التعليق على العقيدة الطحاوية 64

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 64، ألقاها

مقدمة في حكم تكفير المسلم بذنب

يناقش المقطع حكم تكفير المسلم بذنب، موضحاً أن المسلم لا يكفر بذنب ما لم يستحله. الاستحلال يشمل الجانب القلبي والعملي.

تفصيل الاستحلال وأنواعه وضوابطه في تكفير المسلم

يتناول المقطع تعريف الاستحلال بأنواعه، قلبياً أو بالقول أو الفعل، ويبين أنه يعتبر كفراً إذا استحل حراماً معلوماً من الدين بالضرورة.

عقيدة أهل السنة والجماعة في تكفير مرتكب الذنب

يعرض المقطع عقيدة أهل السنة والجماعة في عدم تكفير مرتكب الذنب ما لم يستحله، ويفرق بين المجاهرة بالمعصية واستحلالها.

التمييز بين الحكم العام والحكم المعين في مسائل التكفير

يبرز المقطع الفرق بين الحكم العام والحكم المعين، ويشير إلى اختلاف الحكم بينهما، ويعد هذا من النقاط الهامة في الفهم الصحيح للتكفير.

  • 26 جمادى الآخرة 1440هـ - 03/03/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يما بعد، نزلنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله». فقوله هنا «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة» وقلنا: أهل القبلة هم أهل الإسلام، المسلمون الذين يصلون إلى القبلة. فكما أنه دخل إلى الإسلام بيقين بالشهادتين، فكذلك لا نخرجه من دين الله عز وجل إلا بيقين. فقالوا: لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، والذنب هنا غير الكفر، فما كان من الكفر والشرك والنفاق يخرج. ولهذا ذكرنا أن الإمام ابن عبدالبر رحمه الله قال: أجمع أهل العيب وأهل السنة أن من ارتكب ذنبا، مهما عظم ذلك الذنب، فلا يخرجه عن الإسلام، مهما عظم ذلك الذنب، ما لم يكن شركا، فلا يخرجه عن الإسلام ما لم يكن شركا. وذكرنا الأدلة في ذلك. وقوله هنا «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله»، والاستحلال هنا ليس فقط الاستحلال القلبي، بل حتى الاستحلال العملي. معنى ذلك: إذا كان هناك استحلال بعمله، وهذا الاستحلال العملي لا يكون استحلالا عمليا إلا إذا كان مبعثه القلب. ولهذا، مثلا، الذي يفعل بعض الأعمال قد تكون بذاتها كفرا، مثلا كما يذكرون السجود للصنم، أو كما ذكر أيضا شيخ الإسلام قتل النبي، أو كذلك دوس المصحف، الذي يدوس المصحف متعمدا، لا شك في كفره، وهو عمل. لكن هذا العمل يعتبر كفرا لأنه متعلق بالقلب، لأنه متعلق بالقلب، كما قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية. كذلك ذكره أيضا الإمام الحافظ حكمي في «200 سؤال وجواب». فهذه الأعمال، وإن كان ظاهرها عمل، لكنها تدل على الباطن، فهو لم يدس المصحف هكذا عبثا، لأنه استهان به، والاستهانة بكتاب الله جل وعلا كفر. فالاستهزاء بدين الله أو الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو قول، وكذلك الاستهزاء بالفعل، كما ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب: أن الإنسان يكفر ولو بالفعل. كيف يكفر بالفعل؟ يستهزئ ولو بالفعل، فمثلا يخرج لسانه، فيقال مثلا له: هذا كتاب الله، فيقوم ويخرج لسانه، أو يشير بيده، فهذه الحركة، مع أنها فعل، لكنها تعتبر كفرا. وقد ذكر شيخ الإسلام، كما قلنا، محمد بن عبدالوهاب في «الدرر السنية» شيئا من ذلك، على أن مثل هذه الأشياء تكون كفرا وردة، وإن كانت هي فعلا فقط، لكنها متعلقة بالقلب. فليس هناك استحلال قلبي فقط، بل هناك قد يكون استحلال قلبي، واستحلال بالقول، والاستحلال بالفعل. الاستحلال بالفعل، مثلا، أن يسمي الحلال حراما، أو يسمي الحرام حلالا، أو يجعله على صيغة الحلال. مثل ما استدل بعض العلماء بقصة ذاك الرجل الذي تزوج امرأة أبيه، فالآن عندما عمل هذا العقد، عندما عقد عليها، هذا يعتبر كفرا، لأنه استحل حراما، فجعله على أنه حلال. لو كان مثلا زنا أبيه، ليس سهلا، معناه أنه لا يرتد، فهو كبيرة من كبار الذنوب. لكن لو جعله عقدا، هذا استحلال، هذا استحلال لما حرم الله عز وجل. وقد قال شيخ الإسلام وغيره: أن من استحل حراما مجمع عليه، معلوم من الدين بالضرورة، فلا شك في كفره، وهو على الشروط التي معروفة في الكفر، أن توفر الشروط وانتفاء موانع، أن يكون يعلم أن هذا محرم، ثم يستحله، إما كما قلنا استحلالا بالقول، أو استحلالا قلبيا، أو استحلالا بالفعل، فكل ذلك يدخل في هذا. هناك من الاستحلال ما ذكره بعض العلماء، كالإمام ابن العربي رحمه الله وغيره، على أنه استحلال عملي لا يخرج منه. واستدل بحديث أبي مالك الأشعري أو أبي عامر الأشعري، عندما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحرير والحريرة والخمر والمعازف». فذكر ابن العربي، وأيده أيضا جماعة من العلماء كالحافظ ابن حجر وغيره، على أن هذا الاستحلال استحلال بالفعل، أنهم لا يقولون أن الزنا حلال، ولا يقولون أيضا أن الخمر حلال، ولا يقولون أن المعازف حلال، وإنما يدومون عليها. معنى ذلك: تجد أنهم ينهمكون فيها، وكأنها حلال، بل يتبجحون بها، ويجاهرون بهذه الأفعال التي هي حرام، يجاهرون بها. فهذا استحلال عمل، سماه ابن العربي استحلالا عمليا. وهذا اصطلاح، فهو إن كان استحلالا، فهو استحلال عملي، على أنهم يجعلونه حلالا بعملهم، وليس بتلفظهم. وأيضا، كذلك من باب التنبيه، أن بعض السرورية القطبية ممن تربوا على التكفير يقولون: وهذا انتشر عندهم، قال به محمد سرور، وقال به سفر الحوالي، وقال به كذلك سلمان العودة، وقال أيضا به أبو إسحاق الحويني، وجماعة من هؤلاء السرورية القطبيين، يقولون: بأن المجاهر بالعمل يعتبر استحلالا، المجاهرة بالعمل يعتبرونه استحلالا قلبيا، على أنه يكفر به، على أنه يكفر به. وهذا كلام باطل. وقد قاله أيضا بعض من يكون عندنا هنا من القطبيين من المشهورين في بلدنا هذه، فتجد أنهم أيضا يقولون مثل هذا القول. وهذا القول، كما قال الإمام بعض أهل التفسير، والظاهر أنه الإمام القرطبي، قال: أن هذه المقالة عرفت عند الخوارج، هذه المقالة عرفت عند بعض الخوارج، يقولون: أن من جاهر بالمعصية فهو استحلها، من جاهر بالمعصية استحلها. ولهذا ذكر بعضهم، مثل محمد سرور، في كتابه الذي ألفه في «دعوة الأنبياء»، فذكر أن قوم لوط، حتى ولو أنهم آمنوا بالله، لو آمنوا بالله، لكنهم لم يتركوا هذه المعصية، قال: لكانوا كفارا. وهذا كلام باطل، لأن المعصية معصية الله عز وجل، ما ذكرها لأنها فاحشة عظيمة، لكن ليس المراد أنها مثل الشرك، ليس المراد أنها مثل الشرك بالله جل وعلا. فقوله: أنه لو آمنوا صاروا من أهل الإيمان، لكنهم لم يتركوا هذه المعصية أيضا، قال: لكانوا كفارا، هذا كلام ليس بصحيح، هو كلام باطل. بل هؤلاء، كما قلنا، يقولون: أن المجاهرة بالمعصية يعتبر عندهم استحلالا، يكفر به الشخص. وهذه عقيدة الخوارج، وليست عقيدة أهل السنة. فأهل السنة يقولون، كما ذكرنا قبلا عن الإمام عبدالبر: أنه مهما عظم ذنب الشخص، مهما عظم ذنبه، معنى ذلك: يدخل في ذلك المجاهر، مهما عظم ذنبه، ما لم يكن شركا، ما لم يكن شركا، فهو ليس بكفر، وليس بردة، لا يكفر صاحبه. فهذا معنى قوله: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحل له»، أي ما لم يستحل ذلك الذنب. وكما قلنا: أنه لو استحل له، لو قال أنه حلال، ولو لم يفعله، فهو كافر. لو قال الإنسان: الخمر حلال، ولو لم يشربها، فهو كافر. والذي يشربها وهو يعلم أنها حرام، يعتبر مسلما، يعتبر مسلما. ولهذا، كما جاء في الصحيحين، أو جاء أقصد في البخاري، في حديث أبي هريرة، في ذاك الرجل الذي كان أكثر ما يؤتى به وهو شارب خمر، فجلد مرة، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تعين الشيطان على أخيكم». قال: لا تعين الشيطان على أخيكم. فوالله إنه لا يحب الله ورسوله، هو عبدالله بن النعمان، قال: فإنه لا يحب الله ورسوله، مع أنه شارب خمر، لكنه كان يحب الله، ويحب دين الله جل وعلا، لكن غلبه هوى نفسه حتى شرب. فمثل هذا، مع أنه شرب الخمر، لكنه لم يكفره النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل عليه أيضا نص اللعنة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة. لكن لما لعنوه، نهاهم عن ذلك. وهذا مما يدل على أن الحكم على الحكم العام ليس كالحكم المعين، الحكم العام ليس كالحكم المعين. فهذا شيء مما يذكر في هذه الفقرة، إن شاء الله تعالى، نكمل بها في درسنا اللاحق. الحمد لله رب العالمين.

شاركنا على