كلمة الشيخ أبو أسامة نبيل القعيطي

المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبو أسامة نبيل القعيطي، والتي كانت بمسجد الفاروق بمنطقة حباير يوم الأحد 5 شوال 1445هـ الموافق 14 أبريل 2024م ألقاها منوع

نعمة العافية وأهمية الدعاء بها

يتحدث المتحدث عن عظمة نعمة العافية التي يغفل عنها الناس حتى تفوتهم، مستشهداً بأقوال السلف وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تؤكد أنها من أجل النعم. ويبين أن النبي كان يكثر من سؤال الله العافية في الدين والدنيا والأهل والمال، موجهاً أمته إلى أن يسألوا الله العافية في كل شؤونهم.

فضل سؤال العافية والتحذير من مفسدات العقيدة

يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من سؤال الله العافية في مواطن شتى كاستفتاح الصلاة، وبين السجدتين، وعند النوم، وفي صلاة الجنازة، وعند زيارة القبور، مبيناً أن العافية في الدين هي أعظم العافية. ويحذر من خطر الجوالات ومجموعات التواصل التي تشوش على العقيدة، مستشهداً بمن أنكر عذاب القبر ونعيمه بسبب ما يطالع في هذه الوسائل.

حفظ نعمة العافية بالشكر والتقوى

يؤكد المقطع أن أعظم سبب لبقاء نعمة العافية هو شكرها، ويحذر من التسخط والشكوى رغم قسوة الظروف، داعياً إلى حفظ حدود الله والنصح للمسؤولين. كما يشدد على الاعتماد على الله في جلب النفع ودفع الضر مع الإكثار من الدعاء لسؤال العافية والثبات عليها.

دعاء العافية وحفظ البلاد من الفتن

يدعو المتحدث الله العظيم أن يعافي المسلمين في أبدانهم وحواسهم وأموالهم وأولادهم، وأن يحفظ بلادهم وسائر بلاد المسلمين من المحن والفتن الظاهرة والباطنة. ويختتم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، فبدايةً: جزى الله خيرًا من سعى في هذا الاجتماع، ومن قام على تنظيمه وتنسيقه وتسهيل أموره، ليحصل بإذن الله تعالى الخير العظيم، كما سمعنا في كلمة أخينا الافتتاحية الشيخ أبي عبد الله حفظه الله تعالى. وأما كلمتي في هذه العجالة فهي التذكير بنعمة عظيمة من نعم الله الجسيمة وآلائه العظيمة، التي يغفل عنها كثير منا؛ لأنها كما قال بعض السلف: «موجودة مجهولة، ومفقودة معروفة». إنها نعمة العافية؛ فإنها موجودة، فإذا وجدت جهلت ولم يتنبه لها، وإذا عُدِمت عُرفت. هي كما قال بعضهم: «الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى». العافية من أجل النعم، أيها الأحبة في الله. ولذلك قال أكثم بن صيفي رحمه الله: «العافية الملك الخفي، ملك يخفى عن كثير من الناس». ومصداق هذه المقولة قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أصبح آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». إنها العافية، أيها الأحبة في الله. وهي مطلوبة، ليست في الجسد فقط، بل في الجسد وفي الدين، وفي الدنيا وفي الآخرة، وفي المال وفي الولد؛ العافية مطلقًا، وهي السلامة من كل آفة ومن كل ما يضر. ولقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «ما كان رسول الله -أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يدعو بهذه الدعوات حين يصبح وحين يمسي: اللهم إني أسألك العافية، اللهم إني أسألك العافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي». إنها العافية، أيها الأحبة في الله. ولذلك ما يأتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحد يسأله في كثير من المواقف يسأله عن دعاء ينتفع به إلا دلّه على أن يسأل الله العافية. يقول ثوبان بن حميد رضي الله عنه: «قلت: يا رسول الله، علمني دعاء ينفعني. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قل: اللهم عافني». وقال آخر: «اللهم عافني من شر سمعي وبصري ولساني وقلبي، ومن شر منيّ». همّه أن يسأل الله العافية من شرور هذه الأشياء. بل جاءه عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال: «يا رسول الله، علمني دعاء أسأله ربي عز وجل». فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «سل الله العافية». فمضى، ثم عاد بعد مدة وقال: «يا عم، علمني دعاء أسأله الله عز وجل». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عباس، يا عم رسول الله، سل الله العافية، سل الله العافية، فوالله ما أُعطي أحد بعد اليقين خيرًا من العافية». ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام، أيها الأحبة في الله، يدعو الله عز وجل ويسأله العافية في كثير من المواطن: في الصلاة وفي خارج الصلاة. في الصلاة: من أدعية الاستفتاح التي كان يستفتح بها النبي عليه الصلاة والسلام صلاته، فكان يكبر الله عشرًا، ويحمده عشرًا، ويسبح عشرًا، ويهلل عشرًا، ثم يقول بعد هذا: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وعافني، وارزقني». يسأل الله العافية في مفتتح الصلاة. وكذلك في دعائه بين السجدتين كان يقول عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني». وحتى عند نومه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من أدعيته أنه كان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت توفاها، لك محياها ومماتها، إن أحييتها فاحفظها، وإن أمتها فاغفر لها». ثم يختم هذا بقوله: «اللهم إني أسألك العافية». بل حتى الأموات يدعو لهم النبي عليه الصلاة والسلام بالعافية في صلاة الجنازة؛ إذا دعا للميت كان من دعائه: «اللهم اغفر له وارحمه وعافه وعافه واعف عنه» إلى آخر الدعاء. وكان إذا زار المقابر أيضًا يسلم على أهل القبور ويقول: «السلام عليكم أهل الديار، السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وإنا بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية، أسأل الله لنا ولكم العافية». إنها العافية، لا يعدلها شيء، أيها الأحبة في الله. ولذلك ينبغي لمن عافاه الله سبحانه وتعالى في دينه، فلم يزل من أهل البدع ولا من أهل الأهواء ولا من أهل الخرافات والشركيات، فليحمد الله سبحانه وتعالى؛ فإنها أعظم عافية: عافية الدين. ولهذا كان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا تجعل مصيبتنا في ديننا». والحفاظ على هذه العافية في الدين: اجتناب أهل البدع وأهل الأهواء، هو قدر ما يستطيع الإنسان؛ فإن القلوب كما يقول بعض السلف: «ضعيفة، والشبهات خطّافة». وأجدها فرصة في هذا المقام، وهو مقام تناصح، كما سمعنا في كلمة أخينا الشيخ أبي عبد الله حفظه الله، من أغم ما تقام له هذه المجالس وهذه الاجتماعات: التناصح. فأجدها نصيحة لأبناء الشباب خاصة، وعامة المسلمين عامة، أن يتقوا الله عز وجل في هذه الجوالات؛ فإن من أخطر ما تجره هذه الجوالات أنها تشوش على ديانتهم، تشوش على ثوابتهم. والله رأينا بعض الناس من عامة الناس يجادل في ماذا؟ تصوروا في مسائل يعرفها حتى العجائز، وهي من المسلمات؛ لأنها مما أجمع عليه أئمة السنة والجماعة، ومما جاءت به النصوص الصريحة الواضحة من القرآن ومن السنة ومن كلام سلف هذه الأمة: مسألة عذاب القبر ونعيمه. من أين أتى بهذا؟ يجادل أن القبر ليس فيه لا عذاب ولا نعيم. من أين أتيت بهذا؟ والنصوص تجمع على هذا، وهذا مما ترسخ في قلوبهم. أتى به من هذه الجوالات، يدخل فيما رأى من هذه المجموعات، ويتشرب كل ما ينشر فيها، يقرأ ويسمع، ثم يتخبط في معتقداته. وإذا أصيب في دينه فذلكم هو الخسران المبين. يتقل الله عز وجل كل واحد منا فيما يسمع وفيما يقرأ؛ فليس كل شيء يصلح أن نقرأه، وليس كل شيء يصلح أن نسمعه. فالشبهات كما سمعتم خطّافة، والقلوب ضعيفة، وما سمي القلب قلبًا إلا لأنه يتقلب، يتقلب. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في تنك قطع الليل المظلم: «يصبح فيها الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي فيها الرجل مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». نحمد الله عز وجل على نعمة العافية في ديننا وفي أبداننا وفي أموالنا وفي أولادنا، ونبحث عن أسباب بقاء هذه النعمة. وأعظم سبب، أيها الأحبة في الله، لبقاء هذه النعمة: شكرها. فإن النعم إذا شكرت قرت، وإذا كفرت فرّت. والله عز وجل يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. شكر هذه النعمة، نعمة العافية: لا تتضجر يا أخي، لا تتشكى يا أخي، يا أيها الأحبة. صحيح نحن في وقت الآن ظروف الناس قاسية وصعبة جدًا، نعم، والأمور تعقدت، لكن مع ذلك والله نحن في عافية، في عافية. نصبح آمنين ونمسي آمنين، لا نفتح عيوننا على أزيز طيران، ولا على انفجار صاروخ، ولا على هدير مدفعية، ولا شيء من ذلك. نصبح والحمد لله نذهب نصلي في جماعة ونرجع، وعندنا قوت يومنا. فالحمد لله على ذلك، لا نتضجر ولا نتشكى. ولا يمنع هذا، أيها الإخوة، من أن نبحث عما نوسع به أرزاقنا، وكذلك لا يمنع هذا أن ننصح مسؤولينا، وفقهم الله، أن يتقوا الله في الرعية، وأن يتأكدوا أنهم مسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى، وسيسألهم عن رعيّتهم. فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ» أي الحاكم والمسؤول، «ومسؤول عن رعيته» إلى آخر الحديث. لا يمنع هذا من المناصحة، وأن يقوموا بدورهم. ومع ذلك كله فنحن ننضبط بالضوابط الشرعية، ونحمد الله سبحانه وتعالى على الخير الذي نحن فيه. والله إن غيرنا يتمنى لو كان في معشار ما نحن فيه من هذا الوضع الذي نحن نتضجر منه. مما يعين على حفظ هذه النعمة، أيها الأحبة في الله، كذلك: أن نقوم بحقوق الله سبحانه وتعالى، كما نصح النبي عليه الصلاة والسلام ابن عمه عبد الله بن عباس، وقال له: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: «احفظ الله يحفظك، إذا حفظت الله في حدوده حفظك الله، وحفظ ما عندك من هذه النعم». وهكذا أيها الإخوة، نحافظ على النعمة، نعمة العافية، بكثرة سؤالها، ومن دعاء الله سبحانه وتعالى لها. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعافينا في أبداننا، وفي أسماعنا، وفي أبصارنا، وفي أموالنا، وفي أولادنا، وأن يحفظ لنا بلادنا هذه خاصة، وسائر بلاد المسلمين عامة، من المحن والفتن، ما ظهر منها وما بطن. والحمد لله رب العالمين.