الدرس في كتاب الصلاة 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول فضل صلاة التطوع وأهمية الإكثار من السجود وطول القيام، ويشرح رواتب النوافل القبلية والبعدية وأجر المحافظة عليها. يبين أهمية هذه النوافل في حياة المسلم.
ركعتي الفجر لهما فضل عظيم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليهما، ويستحب قراءة سور وآيات معينة فيهما والاضطجاع بعد أدائهما. يبين المقطع سنن وأحكام ركعتي الفجر.
يشرح الأحاديث الواردة في النوافل وصلاة التطوع قبل وبعد الصلوات الخمس، ويبين استحبابها وفضلها، مع توضيح أحكام صلاة ركعتين قبل المغرب. يفسر الاختلاف في الروايات باحتمال عدم وصول بعض الأحاديث لبعض الرواة.
الحمد لله، صلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المصنف رحمه الله: باب صلاة التطوع، والمراد بالتطوع ما كان من الصلوات دون الفريضة، من النوافل، سواء كانت مطلقة أو مقيدة. المطلقة كالتطوع في أي وقت، وقت الضحى، وما بين الظهر والعصر، وما بين المغرب والعشاء، وبعد صلاة العشاء إلى الفجر. والمقيدة كالرواتب القبلية والرواتب البعدية. قال: الحديث الحادي والثلاثون بعد الأربعمائة، عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «سل»، قلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود». رواه مسلم. هذا الحديث فيه الترغيب في الإكثار من نوافل الصلاة، وهو المراد بصلاة التطوع، أن يتطوع الإنسان بالإكثار من الصلاة. ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «سل، اسأل ما تريد». فقال ربيعة بن كعب لحرصه على الخير ورغبته فيما عند الله من الأجر والثواب: أسألك مرافقتك في الجنة، أن أكون رفيقك في الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو غير ذلك؟» يعني ما تريد شيئا من أمور الدنيا؟ فقال: هو ذاك، ما أريد إلا هذا. فأوصاه النبي عليه الصلاة والسلام أن يكثر من السجود، فقال: «أعني على نفسك بكثرة السجود»، يعني بكثرة الصلاة المتضمنة للسجود. فحثه النبي عليه الصلاة والسلام لبلوغ هذه المنزلة العظيمة، أن يكون رفيق النبي عليه الصلاة والسلام، بالإكثار من السجود، أي الإكثار من نوافل الصلاة. فدل هذا الحديث على استحباب الإكثار من نوافل الصلاة، وأنها سبب عظيم للفوز بالجنة، بل ونيل الدرجات العالية، وأن يكون العبد رفيق نبيه عليه الصلاة والسلام. قال: الحديث الثاني والثلاثون بعد الأربع مئة، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت». رواه مسلم. وفي رواية لأحمد: «طول القيام». في هذا الحديث سئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت»، يعني طول القيام. وفي حديث ربيعة أوصى بكثرة السجود، يعني بكثرة الصلاة. واختلف أهل العلم: أيهما أفضل طول القيام أو تخفيف القيام والإكثار من الصلوات بكثرة الركوع والسجود؟ فمنهم من فضل الإكثار من الصلاة، وتخفيف القيام. ومنهم من فضل طول القيام. وكما قال أهل العلم: يعني هذا يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف الأحوال. فقد يكون عنده إنسان محبة لطول القيام والإكثار من قراءة القرآن، فهذا يكون في حقه أفضل أن يطيل القيام. والآخر قد لا يكون عنده محبة أو لا يناسبه طول القيام لعدم حفظه كثيرا من القرآن أو شيء من ذلك، ويريد أن يكثر من الصلوات بالإكثار من الركوع والسجود، فيكون في حقه هذا أفضل. فعلى كل، يعني كل الأمرين فيه فضيلة، الإكثار من الصلوات وكثرة الركوع والسجود، وكذلك أيضا إطالة القيام إذا كان الإنسان يطيق ذلك وترغب نفسه في ذلك، فلا بأس. هذا يعني معنى كلام الحافظ رحمه الله. لكن المراد هنا بطول القنوت أي طول القيام. قال: الحديث الثالث والثلاثون بعد الأربع مئة، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح. متفق عليه. وفي رواية لهما: وركعتين بعد الجمعة في بيته. في هذا الحديث يخبر ابن عمر رضي الله عنهما أنه حفظ من النبي عليه الصلاة والسلام أي من فعله النوافل التي كان يصليها النبي عليه الصلاة والسلام عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، أي بعد صلاة الظهر، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح. فتكون هذه عشر ركعات، يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب عليها، وهي ما تسمى بالرواتب، رواتب الفرائض القبلية والبعدية. وفي رواية: ركعتين بعد الجمعة في بيته، أيضا كان يصلي عليه الصلاة والسلام ركعتين بعد الجمعة في بيته. وقوله: في بيته، في ركعتين بعد المغرب وبعد العشاء، أي النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليهما في بيته. والصلاة النافلة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد. لقوله عليه الصلاة والسلام: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، يعني إلا الفريضة، الفريضة تفعل في المسجد، أما النافلة فتستحب في البيت. قال: الحديث الرابع والثلاثون بعد الأربع مئة، وعن أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة». رواه مسلم. وفي رواية للترمذي نحوه، وزاد: أربعا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر. **في هذا الحديث تخبر أم حبيبة رضي الله عنها أن سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، والمراد بها هذه الرواتب القبلية والبعدية، بني له بهن بيت في الجنة»، يعني إذا صلى الإنسان ثنتي عشرة ركعة بني له بهن، أي بصلاة هذه الركعات، بيت في الجنة، أي يعني بيت من بيوت الجنة.** ومعروف أن بيوت الجنة ليست كبيوت الدنيا، بيوت الجنة من ذهب وفضة وقصور. وهذا يدل على عظم هذا الأجر والثواب، وهذه الفضيلة العظيمة. فيحرص المسلم وطالب العلم على جهة الخصوص على مثل هذه الفضيلة العظيمة، أن يحافظ على هذه النوافل. ولهذا أم حبيبة رضي الله عنها لما سمعت هذا من النبي عليه الصلاة والسلام قالت: ما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الراوي عنها: عنبسة، قال: وما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة. يعني ما ترك صلاة ثنتي عشرة ركعة. قال: منذ سمعتهن من أم حبيبة. والراوي عنه هو عمر بن أوس، قال: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة. ثم قال: النعمان بن سالم، ما تركتهن منذ سمعتهن من عمر بن أوس. كما في مسلم. أنظروا إلى حرص السلف على العمل بالعلم، لما سمعوا هذا الحديث، يعني حرصوا على المحافظة على هذه الركعات حتى ينالوا هذا الأجر العظيم. أن هذا أجر عظيم، يعني يبنى لك بيت في الجنة كلما صليت ثنتي عشرة ركعة. وظهر الحديث أنه في كل يوم تصلي ثنتي عشرة ركعة يبنى لك بيت في الجنة. «من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة»، يعني كل يوم تصلي ثنتي عشرة ركعة يبنى لك بيت في الجنة. فإذا كنت كل يوم تصلي هذه الركعات يبنى لك في كل يوم بيت في الجنة. كم سيكون لك بيوت في الجنة إذا حفظت عليها؟ لا شك أنه يعني أجر عظيم وفضل كبير، لا ينبغي التساهل والتكاسل في أداء هذه العبادة والطاعة. قال: الحديث الخامس والثلاثون بعد الأربعمية، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداء. رواه البخاري. في هذا استحباب صلاة أربع قبل الظهر، وركعتين قبل الغداء، أي قبل الفجر. فكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع هذه الصلوات إلا في السفر، فكان لا يصلي عليه الصلاة والسلام إلا ركعتين الفجر والوتر. وأما الرواتب فكان يتركها عليه الصلاة والسلام في سفره. وأما ركعتا الفجر فكان يحافظ عليها، كان لا يدعها في سفر ولا حضر. ولهذا قالت: «لم أر النبي صلى الله عليه وسلم كما سئلت الآن». قالت: كما في الحديث السادس والثلاثون بعد الأربعمائة، وعنها رضي الله عنها قالت: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر». متفق عليه. ولمسلم: «ركعة الفجر خير من الدنيا وما فيها». كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ يعني على ركعتي الفجر، ويتعاهدها أشد تعاهدا من بقية النوافل، حتى إنه كان يصليها في السفر، ما كان يتركها عليه الصلاة والسلام حتى في سفره. وكان يقول: «ركعة الفجر خير من الدنيا وما فيها»، ركعة الفجر خير من الدنيا وما فيها. ماذا في الدنيا؟ يعني من جبال وبحار وأنهار وذهب وفضة وغير ذلك من متاع الدنيا، ركعة الفجر خير من ذلك كله، خير من الدنيا وما فيها. هذا يدل على أيضا فضيلة هاتين ركعتين، وأن لهما أجر عظيم، يمغي المسلم وطالب العلم أن يحافظ عليهما. قال: الحديث السابع والثلاثون بعد الأربعمائة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير لكم من حمر النعم»، ألا وهي الركعتان قبل صلاة الفجر. رواه البيهقي بإسناد صحيح. في هذا الحديث بيان فضيلة ركعتي الفجر، «إن الله عز وجل زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير لكم من حمر النعم»، حمر النعم هي الإبل الحمراء، تعد من أنفس أموال العرب، من أنفس أموال العرب. لهذا كان إذا أريد ذكر شيء وبيان نفاسته وبيان غلاء هذا الأمر وبيان على علو قيمته، كان يمثل بحمر النعم لأنها غالية وثمينة عند العرب. فهكذا شبهت هذه الصلاة بأنها خير من حمر النعم، إذا كان الإنسان يحرص على ملك حمر النعم، فيصلي صلاة أو يصلي هاتين الركعتين قبل الفجر خير له من حمر النعم. قال: الحديث الثامن والثلاثون بعد الأربع مئة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُلۡ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡكَـٰفِرُونَ﴾ و﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾. رواه مسلم. قال: الحديث التاسع والثلاثون بعد الأربع مئة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: ﴿قُولُوۤا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡنَا﴾ الآية من سورة البقرة. وفي الآخرة منهما: ﴿ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ الآية من سورة آل عمران. رواه مسلم. في هذين الحديثين استحباب قراءة هذه السور أو الآيات في ركعتي الفجر. حيث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الأولى من ركعتي الفجر: ﴿قُلۡ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡكَـٰفِرُونَ﴾. وفي الركعة الثانية: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾. وفي حديث ابن عباس أنه كان يقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُولُوۤا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡنَا﴾. وفي الركعة الثانية الآية الأخرى من سورة آل عمران: ﴿ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾. فيستحب قراءة هذه السور والآيات في ركعتي الفجر أحيانا، بما جاء في حديث أبي هريرة، وأحيانا بما جاء بحديث ابن عباس. وبهذا سلك جمهور أهل العلم على استحباب قراءة هذه السور والآيات في ركعتي الفجر، خلافا للإمام مالك، فإنه قال: لا يقرأ شيء غير الفاتحة. والصواب قول الجمهور. في هذين الحديثين، فتارة تقرأ: ﴿قُلۡ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡكَـٰفِرُونَ﴾ و﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾. وتارة تقرأ الآيتين من سورة البقرة وآل عمران. قال: الحديث الأربعون بعد الأربعمائة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن. متفق عليه. قال: الحديث الحادي والأربعون بعد الأربعمائة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليتطجع على جنبه الأيمن». رواه أبو داود والترمذي وصححه. في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن. اضطجع على شقه الأيمن. وفي حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، من صلى ركعتي الفجر فليتطجع على جنبه الأيمن. اختلف أهل العلم في حكم الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، والأقوال فيها كما قال الصنعاني رحمه الله: بين إفراط وتفريط، ووسط. فمن أهل العلم من ذهب إلى عدم استحباب هذه الضجعة، بل قال ببدعيتها أو كراهتها. روي هذا عن ابن عمر، وعن ابن مسعود رضي الله عنهما. وقال به بعض التابعين، قالوا: تكره هذه الضجعة بعد ركعتي الفجر. وروِي عن ابن عمر القول بالبدعية، وأنه كان ينكر على من يفعل ذلك، ويأمر من اضطجع بعد ركعتي سنة الفجر أن يرمى بالحصباء. وفي المقابل ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها، بل لا تصح صلاة الفجر إلا بها. وهذا قول الظاهرية، كابن حزم، قال: لا بد فرض على من صلى ركعتي الفجر أن يتجيع، ولا تصح صلاته إلا بذلك. وهذا أيضا ليس بصحيح. والوسط هو الاستحباب، أن الاضطجاع بعد ركعتي سنة الفجر مستحب، وليست واجبة ولا شرطا لصحة الصلاة. ودليل الاستحباب فعل النبي عليه الصلاة والسلام، كونه فعل ذلك. ودليل عدم الوجوب حديث عائشة في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى ركعتي الفجر «فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع». قال: «فإن كنت مستيقظة حدثني أو أحدث معك، وإلا اضطجع». فدل الحديث على أنه كان أحيانا لا يتجيع. وإذا كان كذلك فهي إذن مستحبة وليست واجبة، مستحبة وليست واجبة. بل دل به بعض أهل العلم على أن كون النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يحدثها وأحيانا يتجيع، كأنه أراد بذلك الفصل بين هذه النافلة والفريضة بشيء، إما بحديث وكلام أو باضطجاع يفصل به بين النافلة والفريضة. ولذلك بعضهم ذهب لأنها لا تستحب، يعني استحبابا مستقلا، وإنما يراد بها الفصل بين النافلة والفريضة، سواء كان بالاضطجاع أو كان بالحديث أو شيء من ذلك. وعلى كل، فكون النبي صلى الله عليه وسلم فعلها يدل هذا على الاستحباب، يدل هذا على الاستحباب. لكنها مستحبة، يعني استحبابا ليس واجبة. فيفعلها الإنسان أحيانا ويتركها أحيانا. وهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام. قال: الحديث الثاني والأربعون بعد الأربع مئة، وأن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني أقول: قرأ بأم الكتاب. متفق عليه. في هذا الحديث استحباب تخفيف ركعتي الفجر، وقلة قراءتهما، يعني حتى أقول: قرأ بأم الكتاب، هذا من باب المبالغة، المبالغة في تخفيفهما. وهذا بالنسبة لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الليل، فإنه كان يطيل. فتكون صلاة ركعتي الفجر بالنسبة لصلاة النبي عليه الصلاة والسلام لقيام الليل خفيفة جدا، يعني حتى تكاد تقول: قرأ فيها بأم القرآن. لا بد أن يقرأ فيها وإلا لم تصح، لكن هذا من باب المبالغة، من شدة تخفيف ركعتي الفجر بالنسبة لصلاة النبي عليه الصلاة والسلام لقيام الليل. فدل الحديث على استحباب تخفيف ركعتي الفجر، يعني لا يطيل الإنسان فيما يقرأ كما يصلي صلاة الليل. ولهذا ما مر معنا مما يستحب قراءته في ركعتي الفجر، يعني سور قصيرة: ﴿قُلۡ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡكَـٰفِرُونَ﴾ و﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ أو الآيتين من سورة البقرة وآل عمران، شيء يسير. فتكون الصلاة خفيفة. قال: الحديث الثالث والأربعون بعد الأربع مئة، وعن حفصة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين. رواه مسلم. هذا الحديث تخبر حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين. في هذا أولا: أن من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يصلي شيئا من النوافل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر. فما كان يتنفل عليه الصلاة والسلام بشيء من النافلة والتطوع بعد رؤية أذان الفجر، بعد أذان الفجر الثاني إلا ركعتي الفجر فقط. والأمر الثاني: استحباب تخفيف الركعتين، بقولها: ركعتين خفيفتين. قال: الحديث الرابع والأربعون بعد الأربعمية، وعن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار». رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث فيه فضيلة صلاة أربع قبل الظهر وأربع بعدها. والحديث صحيح. «من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها»، ما هو الأجر والثواب؟ «حرمه الله على النار»، يعني حرم الله عز وجل هذا المصلي المحافظ على هذه الصلوات أن يدخل النار، وأن تمسه النار. وهذا أيضا فضيلة عظيمة، فضيلة عظيمة. وهذا الأجر يعني غير أجر الرواتب الراتبة. مر معنا أن الظهر بعدها ركعتين فقط، الذي كان يواظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هذا فضل آخر، إذا حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها، فهذا أجر آخر. غير ما جاء في حديث أم حبيبة أن يبنى له بيت في الجنة. هذا أيضا أن يحرمه الله على النار، فيكون يعني بهذا العمل ناجيا بإذن الله من عذاب النار. قال: الحديث الخامس والأربعون بعد الأربع مئة، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله امرأ صلى أربعا قبل العصر». رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. الحديث حسن، وإن كان بعض العلماء علله، لكن عله غير قادح. ومن ذلك ما أشار إليه أبو حاتم في العلل، أنه قال: بأن ابن عمر قال: حفظته من رسول الله عشرا، ولم يذكر هذه الأربع. ولم يذكر هذه الأربع. وهذا لا ينافي صحة هذا الحديث، لأن ابن عمر ذكر العشر التي رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصليها، وهذه الأربع حث النبي صلى الله عليه وسلم عليها من قوله. وتلك العشر كان يواظب عليها من فعله عليه الصلاة والسلام، حينئذ لا تنافي كما أشار أهل العلم، كالإمام ابن القيم رحمه الله وغيره. فدل هذا الحديث على استحباب صلاة هذه الأربع قبل العصر، وهي ليست من الرواتب التي يواظب عليها، لكن نافلة لها فضيلة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رحم الله امرأ صلى أربعا قبل العصر». فمن صلى أربعا قبل العصر نالته رحمة الله سبحانه وتعالى. قال: الحديث السادس والأربعون بعد الأربع مئة، وعن علي رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين. رواه الترمذي وحسنه. قال: الحديث السابع والأربعون بعد الأربع مئة، وعن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب»، ثم قال في الثالثة: «لمن شاء»، كراهية أن يتخذها الناس سنة. رواه البخاري. وفي رواية لابن حبان: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين. في استحباب صلاة ركعتين قبل المغرب، وهي ليست من الرواتب، لكن من النوافل المستحبة. بل أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، يعني يؤكد الأمر بها. وصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب بقوله: «لمن شاء»، يعني من شاء أن يصليها صلى، ومن لم يشأ أن يصليها فليس عليه شيء. وجمهور العلماء على استحباب هاتين الركعتين قبل المغرب، خلافا للشافعية، فالشافعية لم يستحبوا صلاة ركعتين قبل المغرب. إلا أن المحققين منهم كما قال الإمام النووي رحمه الله ذهبوا إلى استحبابها، لثبوت هذا الحديث. وهكذا أيضا حديث أنس، هذين الحديثين يعني ثابتين في استحباب ركعتين قبل المغرب، وهو الصواب أنه يستحب أن يصلى ركعتين بين الأذان والإقامة من صلاة المغرب. وهي مستحبة، من شاء أن يصليها صلاها وله أجر وثواب، ومن لم يشأ أن يصليها ليس عليه شيء. قال: الحديث الثامن والأربعون بعد الأربع مئة، وعن أنس رضي الله عنه قال: «كنا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرانا فلم يأمرنا ولم ينهنا». رواه مسلم. يعني أقرهم النبي عليه الصلاة والسلام على صلاة الركعتين قبل المغرب. يقول أنس: «كنا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرانا»، يعني نصليها، «فلم يأمرنا ولم ينهنا»، لم يأمرهم بفعلها ولا نهاهم عن فعلها، بل أقرهم على ذلك. فدل هذا على أنها جائزة، لكن الاستحباب يعينه حديث عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها، وقول أنس: «يقول لم يأمرنا»، فلعله لم يبلغه هذا الحديث أنس، لم يبلغ حديث عبد الله بن مغفل. وإلا فيه الأمر: «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب». صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.