الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 33، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد الدرس أن قبول الناس للنصح مشروط بأن يكون الداعي أول من يعمل بأمره ويترك نهيه، مستدلاً بقول شعيب عليه السلام: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾. كما يبرز ضرورة توكل الداعية على الله وعدم الاغترار بالقدرات الذاتية، مع التحلي بالحلم وحسن الخلق ومقابلة الإساءة بالإحسان كما فعل شعيب مع قومه.
يستعرض المقطع أبرز الأساليب التي اتبعها الأنبياء في الدعوة، وفي مقدمتهم التذكير بنعم الله لإثبات استحقاقه للعبادة وبيان التناقضات في معتقدات المشركين. ويؤكد على أهمية الترغيب في الإيمان بذكر ثمراته، والإحسان إلى المدعوين، ولين الجانب، والصبر على أذاهم مع التدرج في التربية.
يذكر الدرس تضحيات الصحابة من قتل وتعذيب وطرد في سبيل تبليغ الدين، داعياً الداعية إلى الاقتداء بهم. ويشدّد على وجوب التحلي بالصبر والحلم والتحمل والنصح المستمر اقتداءً بالأنبياء والصحابة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين. أما بعد، فما زلنا في ذكر الفوائد التي ذكرها المؤلف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في قصة نبي الله شعيب عليه السلام. فمن تلك الفوائد التي ذكرها قال: "وبينا أن الناصح للخلق الذي يأمرهم وينهاهم، من تمام قبول الناس لقوله أنه إذا أمرهم بشيء أن يكون أول الفاعلين له، وإذا نهاهم عن شيء كان أول التاركين". لقول شعيب: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ [هود: 88]. وهذا فيه -أيها الإخوة، أيها طلاب العلم والدعاة إلى الله- أن العمل بالعلم والعمل بما ندعو إليه، فإن العامل بعلمه والناصح الذي يوافق قوله فعله، قوله هذا أقرب إلى قبول نصحه، وإلى التأثر بأمره ونهيه. أن يكون الداعي إلى الله عز وجل عاملاً بما يأمر به، عاملاً بما ينهى عنه. هذا نبي الله شعيب يقول لقومه: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾. إذا كنت تأمر بالصدق فاحذر أن تكذب، إذا كنت تأمر ببر الوالدين فاحذر أن تعق والديك، إذا كنت تدعو إلى المحافظة على الصلاة فاحذر أن تتهاون في أمر الصلاة. ليرى الناس منك ما تقول بلسانك وما تدعو إليه بلسانك، فلربما كان الفعل أبلغ في التأثير من القول. الفعل لربما يكون أبلغ في التأثير من القول. فهذا أمر مهم جداً، قبيح بطالب العلم أن يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه. ولذلك جاء الوعيد الشديد لمن هذه حاله. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن رجلاً تُندلق أقتاب بطنه في النار، فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى، فيراه أهل النار فيقولون له: ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه». يعني لا يعمل بعلمه ولا يعمل بنصحه. فهذا أمر فيه من الترهيب، نسأل الله السلامة والعافية. وتعرفون حديث أبي هريرة: «أول من تُسعر بهم النار يوم القيامة... ومنهم عالم أو قارئ القرآن، يعرف نعم الله عز وجل عليه فيعرفها، فيقال له: ماذا عملت بعلمك؟ قال: تعلمت العلم وعلمته الناس. فيقال له: كذبت، إنما تعلمت العلم ليقال: عالم، وقد قيل. ثم يُؤمر به إلى النار، والعياذ بالله». فعدم الصدق والإخلاص في الدعوة يظهر على جوارح الداعية وعلى أفعال الداعية، فتجده يقول القول ويخالفه بفعاله. هذا دليل على عدم إخلاص الداعية إلى الله عز وجل، خصوصاً إذا كانت مخالفة هذا الداعية ليست قليلة ونادرة، وإنما هي كثيرة ودائمة. لأن أهل العلم ذكروا مسألة: هل للداعي إلى الله عز وجل أن يسكت عن أمر بمعروف لا يأتيه، أو نهي عن منكر يأتيه؟ فالصحيح أنه يأمر وينهى ويجاهد نفسه، وهذه في مسائل قليلة. فالإنسان ما يقوم الليل، فهل له أن يحث الناس على قيام الليل؟ لا، ليس كذلك، لكن يجاهد نفسه حتى يكون له حظ من قيام الليل، وحتى يوافق قوله فعله. وكذلك كان السلف يذكرون عن ابن الجوزي رحمه الله، وكان واعظاً مؤثراً يتأثر الناس بوعظه ونصحه، فطلب منه بعض طلابه أن يتكلم عن الترغيب في عتق الرقاب، رغب الناس في عتق الرقاب، وكانت الرقاب موجودة في عهده، وهو لا يفعل ذلك. كلفوه، لا يفعل ذلك. جلس فترة وهو لا يستجيب لهم. ففي مرة، في مرة من المرات، وبعد فترة من الزمن، تكلم عن الحث على عتق الرقاب والترغيب في ذلك، فتعجب طلابه، قالوا: نحن نطالبك منذ زمن طويل بالكلام في هذا الموضوع وما تكلمت، الآن تكلمت، لماذا؟ قال: لأنه ما كان عندي ما أعتق به رقبة، كان فقيراً، فلما يسر الله لي المال الذي به أعتقت رقبة تكلمت عن ذلك، حتى يوافق قولي فعلي. ما أراد أن يتكلم وأن يحث على أمر لا يعمله ولا يقوم به، رحمه الله رحمة واسعة. فقد يقول قائل: بعض الأعمال الصالحة ربما أستطيع أن أقوم بها، كالحث على الصدقة، أو على قيام الليل، أو على بعض فضائل الأعمال، فهل لي أن أحث الناس؟ نعم، حث الناس وجاهد نفسك، لكن لا يكون هذا عادة مستمرة لك، أو في غالب نصحك وأكثر أفعالك، وإنما هذا شيء نادر. قال: ومنها أن الأنبياء جميعهم بعثوا بالإصلاح والصلاح، لقوله: ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ [هود: 88]، كما سيأتي، ونهوا عن الشرور والفساد. ومن أعظم الصلاح والإصلاح الدعوة إلى التوحيد، فكل الأنبياء دعوا إلى التوحيد، ثم الدعوة إلى غيرها، أو إلى غير التوحيد من الأعمال التي هي دونه، كلهم بحسب ما يحتاجه قومه. فما تقدم معنا أن الأمم، كل أمة ابتليت ببعض الفساد والشر الذي كانوا عليه، فجاء الأنبياء وأمروهم بالتوحيد ونهوهم عن هذه الشرور. قال: فكل صلاح وإصلاح ديني ودنيوي فهو من دين الأنبياء، وخصوصاً إمامهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه أبدى وأعاد في هذا الأصل، يعني أصل الصلاح والإصلاح، ووضع للخلق الأصول النافعة التي يجرون عليها في الأمور العادية والدنيوية، يعني مما اعتاده الناس، كما وضع لهم الأصول في الأمور الدينية. وأنه كما أن على العبد السعي والاجتهاد في فعل الصلاح والإصلاح، فعليه أن يستمد العون من ربه على ذلك، بمعنى أن العبد دائماً يستصحب معونة الله عز وجل له في جميع أعماله وفي جميع أحواله. الدليل على ذلك قول نبي الله شعيب: ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ [هود: 88]. احذر يا عبد الله أن تغتر بذكائك، أو بعلمك، أو بشبابك، أو بأتباعك، أو بفصاحتك، أو بوجاهتك. لا تغتر بشيء من ذلك في دعوتك وفي جميع أمورك الدينية والدنيوية، وإنما استصحب دائماً وأبداً إعانة الله عز وجل لك. وهذا معنى قول الله عز وجل في سورة الفاتحة التي يقرأها المسلم في كل ركعة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، فقرن بين العبادة وبين الاستعانة، والاستعانة من العبادة، ولكن ليدل ذلك على أنه ما من عبادة يقوم بها العبد إلا وهو محتاج إلى معونة الله، محتاج إلى معونة الله عز وجل له. وهذا ما جاء في هذه الآية: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾. وكان شيخنا الوادعي رحمه الله يردد لنا دائماً وأبداً أن هذا الخير الذي وجد في المجتمع من ظهور دعوة أهل السنة والجماعة، يقول: ليس بقوتنا، ولا بحولنا، ولا بكثرة علمنا، ولا بكثرة مالنا، وإنما هو أمر أراده الله، أي توفيق من الله سبحانه وتعالى. قال: فعليه أن يستمد العون من ربه على ذلك، وأن يعلم أنه لا يقدر على ذلك ولا على تكميله إلا بالله، لقول شعيب: ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88]. قال: ومنها أن الداعي إلى الله يحتاج إلى الحلم وحسن الخلق، ومقابلة المسيئين بأقوالهم وأفعالهم بضد ذلك، وأن لا يمنعه أذى الخلق ولا يصده عن شيء من دعوته. هذا فيه تربية للدعاة إلى الله، وهذا القصص لم يقصه الله عز وجل لنا إلا لنأخذ منه العظة والعبرة. فانظر إلى ما واجه به الكفار نبيهم شعيباً من الاستهزاء: ﴿ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ [هود: 87]، من باب الاستهزاء. قالوا: ﴿ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ ﴾ [هود: 91]. انظر إلى هذه الأساليب، هل واجههم شعيب بالمثل؟ قال لهم: أنتم جهال، أنتم معاندون، أنتم لا خير فيكم أبداً؟ وإنما ينصحهم ويبين لهم ما أرسله الله عز وجل به من توحيد الله، ومن ترك ظلم العباد، ونحو ذلك مما مر معنا في هذه القصة: ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾. وأيضاً قوله: ﴿ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ﴾ [هود: 93]. وهكذا غيرها من الآيات التي فيها من معنى الحلم واللين، وكذلك عدم مقابلة الإساءة بالإساءة. وهكذا ينبغي أن يكون الداعية إلى الله، ستجد في طريقك الجاهل والحاقد والحاسد والمعاند، وكذلك الأحمق، فكل هؤلاء ستجدهم أمام دعوتك. لا تظن أن هذه الدعوة مفروشة لك بالورود ومكللة لك بالزهور، وإنما فيها من العناء وفيها من البلاء، فلابد أن توطن نفسك وأن تتحلى بما تحلى به الأنبياء والمرسلون من حسن الخلق ونحو ذلك. قال: وهذا الخلق كماله للرسل صلوات الله عليهم وسلامه، يعني أن أكمل الناس خلقاً هم الأنبياء. قال: فانظر إلى شعيب عليه السلام وحسن خلقه مع قومه ودعوته لهم بكل طريق، وهم يسمعونه الأقوال السيئة ويقابلونه المقابلة السيئة: ﴿ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ [هود: 91]. هل قال لهم: ما تستطيعون أن ترجموني، أنا عندي من القبيلة ومن العشيرة ومن الأعوان؟ أبداً، ما قابلهم بذلك، وهو صلى الله عليه وسلم يحلم عليهم ويصفح، ويتكلم معهم كلام من لم يصدر منهم له وفي حقه إلا الإحسان، يعني كأنهم محسنون إليه، هم يسيئون إليه وهو يحسن إليهم بالألفاظ والأقوال الطيبة، ويهون هذا الأمر. فإن هذا خلق، من ظفر به وحازه فقد فاز بالحظ العظيم. من ظفر بهذه الأخلاق من الحلم ومن الصبر على أذى المعاند، فقد حاز وفاز بالحظ العظيم. قال: وأن لصاحبه عند الله المقامات العالية والنعيم المقيم. ﴿ أَكْمَلُ النَّاسِ إِيمَانًا أَحَاسِنُهُمْ أَخْلَاقًا ﴾، أحاسنهم أخلاقاً. قال: ويهونه أنه يعالج أمماً قد طبعوا على أخلاق، إزالتها وقلعها أصعب من قلع الجبال الرواسي، لأن هذه الأخلاق السيئة قد تغلغلت في دمائهم وفي حياتهم، فلربما إزالة هذه الأخلاق أصعب من قلع الجبال الرواسي. إذا قيل لك: اذهب وقلع هذا الجبل، فلا شك أن هذا من أصعب ما يكون. قال: ومرنوا على عقائد ومذاهب، بذلوا فيها الأموال والأرواح، وقدموها على جميع المهمات عندهم، أفتظن مع هذا أن أمثال هؤلاء يقتنعون بمجرد القول بأن هذه مذاهب باطلة وأقوال فاسدة؟ أم تحسبهم يغتفرون لمن نالها بسوء، يعني يسامحون أو يعفون عمن نال آلهتهم بسوء؟ مثل ما فعل، مر معنا في قصة إبراهيم عليه السلام لما حطم الأصنام، هل سكت له قومه؟ بل أرادوا حرقه وقتله، فنجاه الله. وهذا فيه أن الداعي إلى الله عز وجل لا ييأس، ولو دعا ودعا ودعا ولم يستجب له، فإنه منصور بإذن الله عز وجل. فهل هؤلاء الأنبياء لم ينصرهم الله مع بقاء قومهم على هذا الكفر والعناد؟ أبداً، نصرهم الله، فدمر الكافرين ونصر رسله ومن تبعهم من المؤمنين، وهذا هو النصر، وهذا هو النصر في الدنيا قبل الآخرة، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51]. قال: كلا والله، إن هؤلاء يحتاجون إلى معالجات متنوعة بالطرق التي دعت إليها الرسل. أنت الآن وجدت في مجتمع تدعوهم إلى التوحيد وهم مصرون على الشرك، أو تدعوهم إلى السنة والاتباع وهم مصرون على البدع والابتداء، أو تدعوهم إلى الأخلاق الفاضلة وترك ظلم العباد وهم مستمرون على الظلم، فلا تيأس، ادعهم بما دعا به الرسل من تلك الطرق ومن تلك الوسائل الشرعية. فسيدكر المؤلف الآن بعض الطرق التي كان عليها نبي الله شعيب. قال: بالطرق التي دعت إليها الرسل. أولاً: يذكرون بنعم الله، وأن الذي تفرد بالنعم يتعين أن يفرد بالعبادة. هذا أسلوب من أساليب الدعوة، وهو التذكير بنعم الله. يعني هؤلاء المعاندون عندهم من الأموال وعندهم من الأرزاق، كما قال: ﴿ وَرَزَقَكُمْ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ [الأعراف: 96]، هذا من باب التذكير بالنعم. والتذكير بالنعم حث عليه الله عز وجل في كتابه في آيات كثيرة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ [المائدة: 11]، ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ﴾ [الأعراف: 69]، غيرها من الآيات التي فيها يذكر الأنبياء أقوامهم بنعم الله عز وجل عليهم. فهذا أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله. من يعبد غير الله، قل له: من الذي يرزقك؟ ومن الذي أعطاك مثلاً هذه السيارة، أو هذا البيت، أو تلك الزوجة، أو أولئك الأولاد؟ إذا اعترف أنها من الله، فقل له: إذن من أسبغ عليك هذه النعم، أليس هو أحق لأن يعبد؟ فكيف تعبد غيره؟ كما قال الله عز وجل عن إبراهيم: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 16-17]. أي الذي رزقكم هو أحق بالعبادة. هؤلاء الأصنام، أولئك الأضرحة والقبور، هل رزقتكم؟ هل أعطتكم هذه النعم؟ هذا أسلوب من الأساليب الذي كان عليه الأنبياء، فكان الأنبياء يذكرون أو يذكرون بنعم الله، وأن الذي تفرد بالنعم يتعين أن يفرد بالعبادة. قال: ويذكر لهم من تفاصيل النعم ما لا يعد ولا يحصى: نعمة الرزق، نعمة الأولاد، نعمة السكن، نعمة الصحة، نعم كثيرة، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [إبراهيم: 34]. قال: ويذكرون بما في مذاهبهم من الزيغ والفساد والاضطراب والتناقض المزلزل للعقائد، الداعي لتركها. فمثلا تريد أن تبين شرك القبوريين، شرك القبوريين، فتقول لهم: هؤلاء الذين تعبدون، هل يدافعون عن أنفسهم؟ هل ينفعون أنفسهم؟ إذا جاء من يكسرها، هل ستدافع عن نفسها؟ إذا جاء سيل وغطاها، لماذا لم تصد هذا السيل من أن ينالها وأن يغمرها؟ كل هذا يدل على أنها فاسدة وأنها لا تستحق العبادة. وهكذا يذكرونهم بغيرها من تلك التناقضات التي كانوا عليها. يذكرون أن أهل الجاهلية كان أحدهم يعمل صنماً من تمر، فإذا جاع أكله، فإذا جاع أكل إلهه. هذا من التناقض، كيف تعبد ذلك المعبود ثم تأكله؟ هل الإله يؤكل؟ هذا من التناقض، هذا من التناقض. قال: ويذكرون بما بين أيديهم وما خلفهم من أيام الله ووقائعه بالأمم المكذبة للرسل، المنكرة للتوحيد. هذا أيضاً من الأساليب. فلان تريد تنصحه وهو على معصية، ذكره بصاحبه الذي كان على مثل هذه المعصية ثم ابتلي بمرض أو بفقر أو بموت أو نحو ذلك، فهذا أيضاً من الأساليب. الله عز وجل يذكر هؤلاء بمن سبقه من الأمم: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِهِ جَاءَتْهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [فاطر: 25-26]، في آيات كثيرة بهذا المعنى، بهذا المعنى. قال: ويذكرون بما في الإيمان بالله وتوحيده ودينه من المحاسن والمصالح والمنافع الدينية والدنيوية، الجاذبة للقلوب، المسهلة لكل مطلوب، فترغب الناس في الإيمان. فتأتي لهم بثمرات الإيمان، وأنه سبب للطمأنينة، وسبب للحياة الطيبة، وسبب للسعادة، وسبب لدخول الجنة. يذكرون هؤلاء بمحاسن ومنافع ومصالح الإيمان والتوحيد والأخلاق الفاضلة. قال: ومع هذا كله، فيحتاج الخلق إلى الإحسان إليهم وبذل المعروف، وأعظم الإحسان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقل ذلك الصبر على أذاهم. هذا أقل شيء، لا تظن أنك إذا صبرت على أذى معاند، وعلى أذى متكبر، وكذلك على أذى أحد من ممن يبغض هذا الدين، هذا الدين، أنك قد أديت أمراً عظيماً، هذا أقل ما ينبغي أن تتحلى به، وهو الصبر على أذى المعاندين. قال: وتحمل ما يصدر منهم، ولين الكلام معهم، وسلوك كل سبيل حكمة معهم، والتنقل معهم في الأمور بالاكتفاء ببعض ما تسمح به أنفسهم، ليستدرج بهم إلى تكميله، والبدء بالأهم فالأهم. وأعظمهم قياماً بهذه الأمور وغيرها سيدهم وخاتمهم وإمام الخلق على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا نظرت في سيرته لرأيت تلك الأوصاف المتقدمة كلها مما اتصف بها عليه الصلاة والسلام. لو قرأت سيرته في العهد المكي، كيف ابتلي من أجل تبليغ دعوة الله عز وجل، وضع سلا الجزور على ظهره، وخنقه المشركون حتى جاء أبو بكر وقال: «أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟» كم لاق من الأذى، وكم اشتكى إليه الصحابة، كما في حديث خباب بن الأرت، قال: «يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ ألا ترى ما نحن فيه؟» أي من البلاء والأذى. فقال: «إن كان من كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له الحفرة، فينشر ما بين لحمه وعظمه، ما يرده ذلك عن دينه، ولكنكم تستعجلون». كم لو قرأت السيرة، كم لاق الصحابة، منهم من قتل، ومنهم من أوذي وعذب، ومنهم من طرد، كل ذلك في سبيل الله، حتى يبلغ لنا هذا الدين، حتى وصل إلينا هذا الدين غضا طريا كما أنزل، ولله الحمد والمنة. فهكذا ينبغي للداعي إلى الله عز وجل أن يقتدي بهؤلاء الأنبياء، أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده، وأن يتحلى بما تحلوا به من الصبر، ومن الحلم، ومن التحمل، ومن النصح، ونحو ذلك من تلك المعاني التي مرت معنا. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.