الدرس في رمضان مدرسة الصائمين 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُعد شهر رمضان فرصة عظيمة للتزود بالأعمال الصالحة حيث تُفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد مردة الشياطين. فرض الله صيام رمضان وجعله الركن الثالث من أركان الإسلام كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية.
حكمة فرض صيام رمضان هي تحقيق تقوى الله لا مجرد الجوع والعطش، مستدلاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن ترك قول الزور. حذر من أن يكون الصائم ممن لا ينال من صيامه إلا الجوع والعطش داعياً لمراجعة حاله في رمضان.
رمضان فرصة عظيمة للتخلص من العيوب والمعاصي مستشهداً بقوله تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ وبحديث قدسي عن الصوم. الصيام جنة تمنع الرفث والصخب وتأمر بالترفع عن الرد على السباب بقوله: «إني صائم».
يختتم المتحدث المقطع بدعاء أن يجعل الله المستمعين من الذين يتبعون أحسن القول. يشير إلى وقفات قادمة ستتناول الحكمة العظيمة التي فرض الله من أجلها صيام رمضان.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أيها الإخوة في الله، مما يعلمه الجميع أننا في هذا الشهر الكريم، وفي هذا الموسم العظيم، ألا وهو شهر رمضان المبارك، هذا الشهر الذي يعتبر فرصة عظيمة للتزود من الأعمال الصالحات، وهكذا استغلال الأوقات في الأجور والحسنات، وفيما ينفع العبد في الدنيا والآخرة، يوم أن يقف بين يدي الله عز وجل فيرى ثمرة هذه الأعمال الصالحات التي جمعها في هذه الدنيا. ولهذا فإن المسلم في رمضان يعتبر في تجارة مع الله عز وجل، وهذه التجارة هي تجارة رابحة لن تكسد، وهكذا صاحبها في فرح وسرور. إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال كما في حديث أبي هريرة الذي رواه الترمذي وابن ماجه رحمهما الله: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا كان أول ليلة من رمضان غلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وصفدت مردة الشياطين، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر». قال: وينادي مناد: «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقى من النار، وذلك في كل ليلة» أي من ليالي رمضان. وهكذا أيضًا إخواني في الله، لقد جعل الله عز وجل صوم أيام هذا الشهر الكريم من أعظم الواجبات، بل يعتبر الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه العظام التي يقوم عليها هذا الدين العظيم. ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». يقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. في هذه الآية بين ربنا عز وجل الحكمة التي من أجلها فرض الصيام، فإن الله عز وجل لم يفرض على خلقه وعلى عبيده صيام رمضان لكي يجوعوا ويعطشوا، أو لكي يجهدوا أنفسهم ويتعبوا، لا يا عباد الله، إن الله لغني عن ذلك، وإنما الحكمة التي من أجلها فرض ربنا جل في علاه صوم رمضان على خلقه: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، حتى نحقق هذه الصفة، وحتى نتحلى بهذا الخلق العظيم، ألا وهو تقوى الله عز وجل. ولهذا مخطئ خطأ كبير من صام عن الطعام والشراب، وهكذا من الأمور التي هي حلال له في غير أيام الصيام، ثم يفطر على ما هو حرام عليه أيام الصيام وفي غير أيام الصيام، في رمضان وفي غير رمضان. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث أبي هريرة الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى: قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به» - وجاءت زيادة خارج الصحيح والجهل - قال: «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». من لم يدع قول الزور والعمل به، وهذا يشمل قول الباطل والعمل بالباطل، من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. ولهذا إخواني في الله، كم من أناس لربما صاموا عن الطعام والشراب لكن حرموا من الأجور العظيمة، حرموا من الخير الكبير عند الله عز وجل. ولهذا جاء عند الإمام ابن خزيمة رحمه الله من حديث أبي هريرة، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم يصلي لله عز وجل ليس له من قيامه إلا السهر والتعب، إلا السهر والتعب». ولهذا أيها الإخوة في الله، ينبغي على كل صائم وعلى كل مسلم أن ينظر في قلبه، وأن ينظر في حاله، أهو ممن ازداد تقوى لله عز وجل في أيام الصيام وليالي هذا الشهر الكريم، أم أنه قبل رمضان وفي رمضان شخص واحد؟ ينظر المسلم في حاله، هل هو ممن تزود في رمضان بهذا الزاد العظيم الذي أمر الله عز وجل أن يتزود به أهل الإيمان أم لا؟ لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾، ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾. نعم أيها الإخوة في الله، ولهذا ينبغي أن يعلم الجميع أن رمضان مدرسة عظيمة يتعلم فيها الصائمون الدروس النافعة، يتحلون فيها بمكارم الأخلاق وجميل الصفات، وهكذا محاسن العادات. إذا كان عند الواحد خلق ذميم لربما اعتاد عليه قبل رمضان، وخلال أيام وأشهر هذه السنة، فهذا رمضان يعتبر فرصة عظيمة لكي يتخلص هذا العبد من هذه العيوب، ومن هذه الأخطاء والمخالفات والمعاصي. جاء في الصحيحين، واللفظ عند الإمام البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، إلا الصوم فإنه لي». هكذا يقول ربنا عز وجل، قال: «وأنا أجزي به». ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». انظر يا عبد الله إلى هذا الخلق العظيم الذي يعلمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله» ماذا يصنع؟ هل يجعل السيئة بالسيئة؟ هل إذا سابه أحد رد عليه بالسباب؟ هل إذا اعتدى عليه أحد وقاتله هل يرد بالمثل؟ لا يا عباد الله، قال: «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». أي أن الذي يمنعني من أن أرد السيئة بالسيئة، أو من سب سببته، أو قاتل قاتلته، هو أني صائم. فإن الصوم يمنع من ذلك، والصائم يترفع عن مثل هذه الأمور. «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». فهذا يا عباد الله من معاني التقوى التي يستفيدها الصائم خلال أيام الصيام، وخلال أيام وليالي هذا الشهر الكريم. إذا دخل رمضان وخرج رمضان ولم يستفد هذا المؤمن وهذا الصائم تحقيق هذه الشعيرة وهذه العبادة وهذا الخلق العظيم، ألا وهو تقوى الله عز وجل، فليعلم أنه لم يستفد من رمضان حق الاستفادة. وسياتي معنا وقفات إن شاء الله عز وجل حول ما يتعلق بهذه الحكمة العظيمة التي لأجلها فرض الله عز وجل علينا صيام رمضان. نسأل الله عز وجل بمنه وفضله وإحسانه أن يجعلنا جميعًا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين. والله تعالى، لا شكرا لكم، أنا