الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 27، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن الذبح لغير الله، وحلق الرأس تقربًا لغيره، والتكبر ودعوة الناس إلى إطراء النفس أو عبادتها، كلها من الشرك الأكبر؛ لأن هذه أفعال أو صفات اختص بها الله جل وعلا، فمن صرفها لغيره فقد أشرك، ومن ادعى الربوبية أو رضِي بالعبادة فهو طاغوت كافر كفرعون.
يبيّن المقطع أن من ينازع الله في العظمة والكبرياء يهينه الله في الدنيا قبل الآخرة، مستشهداً بفرعون والقذافي اللذين أذلهما الله وأخرجهما مذلولين. ويؤكد الحديث القدسي أن العزة والكبرياء لله وحده، ومن نازعه فيهما عذبه.
العظمة والكبرياء لباس لله وحده، ومن نازعه فيهما عذبه في الدنيا والآخرة. المصورون الذين يضاهئون خلق الله من أشد الناس عذابًا، وكذلك من تسمى بأسماء مختصة بالله كملك الملوك، وهو من التشبه المنهي عنه وإن كان أهون من التعاظم وصرف العبادة لغير الله.
يخلص المتحدث إلى أن التشبيه والتشبه هما في حقيقتهما شرك، ويعلن تأجيل استكمال الموضوع إلى الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم والتوبة أي لله، على المراد به، أي ما يختص به الله جل وعلا. والحلف، ثم قالوا: منها الذبح له، فمن ذبح لغيره فقد شبهه به. ومن ذبح لغير الله فقد أشرك، لأنه ذبح أو قصد عبادة مما لا تقصد إلا لله. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فالذبح لا يكون إلا لله جل وعلا، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك بالله. ومن قال: هذا الذبح للقبر الفلاني تقربًا، أو للصنم الفلاني، أو كذا، فهذا ذبح لغير الله. أو يذبح للجن، من يذبح للجن خوفًا منهم، أو يأتي إلى كاهن أو مشعوذ فيقول له هذا المشعوذ: اذبح عند عتبة فلان، أو عند قبر فلان، أنا أذبح له تقربًا حتى يذهب منك كذا وكذا، أو اذبح ديكًا. كان قديمًا يقال لهم: اذبحوا ديكًا حتى يخرج الجن، وحتى يفعل كذا. كل ذلك من الشرك بالله. قالوا: منها حلق الرأس إلى غير ذلك. حلق الرأس، الله عز وجل تعبدنا به في الحج، فلذلك من حلق رأسه تقربًا إلى غير الله جل وعلا فقد خص هذا المخلوق بشيء من خصائص الألوهية. قال: هذا في جانب التشبيه. وأما في جانب التشبه، فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه، فأن هذا أيضًا من الخصائص التي اختص بها الرب جل وعلا. فإذا جابهه غيره فإنه يكون أيضًا قد أتى بجرم عظيم. فمن دعا الناس إلى عبادته فهو طاغوت. فمن دعا الناس إلى عبادته فهو طاغوت، وأيضًا كافر، مثل ما قال ذلك الطاغية فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وما علمت لكم من إله غيري. هذا صراحة. فالذي يقول مثلاً: أنا أفعل وأفعل، أفرق بين الشقي والسعيد، وأسعد أناس وأشقي أناس، لأجل أن الناس يدعونه، فهذا أيضًا طاغوت أكبر، لأنه رضي بالعبادة. ومن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه بالحق والباطل فهو أيضًا من الشياطين والطواغيت. قال: ورجاء ومخافتي، فقد تشبه بالله ونازعوه في ربوبيته، وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان، ويجعله كالذر تحت أقدام خلقه. انظر إلى فرعون، مع ما كان معه من حاشية وقوة وتجبر وتكبر، جعله الله عز وجل غريقًا. بل أخرجه من البحر وهو عريان، لم يستطع أحد أن ينقذه، لم يستطع أحد أن يدافع عنه، وهو الذي يقول للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَمَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. فيخرجه الله عز وجل من البحر عريانًا، ليس معه شيء، حتى ثيابه ليس فيه. وهذه آية كما قال الله عز وجل: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾، آية للناس أن يعتبروا، أن الإنسان إذا تكبر وتجبر فآخرته هذه لإهانة، يهينه الله. فهناك أناس تجبروا وتكبروا، أهانهم الله عز وجل، فما وجدوا حتى ملجأ يلجأون إليه. بعضهم وجدوه في أماكن المجاري يختبئون، بعضهم كذا كما تعلمون. القذافي هذا الطاغي الكبير كان يصرح بالكفر، كان عنده الكتاب الأخضر كما يزعم، فهانه الله عز وجل قبل موته، وهرب حتى أنه وجدوه في شيء من البالوعات. فهكذا مثل هؤلاء الطغاة يهينهم الله عز وجل في الدنيا قبل الآخرة، ويتجرأ عليهم من كان عبدًا لهم. قال رحمه الله: وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان، ويجعله كالذر تحت أقدام خلقه. هذا يوم القيامة، لكن الهوان يكون عليه حتى في الدنيا. ومن يهين الله فما له من مكرم، فإذا هانه الله فليس هناك أحد سيكرمه. قالوا: في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله عز وجل: «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته». وفي الصحيح معناه، في صحيح مسلم، أخرجه الإمام مسلم، حديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة: «العز إزاري». والإزار هو الذي يلبس تحت الجسد، والكبرياء والرداء الذي يلبس فوق الجسد، أو الجسد الأعلى. معناه أن العظمة والكبرياء لباس لله جل وعلا، ليس للمخلوق، لأن الله عز وجل هو الخالق، فهو الذي يستحق أن يتكبر وأن يتعاظم جل وعلا، فهو الجبار سبحانه وتعالى. فمن نازع، نازع الله عز وجل، عذبه، وعذابه هذا في الدنيا والآخرة. فعله الله عز وجل في الدنيا والآخرة. قال: وإذا كان المصور الذي يصنع الصور بيده من أشد الناس عذابًا يوم القيامة، فما الظن بالتشبيه بالله في الربوبية والإلهية؟ لأن هذا الذي يصنع الصور يضاهي خلق الله. فمن أظلم، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «فمن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلق ذرة، أو ليخلق شعيرة». وقال: «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون». قال: فقال صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم». هذا الحديث جاء في الصحيحين عن أبي طلحة، وأيضًا عن أنس، وعن عبد الله بن عمر. قالوا: في الصحيح عنه أنه قال: يقول الله عز وجل: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلق ذرة، فليخلق شعيرة». هذا في الصحيحين كما قلنا عن أبي هريرة. فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منها. وكذلك من تشبه به تعالى في الاسم الذي لا ينبغي إلا له، كملك الملوك، وحاكم الحكام، وقاضي القضاء، ونحوه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى شاه شاه، ملك الملوك، لا مالك إلا الله». وفي لفظ: «أغيظ رجل عند الله رجل تسمى بملك الأملاك». على اللفظ الأول أخرجه البخاري ومسلم، واللفظ الثاني عند مسلم. فهذا أيضًا يعتبر من التشبه، أن يتشبه باسم الله عز وجل المختص به، لكنه أهون من التعاظم والتكبر، وكذلك أهون من أن يصرف العباد لغيره، يعطى مخلوق ما ميزه الله عز وجل وأعطاه إياه. قال بالجملة: فالتشبيه والتشبه هو حقيقة الشرك. طيب، إن شاء الله تعالى نترك هذا في درس اللاحقة. بسم الله الرحمن الرحيم