المحاضرة بعنوان وصايا للصائمين، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الجمعة ١٤ رمضان ١٤٣٥هـ ألقاها
يُنبّه على أهمية استثمار شهر رمضان بالطاعات والابتعاد عن المعاصي، وكان السلف الصالح يسألون الله بلوغه ويجتهدون فيه.
ينبغي التوبة الصادقة من الذنوب الماضية والعزم على فعل الخيرات بنية صالحة في المستقبل لتحقيق التقوى.
يتناول المقطع مسائل فقهية متعلقة بالصيام مثل حكم قول رمضان كريم وداعبة الرجل لامرأته واستخدام حبوب منع الحمل.
الغيبة والنميمة والشحناء والسب واللعن لا تفسد صحة الصوم ولكنها تفسد ثوابه لأن الله يريد تقوى الله من الصيام.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فأولًا نحمد الله تبارك وتعالى الذي منَّ علينا بنعم عظيمة وإنعامات غزيرة، من أجلها ما نتمتع به في هذه الأيام المباركات في رمضان. نحمد الله تبارك وتعالى أن بلَّغنا هذا الموسم العظيم وهذا الشهر المبارك الذي أودع فيه ربنا تبارك وتعالى ما أودع من الخيرات والبركات والرحمات. فنحمد الله تبارك وتعالى على هذه النعمة. كان سلفنا الصالح رضي الله عنهم ورحمهم الله كما جاء عن المعلَّى أو غيره أنه قال: كانوا يسألون الله تبارك وتعالى ستة أشهر أن يُبلِّغهم شهر رمضان. تأمل أيها المسلم إلى حال هؤلاء الصالحين، إلى حال هؤلاء الأخيار، إلى حال أولئك الفضلاء، كيف حالهم يدعون الله تبارك وتعالى ستة أشهر لأجل أن يُبلِّغهم ربنا تبارك وتعالى شهر رمضان؟ يسألون الله تبارك وتعالى أن يُبلِّغهم شهر رمضان. لماذا؟ هل لأجل أن يصوموا كصيام أي إنسان، أو أن يقوموا كقيام من لا يعرف لهذا الموسم قدرًا؟ لا، كانوا يسألون الله تبارك وتعالى سؤال المُشتاق لمن اشتاق، والمُحِب للمُحِب. لذا كان إذا دخل شهر رمضان كان من أحوالهم رضي الله عنهم ورحمهم الله الأمر العجاب في كل باب من الأبواب من أبواب الخيرات. فما من باب من أبواب الخيرات إلا وطرقوه، إلا وسعوا في فتحه وفي الدخول فيه، وفي بذل ما يبذلونه من الطاعات والخيرات؛ لأنهم يعلمون أن هذا الموسم موسمٌ عظيم، جعل الله تبارك وتعالى فيه نفحاتٌ عظيمة. أما سمعت أيها المسلم إلى قول نبيك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، أي إيمانًا بوجوبه واحتسابًا للأجر والثواب، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه». الله أكبر، منزلةٌ عظيمة وعطاءٌ كريم من الكريم المنان جل وعلا. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، هذه فضيلة أخرى ومنقبةٌ أخرى، «غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه». الله أكبر. وقال صلى الله عليه وسلم: «ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه». الله أكبر، ثلاثُ عطايا من الله رب العالمين جل وعلا، من الكريم، من الرحيم، من الغفور، من اللطيف جل في علاه. لك أيها المسلم جوائز وعطايا من الكريم المنان جل في علاه. كم كان السلف رضي الله عنهم وأرضاهم ينظرون إلى هذا الموسم، إلى شهر رمضان، بمنظار التعظيم؛ لما جعل الله جل وعلا فيه من أنواع الرحمات. سبحانه وتعالى يرحم الله جل وعلا به عباده. كما جاء في الحديث: «قال وفي كل ليلة من ليالي رمضان، لله تبارك وتعالى له في ذلك عتقاء عتقاء من النار». أيها المسلم، أما تستشعر بهذه النعم؟ ربك تبارك وتعالى كما أخبر بذلك عنه صادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنه في كل ليلة، في كل ليلة من ليالي رمضان، جعل الله تبارك وتعالى أو يعتق الله جل وعلا رقابًا. أما تتمنى أن تكون من أولئك الذين عتقوا أو سيعتق ربنا تبارك وتعالى رقبته من النار؟ عتقاء من النار، يعتقك ربك تبارك وتعالى من عذاب النار، وهو العياذ بالله من نار تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى. أمر عظيم ومناقب جزيلة من الله رب العالمين جل وعلا. بل نبينا صلى الله عليه وسلم يقول فيما في الحديث القدسي عن ربه تبارك وتعالى في أمر الصيام، وفي تعظيم أمره وشأنه: أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تبارك وتعالى: حينما ذكر ربنا تبارك وتعالى الحسنات والأعمال، قال ربنا تبارك وتعالى: أن العمل الذي يعمله بني آدم، الحسنة بعشر أمثالها، قال: إلا الصوم، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». تخيل وتأمل وتدبر أيها المسلم: الحسنة بعشر أمثالها من الخيرات والطاعات، وكل الأعمال لا تكون مقبولة إلا إذا كانت لله رب العالمين جل وعلا. لكن انظر إلى هذا الاستثناء في هذا الحديث من الله رب العالمين جل وعلا: «إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». الصوم أي أنا أختص به ربنا تبارك وتعالى، ثم وعدك ربك الكريم المنان بأن قال: «وأنا أجزي به». عطاء عظيم وخير واسع يكون من الله رب العالمين جل وعلا، لا يقدر قدره إلا الله، لا يقدر قدره إلا الله رب العالمين جل وعلا. ومع هذا، ومع ما سمعتم، تجد كثيرًا من الناس في تقاعص عن هذا الخير، في تكاسل، في لهو، في انشغال، في ضياع وتضييع لهذا الموسم العظيم، مع ما أودع الله تبارك وتعالى فيه من الخيرات. بعضهم ربما إذا دخل شهر رمضان يكون معتكفًا على المسلسلات والتمثيليات، وفي هذه الأيام على المباريات. وإذا خرج خرج إلى السوق، وقيل وقال، ولا يذكر الله إلا قليلًا. لا يذكر الله إلا قليلًا. إذا كان هذا الموسم مع ما أودع الله تبارك وتعالى فيه من هذه الخيرات لا يستثمر ولا يستفاد منه، متى أيها المسلم ستراجع نفسك وتنظر في أمرك وتعلم أنك غدًا ملاق ربك جل وعلا؟ ثم أنت إذا لقيت ربك تبارك وتعالى على أي هيئة، أنت ملاق ربك جل وعلا؟ النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر يومًا فقال: «آمين». جاء في بعض الأحاديث أنه صعد الثانية فقال: «آمين»، ثم صعد الثالثة فقال: «آمين». فقيل له: يا رسول الله، ما «آمين»؟ قال: «أتاني جبريل، فقال: رغم أنف امرئ دخل شهر رمضان حتى انسلخ، فلم يغفر له». أي رغم، أي تمرغ بالتراب أنفه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آمين». يعني تخيل أيها المسلم وتأمل من الداعي: الداعي جبريل عليه السلام، الملك المعظم عند الله رب العالمين جل وعلا. ومن المؤمن: المؤمن محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الرسول المكرم عند الله رب العالمين جل وعلا. فيا لها من خسارة، ويا له من فوت يومًا أن يمر شهر رمضان، يدخل يوم أن يدخل شهر رمضان وينسلخ شهر رمضان، ولم يكن الإنسان ولم يكن المؤمن ممن غُفِر له. أي خير ترتجى؟ وأي نفع تتمنى؟ وقد دعا عليك جبريل، وأمّن على دعائه محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الإخوة، أذكر نفسي وإياكم بأننا في موسم، في موسم عظيم من مواسم الخيرات. فينبغي لنا أن نحرص غاية الحرص على استثماره، وعلى العمل فيه، وعلى الجد والاجتهاد. نحن في مزرعة مثمرة، في بستان فيه جميع الثمار الطيبة المباركة. فما هذا التقاعص عند كثير من الناس؟ ينبغي للمسلم أن يكون حازمًا، أن يكون عاقلًا، أن يكون تقيًا، أن يكون صالحًا، أن يكون مصلحًا، أن يكون ساعيًا في أبواب الخيرات. ثم ليعلم الإنسان أنه كما قيل: هو بين أزمان ثلاثة، كل إنسان بين أزمان ثلاثة، ولا محالة: بين زمن قد مضى، وبين زمن هو حاضر فيه، وبين زمن هو آت. فأما ما مضى فإنه لا يرجع ولا يأتي أبدًا. ما مضى فإنه لا يرجع ولا يأتي أبدًا. ما تستطيع أن ترجع الغد يعني الأمس، وما تستطيع أن ترجعهم. وما سيأتي ليس في يدك، ما سيأتي من الأيام والأزمان ليس بيدك أبدًا أبدًا. وما تدري نفس بأي أرض تموت، ما تدري نفس بأي وقت تموت، بأي ساعة تموت؟ ما تدري. لذا كما قال من قال من الأئمة رحمهم الله تعالى: أن الإنسان العاقل ينظر في أزمانه وأحواله. ما مضى من زمان، فإنه يتدارك ما حصل فيه من تقصير بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله تبارك وتعالى. أنت قصرت فيما مضى، لكن من الله جل وعلا عليك بأن بقيت إلى وقت تراجع نفسك وتحاسب نفسك وترجع إلى الله رب العالمين جل وعلا. فسارع بالتوبة. والتوبة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تجب»، يعني أن التوبة تمحو بإذن الله تبارك وتعالى ما مضى من السيئة. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۞ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ۞ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: 53-55]. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۞ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۞ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 68-70]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: 8]. فالتوبة كما يقول علماؤنا رحمهم الله تعالى واجبة، التوبة واجبة على كل مسلم. أن الله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ندعو لأهل الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. نبينا صلى الله عليه وسلم هو خير خلق الله جل وعلا، وهو أتقى الناس لله، وأخشاهم، وأعلمهم. مع هذا كان يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة». في بعض الروايات: «في بعض الأحاديث أكثر من سبعين مرة». فما مضى من زمان يتدارك بالتوبة الصادقة، بالتوبة الصادقة المستوفية للشروط. وشرط التوبة كما يقول علماؤنا رحمهم الله تعالى: أولًا يجب أن تكون هذه التوبة خالصة لوجه الله رب العالمين تبارك وتعالى، لا يراد بها رياء، لا يراد بها سمعة، لا يراد بها شهرة: «أني تبت»، كما هو حال بعض المشاهير. لا يجب في التوبة، واشترط في التوبة أن تكون لله خالصة، لله رب العالمين جل وعلا، لقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. والتوبة عبادة. الأمر الثاني: الندم. ومعنى الندم: أي التحسر والتحرق على ما حصل من تفريط وتقصير وزلل. الأمر الثالث: الإقلاع عن الذنب الذي اقترفه أو التقصير الذي حصل منه. والأمر الرابع: النية والعزيمة على عدم الرجوع إلى ذلك الأمر الذي قد حصل منه. هذه أربعة. وخامس -إن كان هناك مظلمة لأحد من الناس- أرجع تلك المظلمة، واطلب الاستحلال منها. إن كان في مال، إن كان في عرض، تكلمت في عرض أخيك، أخذت من مال أخيك، يجب عليك أن ترجع الحقوق، وأن تطلب العفو والمسامحة. هذه شروط التوبة. هذا فيما مضى. وفيما سيأتي -كما ذكر- ليس بيدك. لكن ماذا يصنع الإنسان؟ يعزم على فعل الخيرات، يعزم بنيته، يعزم بنيته بأنه بإذن الله تبارك وتعالى سأفعل كذا، سأفعل كذا من أبواب الخيرات. يعزم وينوي الخير. فإن المسلم إذا نوى الخير أُجِر على ذلك بإذن الله رب العالمين جل وعلا؛ لما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وبنحوه من حديث أبي هريرة: «قال الله تبارك وتعالى: إن الله قسم الحسنات والسيئات، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة». انظر إلى فضل الله تبارك وتعالى عليك. من همَّ بحسنة -أنت في المستقبل- تقول: بإذن الله جل وعلا من الليلة سأصل للقيام. أنا من الليلة سأعمل كما يقال: سأخرج شيئًا من مالي للمساكين. أنا من الليلة سأصل أرحامي. أنا من الليلة سأبر بوالدي أكثر وأكثر. أنا من الليلة سأحسن إلى الناس. أنا من الليلة سأقوم بأمور المساجد من خدمتها، تنظيفها، إلى غير ذلك من أعمال الخير والبر. هذه نية، نية صالحة. إن عملت أُجِرت، وإن لم تعمل أُجِرت. إن عملتها كما جاء في الحديث: «قال: من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة». انظر إلى فضل الله تبارك وتعالى وعطائه. قال: «وإن همَّ بها فعملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف». فضل من الله، عطاء من الله. بماذا؟ بنية وعمل، بنية وعمل. زمن مضى بتوبة. زمن آت بنية وعزيمة. بقي أنت ابن يومك، كما قال من قال من السلف: «أنت ابن يومك». ما دام أنت في هذا اليوم، في هذا الزمن، أنت ابن هذا اليوم. ما مضى لا تستطيع أن تتداركه. وما سيأتي ما هو بيدك. إذا ما بقي إلا أمر الأمر الثابت الذي هو أنت في الزمن الذي أنت فيه. كيف ينبغي لك أن تعمل في ذلك العمل أو في ذلك الوقت، وفي ذلك الزمن؟ من استثمار ذلك الزمن في طاعة الله، في أعمال الخير، في أعمال البر. وفوق ذلك كله أن تنوي الخير. أيها المسلم، إنوي الخير. الإمام أحمد رحمه الله تعالى له وصية عظيمة أوصى بها ولده عبد الله، ابن الإمام أحمد بن حنبل. قال يومًا لأبيه: «يا أبتي أوصني». فقال له: «يا بني، إنوي الخير، فإنك في خير ما نويت الخير». الله أكبر، كلمات جسيرات، ولكنها عظيمات. «إنوي الخير، فإنك في خير ما نويت الخير». فأنت في يومك هذا، إنوي الخير. إنوي أنك ستفعل، ستفعل، ستفعل من الطاعات. إنوي الخير. إن فعلت أُجِرت، وإن لم تفعل أُجِرت. فأنت ماذا؟ أنت مأجور على جميع الأحوال. فهي نعمة من الله، وفضل من الله، وكرم من الله، وعطاء من الله. فاستفد من هذه العطايا الربانية. نسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يرزقنا التوبة النصوح، وأن يرزقنا النية الصالحة والعمل الصالح. إنه قريب مجيب. والله تعالى أعلى وأعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. طيب، هذه بعض الأسئلة. السؤال الأول: ما حكم قول «رمضان كريم»؛ لأننا قرأنا فتوى للعلامة العثيمين رحمه الله ظاهرها أنه يمنع من هذا اللفظ، ووجد من يقول بالجواز مطلقًا. فما هو الصحيح؟ جزيت خيرًا. وأنت كذلك جزيت خيرًا. طيب، الأظهر -والله أعلى وأعلم- أن التفصيل في هذه المسألة هو الأقرب، وهو أن من قال: «رمضان كريم»، وأراد وعنى بذلك أن رمضان كريم، أي يعطي، وأن رمضان هو الذي يعطي وهو الذي يكرم، فهذا خطأ، وهو الذي أشار إليه ونبه عليه العلامة العثيمين، ومنع لأجل هذا المعنى. لأجل هذا المعنى من قال: «رمضان كريم»، أي هو المعطي، هذا خطأ، هذا خطأ عقدي. وأما إن قال: «رمضان كريم» بمعنى أنه رمضان مكرم؛ لأن «فعيل» يأتي بمعنى «مفعل». أو «رمضان كريم» بمعنى «رمضان مبارك»، «رمضان كذلك» يعني مشرف معظم. فهذا لا بأس به، هذا لا بأس به. فالصواب في المسألة -كما ذكر- إن أراد باللفظ أن الكريم الذي يعطي من الكرم، فهذا خطأ، وهو الذي منعه العلامة العثيمين. وأما إذا كان من باب أنه «رمضان كريم»، أي كما سمعتم: مكرم، أو مكرم من الله، أي جعل الله فيه خيرات، هذا نعم، كذلك كما سمعتم. حتى العلامة العثيمين رحمه الله تعالى له عبارات يقول: «رمضان كريم». فكلامه لا يتعارض، لكنه رحمه الله تعالى لدقة نظره، لدقة نظره نبه وألحظ إلى هذه المسألة: أن بعضهم يقول: يفعل ما يفعل من المعاصي، يا فلان اتق الله، يقول: «رمضان كريم». إيش تقصد بكريم؟ أي أنه يعطي، هذا خطأ. أما إذا جاء إنسان يسلم على أخيه ويقول له: «رمضان كريم»، أي «رمضان مكرم معظم شارع مبارك». فهذا لا بأس به. والله تعالى أعلى وأعلم. طيب، سؤال آخر: قال: إذا داعب الرجل امرأته حتى أنزل، فما حكم صومه؟ هذا في تفصيل أيضًا. إذا داعبها ولم يرد الإنزال، وإنما سبقه الإنزال، فإن صومه صحيح، ولكنه ناقص؛ لأنه لم يعمل على حفظ شهوته حفظًا تامًا. وأما إذا داعبها بقصد إخراج، بقصد الإنزال، بقصد الإنزال، فإنه يفطر هذا اليوم على قول الجمهور. وكذلك يجب عليه على قول الجمهور أن يصوم مكانًا، أن يقضي يومًا مكان هذا اليوم. عليه أن يتوب إلى الله، وعليه أن يتوب إلى الله؛ لأنه فعل معصية في نهار رمضان. وهل يجب عليه كفارة الصيام، أي كفارة من أفطر وجامع في نهار رمضان؟ الصحيح من أقوال العلماء: ليس عليه ذلك، لكن عليه أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى. طيب، سؤال ثالث: هل للمرأة أن تشرب حبوب منع الحيض لأجل أن تصوم رمضان من دون إفطار، من حيث الجواز من عدمه؟ جائز، لكن كما يقول العلماء: هذا خلاف الأولى، هذا خلاف الأولى؛ لأن المرأة قد جعل الله جل وعلا في هذه الطبيعة، ووسع الله تبارك وتعالى عليها. قالت عائشة رضي الله عنها: «كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة». وجاء في حديث أبي سعيد: «أليست المرأة إذا جاءها الحيض لم تصلي ولم تصم؟». الحاصل: أن هذا يخشى أن يكون -إن تعمدت هذا الفعل- أن يكون هذا من التنطع، أن يكون هذا من التنطع المذموم. لكن كما سمعتم: مثلا إن احتاجت لأمر أو لآخر، فمن حيث الجواز وعدمه، ما هناك دليل يدل على التحريم والمنع. والله أعلم، لكنه خلاف الأولى. طيب، الأمر الرابع، أو السؤال الرابع: امرأة عملت لولب لمنع الحمل، فجاءها دم الحيض في بداية رمضان، وبعدها انقطع وطهرت لمدة خمسة أيام، ثم عاد إليها الدم مرة ثانية. فماذا تصنع؟ من باب التنبيه أولًا: أو هناك تنبيهان. التنبيه الأول: أن العلماء رحمهم الله تعالى ينبهون على أن استخدام منع الحمل بأنواعه -سواء كان حبوبًا أو لولبًا أو غير ذلك- يشبه أن يسبب اضطرابًا في عادة المرأة، يشبه أن يسبب اضطرابًا في عادة المرأة. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أن استخدام منع الحمل -حبوب منع الحمل أو غير ذلك- لا يجوز مطلقًا، ولكن يجوز كما يقول علماؤنا رحمهم الله تعالى بشروط. يجوز بشروط. من هذه الشروط: أولًا أن يكون ذلك المانع للحمل ليس مضرا بصحة المرأة، ولا يسبب العقم. الأمر الثاني: أن يكون ذلك الدواء أو ذلك المانع للحمل -كما يقول العلماء- في مدة معينة، أي لا تستخدمه المرأة بقصد قطع النسل مطلقًا، ولكن تستخدمه بقصد: مثلا امرأة عملت عملية، امرأة عملت مثلا جاءها ولد بعد ولد بعد ولد، بينهم عشر أشهر، إحدى عشر شهرًا، تعبت، ما استطاعت أن تقوم بالأولاد. فرد أن تعمل مثلا مدة سنتين حتى تربي ما معها. فبعض أهل العلم قال: لا بأس بذلك؛ لأجل هذا المعنى. الحاصل: أن الشرط الثاني: الشرط الأول أن يكون لا ضرر فيه. الشرط الثاني: أن يكون لأجل أو في مدة معينة، لا مطلقًا، لا بقصد قطع النسل مطلقًا. الأمر الثالث: أن يكون كذلك -كما يقول العلماء- بإذن الزوج، أن يكون بإذن الزوج. الأمر الرابع: أن يكون بقدر الحاجة. الأمر الرابع أو الشرط الرابع: أن يكون بقدر الحاجة؛ بمعنى أنه متى ما إن دفعت الحاجة، فإنها تزيل أو تقطع ذلك المانع للحمل، وترجع المرأة إلى ما أراد الله جل وعلا من الزواج. الله جل وعلا قال في كتابه الكريم: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الحشر: 18]، قال علماؤنا: أي الولد. ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي الولد. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تزوجوا الودود الولود؛ فإني مباهٍ بكم الأمم». فالنبي صلى الله عليه وسلم حث على التكاثر، وعلى إصلاح الذرية. طيب، هذان أمر، بقي الأمر الثالث، وهو ما ذكر في السؤال: هو كما أشير إليه في الفرع الأول، وهو: هل المرأة إذا عملت اللولب أو شربت حبوب منع الحمل أو ما شابه ذلك، فأتاها الحيض، ثم انقطع عنها الحيض، ثم راودها الحيض مرة ثانية بعد أيام؟ فماذا تصنع؟ الجواب: كما هو ظاهر: أن العبرة في مثل هذا الأمر برؤية الدم؛ لأن المرأة تصير في هذه الحالة مضطربة العادة. والمرأة إذا اضطربت عادتها، يقول علماؤنا رحمهم الله تعالى: ترجع إلى التمييز. ترجع إلى التمييز. ومعنى التمييز: أي تمييز دم حيضها؛ فالمرأة أعلم بحيضها من غيرها. فإذا انقطع الدم، ثم عاودها بعد ثلاثة أيام، أربعة أيام، عشرة أيام، ورأت أن ذلك الدم بأوصاف دم الحيض، بأوصاف دم الحيض، فإنها تدع الصلاة والصوم، تدع الصلاة والصوم. ومتى ما انقطع بعد يومين، ثلاثة أيام، فإنها تغتسل وتصوم وتصلي. لكن إذا عاودها الدم، عاودها الدم، لكن على لون غير لون دم الحيض، أي دم أحمر فاتح، أو بعض النساء ربما يعود إليها الصفرة أو الكدرة. فمثل هذا لا تعتبر به، لا يكون حيضًا، وإنما هو صفرة وكدرة بعد طهر، فليس بحيض، وإنما هو طهر. وكذلك ذلك الدم يسمى دم استحاضة، وليس بدم حيض، فلا تعتبر به. فإذا يقال: إذا كان الدم الذي رجع بعد خمسة أيام بأوصاف دم الحيض، فإنها حائض وتدع الصوم والصلاة. ومتى ما ذهب وطهرت اغتسلت وصلت وصامت. وأما إذا لم يكن دم حيض، فإنها لا تبالي بذلك، وتصوم وتصلي. والله تعالى أعلى وأعلم. طيب، سؤال خامس: هل الغيبة والنميمة والشحناء والسب واللعن تفسد الصوم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»؟ الصحيح من أقوال العلماء: أنه يفسد ثواب الصوم، يفسد ثواب الصوم، ولا يفسد الصوم؛ بمعنى أن الصوم من حيث صحته، الصوم صحيح، أي لا يجب عليه القضاء، ولا يكون بذلك صومه فاسدًا باطلًا. ولكن ثواب الصوم قد ينقص، ينقص، ينقص؛ حتى لا يخرج من صيامه بشيء؛ حتى لا يخرج من صيامه بشيء؛ لأنه أتى بماذا؟ بما ينقض ما هي؟ ومعنى الصيام: من التأدب والتعبد لله رب العالمين جل وعلا. كان في الحديث القدسي: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». وكما جاء في الحديث الآخر الذي يحسنه بعض العلماء: «قال: من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». الله جل وعلا يريد منك أن تدع الطعام وشرابه حسب، وإنما يريد ربنا تبارك وتعالى من الصيام، من الصيام: أن تحقق تقوى الله ربك تبارك وتعالى. قال في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. هذا هو المعنى الذي لأجله شرع الله جل وعلا الصيام. نسأل الله تبارك وتعالى أن يفقهنا في ديننا، وأن يغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا. إنه هو الغفور الرحيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.