كتاب الصلاة 8

الدرس في كتاب الصلاة 8، ألقاها

أركان الصلاة: التكبيرة والقراءة

يبدأ الدرس بشرح ركني الصلاة الثاني والثالث، حيث يُشرع في تكبيرة الإحرام بقول 'الله أكبر'، ويجب قراءة الفاتحة في كل ركعة مع استثناءات للمسبوق.

أحكام الركوع والاعتدال

يتناول المقطع أحكام الركوع، حيث يشرح كيفية إدراك الركعة مع الإمام، ووجوب قراءة الفاتحة للمأموم، ويعدد آراء أهل العلم، ويشير إلى أن الركوع ركن من أركان الصلاة.

تفاصيل الركوع والاعتدال

يشير المقطع إلى أهمية الركوع المعتدل واتباع صفة صلاة النبي، ويشدد على ركني الرفع من الركوع والاعتدال قائماً، ويذكر الاعتدال يتم بالوقوف مطمئناً قبل السجود.

أركان الاعتدال ودعاؤه

الاعتدال من الركوع ركنان: الارتفاع من الركوع والطمأنينة في القيام قبل السجود، مع ذكر دعاء أثناء الاعتدال.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد: مضى معنا في الدرس الماضي الكلام على بعض أركان الصلاة، وكان مما أخذناه الركن الأول وهو الركن القيام في الصلاة. قالوا: الثاني تكبيرة الإحرام في أولها، أي تكبيرة الإحرام في أول الصلاة، وهي قول: الله أكبر، لا يجزئه غيرها، لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء في الصلاة: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر». وقوله صلى الله عليه وسلم: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم». وهذا القول هو الصحيح من أقوال أهل العلم، الذي عليه جماهير أهل العلم، أن التكبير ركن من أركان الصلاة. ويشترط في هذا الركن اللفظ، أي التلفظ بالتكبير، بأن يقول القائل: الله أكبر، كما جاء في حديث المسيء في صلاته، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر». والحديث متفق عليه عن أبي هريرة. وجاء كذلك في حديث رفاعة بن رافع عند الطبراني وغيره بإسناد حسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما علمه الصلاة، قال له: «ثم قل: الله أكبر». فهذا كذلك من أدلة الدلالة على هذا المعنى. وذكرت هذه المسألة لأن بعض الفقهاء قالوا: يجزئ أن يقول الإنسان: الله أعلم، الله أعظم، وما شابه ذلك. وهذا خطأ، والصواب ما سمعتموه: أنه لا يجزئ أن يقول إلا: الله أكبر، فيجب عليه أن يقول في التكبير: الله أكبر. الركن الثاني: تكبيرة الإحرام، وكما سمعتم يشترط فيها ذكر اللفظ: الله أكبر. الشرط الثالث: أو قالوا: فلا تنعقد الصلاة بدون التكبير. وفي هذا إشارة إلى أن إنساناً لو دخل الصلاة من غير تكبيرة الإحرام، ما حكم صلاته؟ الجواب: أن صلاته باطلة، ويجب عليه أن يعيد التكبير، أن يعيد الصلاة. فإن كان في أول أمره كبر، ثم أتى بالصلاة، فإن صلى من غير تكبير حتى فرغ من الصلاة، فإن صلاته تكون باطلة؛ لأنه ترك ركناً من أركان الصلاة. وهذا على قول جماهير أهل العلم. الركن الثالث: قراءة الفاتحة، أي الرقم الثالث. قالوا: قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة، بمعنى أنها تقرأ في كل ركعة، في الركعة الأولى، ثم في الركعة الثانية، إن كانت الصلاة ركعتين، وإن كانت ثلاثاً فثلاث مرات، وإن كانت رباعية فأربع مرات. فالحاصل أن الفاتحة تكون في كل ركعة. قالوا: لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». والحديث متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. والحديث واضح وصريح في أن من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فلا صلاة له. لكن هناك أمور مستثناة سيأتي التنبيه عليها منها. قالوا: ويستثنى من ذلك المسبوق، إذا أدرك الإمام راكعاً، أو أدرك من قيامه ما لم يتمكن معه من قراءة الفاتحة. هاتان صورتان: يعني إنسان إذا دخل المسجد فوجد الناس يصلون، كبر للتحريم، فلما كبر الإمام ركع، ليس عنده فترة كافية كي يقرأ فيها الفاتحة، فماذا يصنع؟ يركع مع الإمام ويتم صلاته. وها هنا تسقط عنه قراءة الفاتحة. وكذلك يسقط عنه ركن القيام؛ لأنه يدخل مباشرة بماذا؟ يكبر الله أكبر، ثم ينتقل إلى الركوع. وكذلك إذا دخل المؤتم والإمام راكع، دخل والإمام راكع، فماذا يصنع؟ يكبر ويدخل مع الإمام في الركوع، وليس عليه قراءة فاتحة في هذه الحال، على الصحيح من أقوال أهل العلم. بأن هذه الصورة مستثناة، فإذا أدرك الإمام راكعاً وأدرك معه الركعة كاملة باطمئنان، صحت له تلك الركعة، تعد له ركعة كاملة. يدل على هذا ما رواه عبد الله بن زبير رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال: «إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع، فليركع حين يدخل، ثم يدب راكعاً حتى يدخل في الصف، فإن ذلك السنة». وجاء من فعل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه هذا الفعل، أنهم كانوا يدبون حتى يدخلون في الصف. وجاء كذلك عن ابن مسعود، وكان معه أحد تلامذته علقمة، قال: فلما فرغنا من الصلاة، قال: أردت القيام، قال: فجذبني عبد الله -يعني علقمة- ظن أن الركعة لم تدرك بالركوع، فجذبه عبد الله بن مسعود فجلس. فلما سلم عبد الله بن مسعود، قال له: قد أتممت صلاتك؛ بإدراكك للإمام راكعاً. فالحاصل أن الصحيحة من أقوال أهل العلم: أن من أدرك الإمام راكعاً وأدرك معه الركوع بإطمئنان، تمت وصحت له تلك الركعة. وكذلك المأموم في الجهرية يستثنى من قراءتها، لكن لو قرأها في سكتات الإمام فإن ذلك أولى، أخذ بالأحوط. وهذه كذلك مسألة أخرى وقع فيها الخلاف، وهي: من صلى خلف إمام في صلاة جهرية، ما معنى صلاة جهرية؟ أي صلاة التي يجهر فيها بالقراءة، فهل يكتفي المأموم بقراءة الإمام، أم أنه يجب عليه أن يقرأ هو كذلك الفاتحة؟ الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه يجب عليه أن يقرأ الفاتحة؛ لعموم الأحاديث في ذلك، أو من حديث عبادة الذي مر معنا: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وأما ما استدل به القائلون بأن قراءة الإمام له قراءة، جاء حديث في ذلك وهو ضعيف. وجاء كذلك حديث آخر وهو في صحيح مسلم، وفيه: «إذا قرأ الإمام فأنصت». ولكن هذا الحديث مما أعله الحفاظ، أعله الإمام البخاري والإمام أبو داود والدارقطني والبيهقي، وجماعة من الحفاظ، وحكموا فيه على إبراهيم التيمي بأنه وهم في هذه الزيادة: «فإذا قرأ فأنصت». فالراجح من أقوال أهل العلم: أنه يجب القراءة، أي قراءة سورة الفاتحة، مطلقاً، سواء كان في صلاة جهرية أو كان في صلاة سرية. هذا هو الأرجح من أقوال العلماء، والله أعلى وأعلم. الركن الرابع: الركوع في كل ركعة، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ثم اركع حتى تطمئن راكعاً». أي في حديث المسيء المتفق عليه. والشاهد منه واضح: أن النبي صلى الله عليه وسلم علم المسيء أركان الصلاة التي لا تصح الصلاة إلا بها، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «ثم اركع حتى تطمئن راكعاً». إذن من أركان الصلاة: الركوع في كل ركعة. ويدخل في الركوع ومسألة الركوع عدة أمور وعدة مسائل، فمن هذه المسائل التي تذكر في الركوع أولاً: ما هي الكيفية المجزئة في الركوع؟ أهل العلم رحمهم الله تعالى ذكروا كيفيات، ومن أصحها وأرجحها: أن الكيفية المجزئة أن يظهر على الراكع بأنه راكع، بحيث إذا نظر إليه الناظر علم أنه راكع. ومن أهل العلم من ذكر وصفاً لعله يكون أضبط في ذلك، فقال: إذا كانت راحتا يديه تلي الركبتين، الراحة -أي الكف- تلي الركبة، يحصل فيها الانحناء. فهذه الصورة لعلها أضبط. لكن تقيد كذلك باليد المعتدلة، ليست القصيرة الزائدة القصر، ولا الطويلة الزائدة الطول. يعني بعض الناس قد تكون أصل خلقته يده طويلة جداً، أو قصير جداً، القصر غير معتبر، المعتبر باليد المعتدلة. هذا هو الواجب في الركوع. وكذلك من الأمور التي ينبغي ذكرها في الركوع: أن الراكع إذا ركع أن يقبض على ركبتيه. وبعض أهل العلم يقولوا: بأن القبض مستحب، وبعضهم ذهب إلى الوجوب، أن يقبض على الركبتين، ويفرق بين أصابعه، وتكون متفرقة على الساقين؛ لما جاء في حديث أبي حميد الساعدي، وكذلك غيره هذا المعنى. وكذلك من الأمور المستحبة: أنه يفرج بين يديه في الركوع، يفرج بين يديه في الركوع، لكن إذا كان في صلاة الجماعة يفرج تفريجاً بحيث لا يؤذي من بجواره. وأيضاً من الأمور المستحبة: أن يكون الظهر مستوياً، أي أثناء الركوع؛ لما جاء في صحيح مسلم حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، أنها ذكرت صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرت منها: أن نبينا صلى الله عليه وسلم «كان إذا ركع استوى واعتدل راكعاً». جاء في بعض الرواية: «حتى أنه لو وضع على ظهره كوب الماء لما وقع». وهذا يدل على شدة الاستواء. وجاء في صحيح البخاري أيضاً من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه وأرضاه في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: أنه قال: «وهصر ظهره». ومعنى هصر ظهره: أي سناه مع اعتدال، أي أنه ركع فكان ظهره منثنياً بسبب الرجوع في الركوع، ولكنه كان معتدلاً. وكذلك الرأس، لا يكون رأساً -يعني الرأس كذلك يكون معتدلاً- لا يكون مائلاً ولا يكون منتصباً، بل يكون معتدلاً مع الظهر. لما جاء كذلك في حديث أبي حميد، وجاء في حديث غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه بعض الأمور التي ينبغي مراعاتها في الركوع أثناء الصلاة؛ لأن بعض الناس ربما يركع كما يقال: ركوع شبه قائم، وبعضهم ربما يركع ركوعاً يجعل رأسه بين ركبتيه، ينحني انحناء شديداً. والأمر وسط، لا إفراط ولا تفريط. الركن الخامس والسادس: الرفع من الركوع والاعتدال منه، قائماً. أي الركن الخامس: الرفع من الركوع، أن يرتفع من الركوع. والسادس: أن يعتدل قائماً بعد الرفع. كما يفعله بعض الجهال، بعض الناس يركع كأنه سابق، يقول: من أسرع مني في الصلاة؟ يركع الله أكبر، سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. هذا حاله كما قيل: يقال له: ارجع فصلي؛ فإنك لم تصلي. وقد ثبت في صحيح البخاري: أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه رأى رجلاً يخل بالصلاة، فقال له حذيفة رضي الله عنه وأرضاه: «ما صليت، ولو مت على ذلك لمت على غير الفطرة التي فطر الله جل وعلا عليها محمداً صلى الله عليه وسلم». أي: تموت على غير الإسلام. واضح؛ لأنه حقيقة أمره بأنه ما صلى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء: «ارجع فصلي؛ فإنك لم تصلي». وهذا يبين لنا خطر التهاون بالصلاة، ويبين لنا كذلك فضل معرفة صفات صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها من الأمور الواجبة على كل مسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلوا كما رأيتموني أصلي». والأمر للوجوب، فوجب على كل مسلم وجبت عليه الصلاة أن يعرف صفة الصلاة. قال رحمه الله تعالى: الرفع من الركوع والاعتدال منه قائماً، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء: «واركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً». فهذا ركنان: الأول أن يرتفع من الركوع، والثاني قبل أن يخر لسجود أن يبقى قائماً مطمئناً. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على