الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 96، ألقاها
الجنة والنار مخلوقتان ولا تفنيان، والناس يدخلون الجنة أو النار بناءً على مشيئة الله وأسباب تتعلق بأعمالهم.
يتم الرد على الجبرية والقدرية وأصحاب الكسب، مؤكدًا أن الخير والشر مقدران من الله، وأن للعبد مشيئة تتبع مشيئة الله.
يتم التطرق إلى موضوع الاستطاعة اللازمة للقيام بالفعل، مع الإشارة إلى تفصيل ذلك في درس لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال رحمه الله تعالى: بعدما ذكر أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، وإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، لأن الله عز وجل يدخل الجنة الناس برحمته، سبحانه وتعالى يدخل الجنة برحمته. فكما جاء في حديث عائشة وغيرها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما منكم أحد إلا ويدخل الجنة برحمة الله»، فالجنة يدخلها العبد برحمة الله جل وعلا. وأما الأعمال الصالحة فهي أسباب أسباب دخول الجنة، لكن لا يدخل الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أعلموا أنه لا يدخل الجنة أحدكم بعمله»، قال: «ولا أنت يا رسول الله؟»، قال: «ولا أنا إلا يتغمدني الله برحمة منه». قال: العمل ليس هو الذي يدخل الجنة، وإنما هو سبب في دخول الجنة، وإنما يدخل الناس الجنة برحمة الله جل وعلا وفضله سبحانه وتعالى. وأيضًا دخول الكفار وغيرهم بعدل الله جل وعلا، بعدله سبحانه وتعالى، فهو له الحكمة البالغة جل وعلا، فجعل هذه النار عقوبة للكافرين، عقوبة للمخالفين. وأما من كان على التوحيد فإنه يخرجه الله عز وجل من النار، وأما الكفار فقد قال الله عز وجل: ﴿إنهم لا يخرجون منها﴾، وقاله: ﴿ما هم بمخرجين﴾، فلا يخرجون من النار أبدًا، فهي محلهم وقرارهم. ثم قال رحمه الله: «وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له»، فأهل السعادة يسرون للسعادة، وأهل الشقاوة يسرون للشقاوة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعملوا فكل ميسر لما خلق له»، لا ينبغي الإنسان يقول: قد علم الله عز وجل قدر مصيري، قد علم الله عز وجل ما أعمل فيتوقف عن العمل، لا يصلي ولا يصوم ولا كذا، فهذا يهلك نفسه. لأن هذا العلم الذي بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم هو علم الله عن علم عند الله جل وعلا، وليس عند المخلوقين، فلهذا لا يعلم الإنسان مصيره، وإنما يعلم ذلك الله سبحانه وتعالى، فلهذا فيعمل العبد حتى يكون من أهل السعادة، ويسر الله عز وجل له السعادة. قالوا: الخير والشر مقدران على العباد، مقدران أي قدرهم الله عز وجل وخلقهم الله سبحانه وتعالى، وهذا فيه رد على طائفتين: الجبرية والقدرية، القدرية النفاة. الجبرية الذين يقولون: أن العبد لا دخل له في الفعل، لا دخل له في الفعل، وإنما هو كالريشة في مهب الريح، معنى لا دخل له ولا قدرة له ولا مشيئة له، وهذا باطل. أخبر الله عز وجل يقول: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾، بعض هؤلاء يستدلون بقول الله عز وجل: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾، ولا يظنون أن هذا دليل له، وهذا الدليل مع أنه عليه، ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾، الله عز وجل هنا أثبت فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه رمى، قال جل وعلا: ﴿وما رميت إذ رميت﴾ أنه رمى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رمى، لكن الذي أوصله إلى أعين الكفار هو الله سبحانه وتعالى. على النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شاهة الوجوه»، ورمى بشيء حفنة من تراب، فأصابت كل عين كافر كان من الكفار، أصابتهم هذه الرمية، ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾، فهي عليهم أي دليل عليهم لا له، لأن الله عز وجل أثبت الرمية للنبي صلى الله عليه وسلم. أهل السنة أثبتوا للعبد مشيئة وفعل، أثبتوا للعبد مشيئة وفعل، لكن يقولون أنها تابعة لمشيئة الله عز وجل النافذة في كل شيء، أي لا شيء يكون إلا بإذنه سبحانه وتعالى وبمشيئته، كما قال: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾، ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾، أي لا تقم هذه الاستقامة ولا يقم هذا الفعل إلا بالله سبحانه وتعالى، ومن شيئته فهو المتصرف من هذه الأمور، أي وقوع الفعل لا يكون إلا بالله. لهذا قال العلماء أيضًا كذلك من هذا الباب الاستطاعة، الاستطاعة للعبد قبل الفعل، وأما الاستطاعة التي مع الفعل فهذه ليست للعبد، الاستطاعة قبل الفعل، مثلا إنسان يريد للمسجد، هو يستطيع أن يذهب إلى المسجد، عنده قدرة على المشي، يمشي إلى المسجد، مسجد قريب، مثلا، لكن وصوله إلى المسجد ودخوله إلى المسجد ليس بأمره، وإنما بأمر الله جل وعلا، قد يصل وقد لا يصل، قد مثلا يموت مثلا في الطريق، قد يحصل له مثلا شيء يصرفه عن المسجد. وهكذا أيضًا في الشر، وهكذا أيضًا في الشر، لو إنسان مثلا يريد أن يذهب مثلا ليشرب خمرًا أو غيره، فهو سيذهب لأنه يستطيع أن يذهب إلى ذلك المكان، لكن هل سيشرب هذا؟ لا، ليس تحت مشيئة العبد ولا قدرته، ليس تحت مشيئته ولا قدرته. فلهذا فالعبد له مشيئة وله فعل، لكنها تابعة لمشيئة الله جل وعلا، فلهذا فالآية ليست لهم فيها دليل، ظنوا أنها لهم دليل في الآية، وهي عليها، لأن الله عز وجل أثبت الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول أهل السنة يثبتون الفعل للعبد، لكن يجعلون مشيئته تابعة لمشيئة الله. والجبرية على نوعين، الجبرية على نوعين: جبرية الجهمية الغلاة الذين يسلبون العبد التصرف كالكامل، والجبرية جبرية الكسب، أصحاب الأشعري والماتريدي، هؤلاء جاءوا بمذهب جديد في الجبر، قالوا: أن الإنسان الأصل أنه مجبور، لكن ظاهره الاختيار، الأصل أنه مجبور، أنا لا فعل له، لكن ظاهره الاختيار. لما تراه ظاهره الاختيار، بعض إمامتهم كالرازي، وهو إمامهم ومقدمهم في العقليات، يقول: هذا المذهب ما فهمته، قال: فأخبرني رجل من أصحابي أو من زملائي، قال: فقال لي هذا مثاله: مثل الذي يأتي بحجرة كبيرة، يكون هناك حجرة كبيرة، فيأتي رجل قوي فيحملها، ثم يأتي رجلًا ضعيف لا يستطيع أن يحمل هذه الحجرة الكبيرة، رجل ضعيف لا يستطيع أن يحمل هذه الحجرة الكبيرة، قال: فيحملانها معًا. فالآن الناظر يقول: هذا صاحب الغازي يقول الناظر في هذين يقول: أن الذي يحمل أو يقول أن هذين يحملان الحجر، لكن قال: الحقيقة أن القوي هو الذي يحمل، الحقيقة أن القوي هو الذي يحمل، وإنما ظاهرهما أنهما يحملان، قال الرازي: ولم أفهم أيضًا هذا المثال. وهذا المثال عليهم ليس له، لأن القوي الذي يحمل مع الضعيف، فإن الضعيف يساعده، يعني يكون له فعل أيضًا، كذلك الضعيف، هم يريدون هذا الشيء أن يقول: أن الإنسان لما ينظر في حاملين الحجرة يظن أنهما على ظاهرهما أنهما يحملان معًا، وإنما الذي يحمل هو القوي، وهذا كلام باطل، حتى من ناحية العقل، ومن ناحية أيضًا ضرب هذا المثال. فلهذا فقولهم لا حقيقة له، يقول له: معنى من الأشياء التي لا حقيقة لها في الواقع، كسب الأشعرين يسمونه الكسب، وهو قول باطل، وقول مخالف للسنة، بحمد الله، أنه أن الخير والشر بيد الله عز وجل، خلقهم الله وقدرهما سبحانه وتعالى على العباد. ثم ذكر الاستطاعة التي يجب بها الفعل، إن شاء الله تعالى نذكرها في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.