كتاب المساجد ومواضع الصلاة 16

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 16

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 16، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

سيرة الإمام عبد الله بن المبارك وإنفاقه في سبيل الله

كان الإمام عبد الله بن المبارك إماما جامعًا للعلم والعمل والزهد، وكان يبذل ماله في سبيل الله سرًا، حيث بلغ إنفاقه على الفقراء مائة ألف درهم سنويًا. كان يساعد المحتاجين ويقضي ديونهم دون إظهار ذلك.

مكانة ابن المبارك وصفاته الخُلُقية والجهادية

كان ابن المبارك إماما مسارعا في أبواب الخير والبر، وفضله بعض العلماء على شيخه سفيان الثوري، وكان رقيقا في العبادة وشجاعا في الجهاد. حرص على إخفاء أعماله من أجل الإخلاص.

شرح حديث النهي عن الصلاة مختصرا وتفسيره

المقطع يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهى فيه عن الصلاة مختصرا، ويبين أن المراد بالاختصار هو وضع اليدين على الخاصرة. يذكر آراء العلماء في تفسير هذا الحديث والعلة من النهي عنه.

فضل الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم

يُنصح بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما ورد في السنة النبوية، حيث تعتبر من الأعمال التي يحبها الله تعالى ويجازي عليها خيراً. الصلاة عليه تعتبر عملاً صالحاً ومحبباً إلى الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: وحدثني الحكم بن موسى القنطري، والقنطري نسبة إلى محل من محال بغداد يقال لها قنطرة، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، وهو أبو عبد الرحمن المروزي، إمام من أئمة أهل الحديث، كان عالما، حدثا، وفقيها، وعابدا، وزاهدا، وورعا، رحمه الله. اجتمعت فيه كثير من خصال الخير والبر، حتى قال ابن عيينة: نظرت في أمر المبارك، وفي أمر الصحابة رضوان الله عليهم، فلم أجد لهم فضلا عليه إلا بشرف الصحبة، لم أجد فضلا عليه إلا بشرف الصحبة، بمعنى أن الصحابة تفضلوا عليه بشرف صحبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام، وإلا فعنده من أعمال الخير والبر ما يوازي به أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فكان رحمه الله منفقا لأمواله في سبيل الله، ينفق على طلاب الحديث وطلاب العلم، وعلى الفقراء والمساكين. كان يقول الفضيل بن عياض: لولا أنت وأصحابك لم اتجرت إلى ما عملت بالتجارة. وكان تاجرا، كان يتاجر ويأتي بالبضائع من خراسان إلى البلد الحرام، وينفق على طلاب العلم وعلى الفقراء. كان ينفق على الفقراء في كل سنة بمائة ألف درهم. وهكذا من أصابته حاجة أو دين سارع في إعانته وتسديد ما عليه. أتى مرة إلى بلد، وإذا فتاة قد حبس بدين عليه يقدر بعشرة آلاف درهم، فذهب إلى صاحب الدين وقال له: اتبعني إلى البيت. فتبعه، ثم نقد له عشرة آلاف درهم أعطاه إياها، وقال: فك الفتاة، ولا تخبره. قال: ولا تخبر أحدا أني أعطيتك إياها، حرصا على إخفاء عمله. قال: لا تخبر أحدا أني أعطيتك إياها. ثم خرج، فلما فك الفتاة وسمع أن ابن المبارك قد ذهب، تبعه حتى لحقه، فقال له: ابن المبارك أنه لا يعلم بأمره. أين كنت؟ لم نرك؟ قال: كنت محبوسا في دين لي، وقد يسر الله برجل أتى فدفع عني الدين. قال: فأحمد الله الذي أعانك ويسر لك، ولم يخبر أحدا بذلك حتى مات ابن المبارك رحمه الله. وهكذا ربما أخذ أهل الحديث من طلاب العلم من أهل مرو من بلده إلى الحج، وربما أتى كل واحد بشيء من المال، بسرة مال، يقولون: نشترك ونذهب سويا، فيضعون هذا المال في صندوق، ثم يذهبون معه، فينفق عليهم في سفرهم. وهكذا إذا وصلوا إلى مكة، ثم إذا ذهبوا إلى المدينة، فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أحسن الطعام وألذ الطعام. ثم إذا أرادوا الرجوع يقول: كل واحد يشتري ما أراد أهله منه، ويدفع لهم الثمن. ثم إذا رجع إلى مرو، بلاد من بلاد خراسان، فعل وليمة وجمعهم، ثم فتح الصندوق ورد لكل واحد سرته. فكان يعني عجيبا في باب الإنفاق والبذل. حتى قال له رجل: كيف تأمرنا بالزهد والتقلل وأنت تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام؟ فقال: إني أفعل هذا لأصون وجهي، وأستعين به على طاعة ربي، وأسارع به إلى فعل الخير. لا أرى يعني بابا من أبواب الخير إلا وسارعت إليه. فهكذا كان رحمه الله مسارعا في أبواب الخير والبر، وكان إماما رحمه الله. حتى فضل فضله ابن مهدي رحمه الله على شيخه سفيان الثوري. سفيان الثوري من مشايخ ابن المبارك. وسئل ابن مهدي الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: أيهما أفضل؟ ابن المبارك أو سفيان الثوري؟ قال: ابن المبارك، فإنه لا يعدله أحد. وذكر الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله في تاريخ بغداد عن سفيان الثوري أنه كان يقول: أريد أن أكون مثل ابن المبارك سنة. قال: فلا أستطيع أن أكون مثله ثلاثة أيام. ويأتي رجل إلى الإمام سفيان الثوري رحمه الله يسأله، فيقول: من أين أنت؟ قال: من المشرق. قال: تأتي تسألني وعندك عالم أهل المشرق؟ قال: ومن هو؟ قال: ابن المبارك، عالم أهل المشرق. قال: وأهل المغرب، أهل المشرق وأهل المغرب هكذا يقول سفيان الثوري رحمه الله. ومرة زار سفيان الثوري ليسلم عليه، فقال له تلاميذ سفيان الثوري: سأل سفيان الثوري أن يسأل ابن المبارك أن يحدثهم. فقال: إن هؤلاء سألوني أن أسألك أن تحدثهم. فقال: أحدثهم وأنت موجود. قال: أقسمت عليك لتفعلن. فقال: فجعل يحدثهم. قال: حدثني سفيان الثوري، وهذا سارق عدة أحاديث كلها من طريق سفيان الثوري. وهذا من تواضعه رحمه الله. وهكذا أيضا في باب العبادة، كان رجل رقيق. كان ابن المبارك رجلاً رقيقاً. ذكروا عنه أنه كان إذا قرأ كتاب الرقاق كأنه ثور يخور من شدة البكاء. وكان رجلاً شجاعاً مقداماً. ففي سرية من السرايا كان فيها المسلمون لقتال الروم، فبرز علج من الروم لمبارزة المسلمين. فخرج إليه رجل من المسلمين فقتله هذا العلج، ثم خرج الثاني فقتله، ثم خرج الثالث حتى خرج له رجل فطارده قليلا فقتله. قتل المسلم هذا الرومي، فالتف الناس عليه، فوضع اللثام على وجهه وغطى وجهه بيده. فجاء رجل ونزع يده، فإذا هو ابن المبارك. أراد رحمه الله أن لا يعرفه أحد. فكذا كان يحرص على إخفاء أعماله، فلا يحب ظهورها ولا يحب شهرتها. وهذا من إخلاصه رحمه الله. حتى قيل فيه: قال ابن المعين: لم يحدث يعني لله إلا ستة، وذكر منهم ابن المبارك. ومرة دخل إلى بلدة وكان فيها هارون الرشيد، فالتف الناس حوله، والتف الناس حوله، وصعد الغبار. فنظرت جارية من جوار هارون الرشيد من القصر، فقالت: ما هذا؟ قالوا: هذا عالم من علماء أهل مرو، إنه يقال له عبد الله بن المبارك. فقالت: هذا الملك الحقيقي، هذا الملك الحقيقي، لا ملك هارون الرشيد. هذه رفعة العلم، كما قال الله عز وجل: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. قال فيه رجل مادحا في عبد الله بن المبارك: إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نورها وجمالها وإذا ذكر الأحبار في كل بلدة فهم أنجم فيها وأنت هلالها هكذا يمدح عبد الله بن المبارك رحمه الله. وأتى إليه رجل ليطلب العلم، فمن تبه له ابن المبارك لم ينتبه له، فأنشأ يقول: خلفت عرسي يوم السير باكية يمنى المبارك تبكيني برناتي خلفتها سحرا في النوم لم أرها ففي فؤادي منها شبه كياتي أهلي وعرسي وصبياني رفضتهم وجئت نحوك من تلك المفازات أخاف والله قطاع الطريق بها وما أمنت بها من لدغ حياتي مستوفزات بها رقش مشوهة أخاف صولتها في كل ساعاتي اجلس لنا في كل يوم من ساعة بكرة إن خف ذاك وإلا في العشيات يَا أَهْلَ مَرْوٍ أَعِينُونَا بِكَفِّكُمُوا عَنَّا وَإِلَّا رَمَيْنَاكُمْ بِأَبْيَاتِي لَا تَضْجُرُونَا فَإِنَّا مَعْشَرٌ صُبُرٌ وَلَيْسَ نَرْجُو سِوَى رَبِّ السَّمَاوَاتِ قال رحمه الله: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد وأبو أسامة جميعا عن هشام، وعن عروة، وعن محمد، وعن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يصلي الرجل مختصرا. وفي رواية أبي بكر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحديث جاء في صحيح البخاري بلفظه عن الاختصار في الصلاة أو عن الخصر في الصلاة. نعم، هذا الحديث في نهي النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي الرجل مختصرا. والصحيح في تفسير هذا الحديث كما ذكر الإمام النووي رحمه الله عن أهل الحديث وأهل اللغة أن المراد بذلك وضع اليدين على الخاصرة. وضع اليدين على الخاصرة إما هكذا يعني في أثناء ضم اليدين فيضع الكف اليسرى على خاصرته اليمنى والكف اليمنى على خاصرته اليسرى أو هكذا. فالصحيح في تفسير هذا الحديث قال بعضهم: المراد بالاختصار اختصار القراءة، أنه يقرأ الآيات الأخيرة من كل سورة. وقيل: الاختصار أن ينقص من الصلاة شيء من أركانها وواجباتها. إلى آخره. لكن الصحيح أن المراد بالاختصار وضع اليدين على الخاصرة. وما هي العلة في ذلك؟ قيل: إن هذا من فعل الشيطان. وقيل: إن هذا من فعل المتكبرين. وقيل: إنه من فعل اليهود. ولعل هذا هو الأقرب. وصح هذا عن عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري وغيره أنها قالت: إن ذلك فعل اليهود. فيكون هذا من النهي عن التشبه باليهود والكفار أن يضع المصلي يديه على خاصرته. قال: نهى أن يصلي الرجل مختصرا. ولأن هذه الهيئة يعني تخالف الهيئة التي ينبغي أن يكون عليها المصلي من الذل والخضوع والانكسار. وهذا لا يعني يناسبه وضع اليدين على الخاصرة، بخلاف وضع اليمنى على اليسرة في الصدر أو في النحر، فهي فيها معنى الاستسلام والتذلل والخضوع. فلذلك كانت هي الصفة التي ينبغي أن يصلي عليها المسلم. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.