم يسجد لسهو بعد السلام. يسجد لسهو بعد السلام. وهكذا إذا شك هل صلى ثلاثة أم أربع، يجعلها أربع إذا غلب على ظنه أنها أربع، يعمل بغلب ظنه وغلبة الظن عند تعذر اليقين تقوم مقام اليقين، فيعمل بذلك ثم يسجد لسهو بعد السلام. إذا شك ولم يكن عنده تحري ورجحان فيبني على اليقين وهو الأقل، ويسجد قبل السلام. وإذا شك وعنده تحري وغلب الظن عمل به ويسجد بعد السلام بحديث ابن مسعود. قال: الحديث الثالث عشر بعد الأربع مئة: عن عبد الله النجاعي مرفوعاً رضي الله عنه مرفوعاً: "من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم". رواه أبو داود وصححه المقدسي في المختارة. هذا الحديث في أن من شك في صلاته مطلقاً أنه يسجد سجدتين للسهو بعد السلام من غير تفصيل. لكن هذا الحديث ضعيف؛ هذا الحديث لا يصح، فيه اضطراب وفيه جهالة عتبة بن محمد بن الحارث، وضعف مصعب بن شيبة، وأيضاً عبد الله النجاعي مجهول الحال. فالحديث شديد الضعف كما أشار شيخ الباني رحمه الله في صحيح أبي داود. فالحديث لا يصح. والصحيح كما مر معنا: التفصيل في حديث أبي سعيد وفي حديث ابن مسعود. قال: حديث الرابع عشر بعد الأربع مئة: عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس، فإن استوى قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو". رواه أبو داود بسند ضعيف. وسبب الضعف: أن فيه جابر الجعفي، وجابر الجعفي هو ضعيف. لكن الحديث جاء من طريقين أخرين ذكرهم الشيخ الباني رحمه الله في الصحيحة وحسن به الحديث. وأيضاً صح من فعل المغيرة عند الطحاوي: أنه صلى بالناس ثم قام من الركعتين إلى الثالثة، وقالوا: سبحان الله، فاستمر وأشار إليهم أن قوموا. فلما فرغ سجد سجود السهو، ثم قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت". رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت. هذا الذي مر معنا في أول الكتاب: حديث عبد الله بن بحينة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الركعتين إلى الثالثة وترك التشهد ولم يرجع بل استمر في صلاته. لكن ذكر هذا التفصيل جاء في هذا الحديث، وهو: أنه إذا قام الإمام في الركعتين -يعني من الركعتين الأولى إلى الثالثة- فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً يجلس. إذا أراد أن يقوم أو بدأ يفارق محله ثم ذكر أن عليه التشهد فجلس أو قيل سبحان الله قبل أن يفارق محله فجلس، هنا يجلس ويستمر يأتي بالتشهد. وإن استوى قائماً فلا يجلس؛ إذا قام إلى الركعة الثالثة فلا يجلس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى الثالثة ولم يجلس التشهد. ولأن هنا انتقل من واجب إلى ماذا؟ إلى ركن، فلا يرجع حينئذ إلى هذا الواجب بل يستمر في صلاته ثم يسجد لسهو. فهذا الحديث يدل على هذا التفصيل. وإذا قام من محله وفارق محله لكن لم يستوي قائماً -كالمتكئ على قدميه- فقيل سبحان الله فجلس، فهذا يسجد للسهو؛ لأنه زاد هذا القيام. أما إذا أراد أن ينهض فقيل سبحان الله فجلس لم يتحرك من محله، فهذا لا يحتاج أن يسجد للسهو؛ لأنه لم يزد شيئاً. قال: الحديث الخامس عشر بعد الأربع مئة: وعن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سهى الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو، وإن سهى من خلف الإمام فليس عليه السهو والإمام كافيه". رواه الدارقطني بسند ضعيف. فيه خارج بن مصعب وهو ضعيف. لكن معناه صحيح؛ معنى هذا الحديث صحيح. وذلك: أن المأموم إذا سهى وهو يصلي مع الإمام، فإنه لا يسجد للسهو؛ لا يسجد للسهو؛ لماذا؟ لأنه مأمور بمتابعة الإمام. وإذا سلم الإمام وجب على المأموم أن يسلم؛ وإذا سلم فسلّم، إذن إذا سهى يتحمل الإمام سهوه. لكن إذا سهى الإمام فإن المأموم يتابع الإمام في سهوه؛ المأموم يتابع الإمام في سهوه. مثل لو قام إلى الركعة الثالثة وترك التشهد فيتابعه. لكن لو قام الإمام إلى الركعة الخامسة هل يتابعه المأموم؟ الجواب في هذا تفصيل. إذا كان المأموم يعلم أن هذه الركعة خامسة، فهنا لا يتابعه ولا يجز له أن يتابعه في هذه الركعة؛ لأنه إذا تابعه معنى هذا سيصلي خمساً عامداً ذاكراً، وهذا تبطل به الصلاة. وأما إذا كان ساهياً -يعني سهى مثل الإمام- ما يدري هل هي زائدة أو هي الرابعة وشكها، فلا بأس أن يقوم يتابع الإمام. فإذا سهى الإمام فليس عليه سجود سهوه. وأما إذا سهى المأموم -أقصد- وأما الإمام إذا سهى فيتابعه المأموم إلا في حالة إذا كان المأموم مسبوقاً؛ إذا كان المأموم مسبوقاً جاء متأخراً ودخل مع الإمام وقد فاتته ركعة مثلاً، ثم حصل للمأموم سهو، فهنا إذا فارق الإمام وقام وأتى بالركعة التي عليه، فهنا يسجد للسهو؛ لأنه أصبح منفصلاً عن الإمام، فيسجد للسهو إذا فرغ من صلاته. قال: الحديث السادس عشر بعد الأربع مئة: وعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم". رواه أبو داود بسند ضعيف. الحديث ضعيف. والبيهقي رواه أيضاً. هذا الحديث فيه مسألتان: الأولى أن من سهى وتعدد عليه السهو، فيسجد لكل سهو سجدتان -يسجد لكل سهو سجدتان- مثلاً إذا نسي التشهد الأول، ثم جلس في الركعة الثالثة وترك الرابعة، قلوا: سبحان الله، فقام، ألا أنسى سهوان، فهذا الحديث فيه أن لكل سهو سجدتان. وعليه أن يسجد ماذا؟ أربع سجدات. والمسألة الثانية: أن سجود السهو يكون بعد السلام -بعد ما يسلم يسجد السهو بعد السلام- لكن الحديث ضعيف. والصحيح: أنه لا يلزمه إلا سجدتين فقط، ولو تعدد السهو، ولو تعدد السهو. هذا قول جمهور أهل العلم. ويدل على ضعف هذا الحديث قصة ذي اليدين؛ قصة ذي اليدين، أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من ركعتين وقام وقام الناس وتكلموا، ثم قام وأتى بالركعتين ثم سلم، ثم سجد للسهو سجدتين، ما زاد على ذلك، لم يزد على سجدتين فقط. وهذا والصحيح: أنه إذا تعدد السهو فيكفي أن يسجد السجدتين فقط. قال: الحديث السابع عشر بعد الأربعمائة: وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى سجدتي السهو المرغمتين. رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة. وفي إسناده ضعف. فيه عبد الله بن كيسان المروزي ضعيف. لكن معناه صحيح، ويشهد له حديث أبي سعيد حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن كان صلى خمساً شفعنا له صلاته، وإن كان صلى تماماً كانت ترغيما للشيطان". فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن سجدتي السهو فيها ترغيم للشيطان. ومعنى ترغيم: يعني إذلال واحتقار للشيطان. لكن هذا الحديث فيه ضعف: أن يسمى سجدتي السهو المرغمتين فيه ضعف. لكن معناه صحيح: أن سجدتي السهو فيها ترغيما للشيطان؛ فالشيطان حريص على أن يوسوس للإنسان في صلاته وأن يلبس عليه صلاته ويخلط عليه صلاته حتى لا يدري كم صلى. فلما يجبر هذا السهو بسجدتي السهو فيرغم الشيطان بذلك ويذله بذلك، وأن هذا لا يضره ولا يفسد عليه صلاته. طيب الله عليه وسلم نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.