الدرس في رمضان مدرسة الصائمين 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل المحور ببيان حكمة فرض صيام رمضان بأنها تحقيق تقوى الله لا مجرد الجوع والعطش، ويصف رمضان بأنه مدرسة للأخلاق وموسم للطاعات وتكفير السيئات، مستشهداً بحديث تصفيد الشياطين وفتح أبواب الجنة في أول ليلة.
يوضح المحور أن رمضان فرصة للإقبال على الطاعات والتحذير من المعاصي، ويعرف التقوى بتعريف طلق بن حبيب بأنها طاعة الله على نور من الله رجاء ثوابه، وترك معصيته على نور من الله خوفاً من عقابه، وهو تعريف أثنى عليه الإمام الذهبي.
يسرد المحور أدلة مركزية التقوى في الإسلام من القرآن الكريم والأحاديث النبوية المتعددة كحديث عدي بن حاتم وأبي ذر وأبي أمامة وعلي بن أبي طالب، مبيناً أنها خير زاد للمؤمن وطريق للجنة والنجاة من النار.
يختتم المحور بالتأكيد على أن تحقيق تقوى الله وعبادته هو الغاية القصوى من فرض صيام رمضان، داعياً إلى ترسيخ هذا الخلق في القلوب وسائلاً الله النفع بالعلم والعمل الصالح.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد تقدم معنا إخواني في الله في الليلة الماضية ذكر ما يتعلق بالحكمة التي من أجلها فرض الله عز وجل علينا صيام رمضان، وذلك مبين في قوله سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. وذكرنا أيضًا أن الله عز وجل ما فرض علينا الصيام لكي نجوع ونعطش، ولا لكي نتعب ونرهق أبداننا بالإمساك عن الطعام والشراب وغير ذلك مما فيه عمارة الأجساد، وإنما فرض ربنا عز وجل على خلقه صيام رمضان لأجل هذه الحكمة العظيمة والغاية البالغة، ألا وهي حتى نحقق تقوى الله عز وجل في قلوبنا: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. ولهذا، إخواني في الله، كان رمضان مدرسة بحق يتعلم فيها الصائم الدروس النافعة، يتحلى فيها بمكارم الأخلاق وجميل الصفات ومحاسن العادات، ويبتعد عن سيئ الأخلاق وعن ذميم الصفات. ولهذا، إخواني في الله، رمضان فرصة عظيمة لكي يتخلص العبد أولاً من الذنوب والسيئات التي لربما اقترفها خلال أيام وأشهر هذا العام. وهكذا أيضًا رمضان فرصة عظيمة للإقبال على الله عز وجل بالأعمال الصالحات، وهكذا أيضًا بجمع وتحصيل الأجور والحسنات التي تملأ بها صحائف الأعمال لمن وفقه الله عز وجل للخير. فرمضان موسم إقبال على طاعة الله عز وجل، ولهذا سبق معنا حديث أبي هريرة عند الإمام الترمذي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا كان أول ليلة في رمضان صُفدت الشياطين، ومردة الجن، وغُلّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر». فإن القلوب في رمضان مقبلة على الله عز وجل أكثر من غيره من الأشهر، وهكذا أيضًا النفوس في رمضان مبتعدة عن المعاصي والمحرمات وعن ذميم الصفات أكثر من ابتعادها في غيره من الأشهر. قال: «ينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر». من كانت نيته الخير، من كان قصده الطاعة، من كان يريد تحصيل الأعمال الصالحات والأجور والحسنات، فها هي فرصته وها هو موسمه: «يا باغي الخير أقبل». أقبل على الصلاة، أقبل على الصيام، أقبل على القيام، أقبل على البر، أقبل على الإحسان، أقبل على الصدقة، أقبل على العمرة، أقبل على أبواب الخير. «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر». قف يا باغي الشر، ولا تتمادَ في عصيانك، ولا تتجرأ على حدود الله عز وجل فتعتديها. فإن رمضان ليس شهرًا للمعاصي، وليس شهرًا لانتهاك الحرمات. من لم يتعظ في رمضان فمتى يتعظ؟ من لم يعتبر في رمضان فيُرى متى يعتبر؟ من لم يرق ويلن قلبه في رمضان فمتى يرق ومتى يلين لذكر الله عز وجل ويخشع لما أنزل الله عز وجل من الهدى والحق؟ ولهذا، أيها الإخوة في الله، هذا ما هو إلا من ثمار الصيام: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. وحقيقة التقوى هو أن يجعل العبد بينه وبين ما يخاف منه وقاية. وتقوى الله عز وجل هي طاعته سبحانه وتعالى بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه سبحانه وتعالى، فإن مدار التقوى على هذا. ومن أحسن التعاريف التي عُرفت بها التقوى ما ذكره أهل العلم عن الإمام الجليل طلق بن حبيب رحمه الله تعالى، إذ يقول معرفًا للتقوى: «أن تعمل بطاعة الله عز وجل على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله». وهذا كما سبق يعتبر من أحسن التعاريف التي عُرفت بها التقوى. ولهذا قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في السير معلقًا على هذا التعريف وعلى ما ذكره هذا الإمام: «أبدع وأوجز»؛ أي: طلق بن حبيب أبدع وأوجز. قال: «فإنه لا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بنور من العلم والاتباع، ولا يكون ذلك إلا بالإخلاص». وهذا يدل عباد الله على أن مدار الأمر على تقوى الله عز وجل، على الإقبال على الطاعات، وهكذا الابتعاد عن المعاصي والمحرمات. ولهذا نجد إخواني في الله أن الله عز وجل في كثير من المواضع إذا أمر بأمر أو نهى عن شيء، فإنه إما أن يسبق ذلك الأمر بتقوى الله عز وجل، وإما أن يلحق بذلك الأمر بتقوى الله عز وجل؛ إما قبل الأمر أو النهي الأمر بتقوى الله، وإما بعد ذلك أي بعد الأمر والنهي الأمر بتقوى الله عز وجل. وقد أمرنا ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بتحقيق هذه التقوى، وهكذا الحرص عليها في كثير من آيات الكتاب العزيز. بل لعلك يا عبد الله إذا قلبت نعم آيات القرآن وتأملت فيها تجد أن الله عز وجل لم يأمر بأمر أكثر من الأمر بتقوى الله عز وجل، وما ذلك إلا دليل على أهمية التقوى، وعلى أنه ينبغي على كل مسلم ومؤمن أن يحرص على تحقيق التقوى في قلبه، وأن يتزود بهذا الزاد العظيم الذي أمر الله عز وجل بأن يتزود منه، فقال: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾، ﴿ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾. وهكذا أيضًا إخواني في الله، نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيرًا كثيرًا ما كان يأمر أمته بأن يتقوا الله عز وجل، وبأن يكونوا من عباد الله المتقين. ومن ذلكم ما جاء في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان. قال: فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار. فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فاتقوا النار ولو بشق تمرة». وهكذا أيضًا يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث أبي ذر الذي رواه أصحاب السنن: «اتق الله حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». بل جاء عند الإمام أبي داود من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته المشهورة في حجة الوداع: «أيها الناس، اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم». وجاء من حديث علي رضي الله تعالى عنه قال: كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلاة، الصلاة، واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم. الصلاة، الصلاة، واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم». وفي مسلم من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون. فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». ولهذا، أيها الإخوة في الله، ينبغي علينا أن نحرص على تحقيق هذا الأمر، وهذا الخلق، وهذه العبادة العظيمة في قلوبنا، فإن ذلك من ثمار الصيام، وإن ذلك يعتبر غاية أو الحكمة من فرضية الصيام، ولأجلها فرض الله عز وجل علينا صيام رمضان. نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعلمنا الذي ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.