الدرس في حلية طالب العلم 28، ألقاها
يؤكد الشيخ على أهمية التدرج في طلب العلم واتباع سبيل السلف لتجنب الضلال والزلل. يشدد على ضرورة التأسيس الصحيح للعلم.
يشترط الحافظ ابن عبدالبر حفظ كتاب الله وتفهمه كأول خطوة في طلب العلم، مع أهمية طلب العلوم المساعدة مثل اللغة والنحو والتفسير. هذا يؤسس لفهم صحيح للعلم.
ينبغي للطالب أن يتدرج في طلب العلم خاصة في باب العقائد والتوحيد لتجنب الأخطاء والزلل. يجب أخذ العلم خطوة فخطوة لتحقيق الفهم الصحيح.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله تعالى حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس السابق في «حلية طالب العلم» الشروع في الفصل الثاني، وهو في كيفية الطلب والتلقي. ومر معنا ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى في قوله: «كيفية الطلب ومراتبه». قال: «من لم يتقن الأصول حرم الوصول». تقدم معنا التعليق على هذه الفقرة والتي تليها. كذا قوله: «ومن رام العلم جملة ذهب عنه جملة». وقيل أيضا: «ازدحام العلم في السامع مضلة الفهم». وهذه الأقوال المذكورة التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى كلها تدل على شيء واحد، وهو أنه لا بد في طلب العلم من تدرج. لا بد للطالب في طلبه للعلم أن يتدرج في العلم. قال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى في «جامع بيان العلم وفضله»: «طلب العلم درجات، ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها». انظروا إلى كلام هذا الإمام رحمه الله تعالى كيف يقرر هذه المسألة، وكيف أن طالب العلم لا بد له من أن يتدرج في الطلب. إذا قال: «طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها»، أي: هذه الدرجات لا ينبغي للطالب أن يتعداها، وهذه الرتب لا ينبغي للطالب أن يتعداها. ومعنى يتعداها: أن يقفز إلى الأعلى قبل أن يضع قدمه على الأولى. ومن تخيل هذا في مثال حسي ظهر لهم هذا المعنى. إنسان إذا نظر إلى مكان شاهق وجبل مرتفع، وفيه درجات، ومنازل، ورتب، من سار على هذه الدرجات، ونزل بتلك المنازل، وسار على تلك الرتب وصل إلى بغيته. ومن لم يسر على ذلك السير لم يصل، بل انقطع في أثناء الطريق. قال هذا الإمام رحمه الله: «لا ينبغي تعديها». قال: «ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله». من تعداها جملة ما نظر إلى تلك الدرجات، ولا إلى تلك الرتب، ولا إلى تلك المنازل، قفز يريد أن يتقفز في العلم. قال: «فقد تعدى سبيل السلف فيها». قال: «ومن تعدى سبيلهم عامدا، من تعدى سبيل السلف لم يسر على سير السلف رحمهم الله عامدا، يعلم أن هذا الطريق هو طريق من سبق، ومن سلف من أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ومع هذا سلك طريقا آخر، طريقا مظلما، طريقا قد ملئ بالشكوك، قد ملئ بالمخاوف، قد ملئ بالمخاطر». فيقول: هو قصير فأختصر، وأستفيد من العمر. من فعل ذلك قال رحمه الله تعالى: «ضل، ولا بد أن يضل، ولا بد أن يضل». لأنه سيتخبط، سيتخبط لا يدري إلى أين يسير، لأنه سلك طريقا موحشا لم يسبق إلى ذلك الطريق. قال: «ومن تعداه جملة، قال رحمه الله: ومن تعداه مجتهدا اجتهد، ولكنه خالف طريق السلف في عدم السير بسير السلف مجتهدا، وليس عامدا، ولكنه مجتهدا». وقوله: «مجتهدا» في إشارة إلى أنه أخطأ في اجتهاده. قال: «ومن تعداه مجتهدا زل». إذن هو بين أن يضل وبين أن يزل. قال: «فأول العلم وينبغي لطالب العلم أن يأخذ بنصائح هؤلاء الأئمة الذين شهد لهم القاص والداني بالإمامة في الدين، لأنهم يخبرون عن شيء جربوه، وعن شيء عنوه، وعن شيء عالجوه، فهم يخبرون عن تجربة وخبرة، إلى جانب ما آتاهم الله جل وعلا من العلم، وما آتاهم الله جل وعلا من الصدق، وما آتاهم الله جل وعلا من النصح لله جل وعلا، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، فهم يحرصون غاية الحرص على إيصال الخير إلى الغير». قال رحمه الله: «فأول العلم قد يقول قائل إذا كان العلم درجات، وإذا كان العلم رتب، وإذا كان العلم مناقل، فما هو أول العلم؟ يقول الحافظ ابن عبدالبر رحمه الله، وهذا سيأتي بإذن الله جل وعلا أيضا معنا في كلام الشيخ، ولكن قد ذكر، فيذكر. قال: فأول العلم حفظه كتاب الله عز وجل، حفظه كتاب الله عز وجل وتفهمه، هذا أول العلم، هذا أول العلم أن يحفظ الطالب كتاب الله جل وعلا». هل مجرد حفظ لألفاظه دون العلم بمعانيه؟ يقول الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى: قال: «وتفهمه»، أي: أن يكون حفظا مع تفهم، أن يكون حفظا مع تفهم. وهذا لعلهم أخذوه من فعل السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، كما جاء في حديث عبدالله، أو في أثر عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال في وصفه لأخذ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للعلم: «أنهم كانوا يحفظون عشر آيات، يتعلمون العشر الآيات، ثم يتفقه في معانيها، ثم يعمل بها، ثم يعمل بها، أي بمقتضاها، ثم بعد ذلك ينتقل إلى عشر أخرى، ثم بعد ذلك ينتقل إلى عشر أخرى، فيكونون بذلك جامعين بين العلم والعمل والفقه في الدين، بين العلم والعمل». قال رحمه الله تعالى: «فأول العلم حفظ كتاب الله عز وجل وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه». تأمل إلى هذا الأمر، يقول رحمه الله: «وكل ما يعين على فهمه مما يعين على فهم كتاب الله جل وعلا، ما يلقبه العلماء اليوم وقبل اليوم بعلوم الآلة، بعلوم الآلة». يحتاج مثلا من أجل أن يفهم كتاب الله إلى معرفة اللغة، إلى معرفة اللغة، يحتاج إلى معرفة مثلا علم النحو، يحتاج إلى معرفة علم المعاني. وعلم المعاني للقرآن مهم، والناظر في القرآن مهم، لأنه يفتح للطالب أسرارا ومعاني عظيمة في القرآن. فالحاصل أن الطالب يحتاج إلى ماذا؟ إلى ما يعين على فهم كتاب الله جل وعلا. يحتاج مثلا إلى فهم كتاب الله جل وعلا إلى معرفة ضوابط وأصول التفسير، يحتاج أيضا إلى مثلا علم التفسير، يحتاج أيضا إلى معرفة المسائل المتعلقة بعلم القرآن من القراءات مثلا، ومعرفة الأوجه وما شابه ذلك، وما شابه ذلك. يقول الحافظ ابن عبدالبر رحمه الله تعالى: «وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه، فواجب طلبه معه». ثم بين رحمه الله تعالى وجه ذلك الوجوب، فقال: «ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولا أقول إن حفظه كله فرض»، أي: لا يقول إن حفظ القرآن كله فرض على طالب العلم. قال: «ولكني أقول، ولكني أقول إن ذلك، أي حفظ القرآن مع تفهم معانيه». قال: «ولكني أقول إن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالما فقيها ناصبا نفسه للعلم، ليس من باب الفرض، ليس من باب الفرض». بمعنى أن من أراد، من رأى في نفسه أنه يتهيأ ويهيئ نفسه لأن يكون مرجعا للأمة، فينبغي له أن يحرص على هذا الأمر، أن يحفظ كتاب الله، وأن يتفقه في كتاب الله جل وعلا، حتى يكون ماذا؟ حتى يكون مرجعا، وإذا كان مرجعا يكون مرجعا عن علم، يكون مرجعا عن علم. قال رحمه الله تعالى: «قال: إن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالما فقيها ناصبا نفسه للعلم، ليس من باب الفرض». انتهى كلامه رحمه الله. قال الشيخ باكر رحمه الله: «وعليهم فلابد من التأصيل». وعلى ما تقدم فلابد من التأصيل والتأسيس لكل فن تطلبه. هذا شروع من الشيخ رحمه الله تعالى في المطلوب. أي: إذا علم أن الطالب مما ينبغي للطالب أن يتدرج، وأن يبدأ بالأصول، وأن يبدأ بالأمور أولا فأولا، فماذا يصنع؟ قال: «عليه فلابد من التأصيل، وما ذا والتأسيس»، أي: لا بد من أن يكون له أساس، أن يكون له أساس قوي يبني عليه بعد ذلك، يبني عليه بعد ذلك ما شاء الله جل وعلا من العلم. قال رحمه الله: «والتأسيس لكل فن تطلبه، تأسيس لكل فن أنت تطلب في علم». مثلا من أوائل العلوم سيأتي معنى في كلام الشيخ، لكن من باب الإشارات والتمثيل، مثلا في علم التوحيد الذي هو أول واجب على العبد، يبدأ الإنسان بماذا؟ بالأشياء التي هي أصول أولا فأول، يتدرج، انتهى من كتاب ارتقى إلى كتاب أعلى منه، انتهى من كتاب ارتقى إلى كتاب أعلى منه، انتهى وهكذا يتدرج في العلم يوما بعد يوم، وفائدة بعد فائدة، ومسألة بعد مسألة، ويكمل بإذن الله جل وعلى مع الأيام كمالا نسبيا. أما الكمال المطلق فهو لله جل وعلى. وكذلك يقول في غيره من العلوم، في غيره من العلم، يبدأ بالأساس الأول فالأول، إذا فرغ من كتاب انتهى أو انتقل إلى غيره وصعد وارتقى، إذا انتهى من كتاب ارتفع وارتقى، إذا انتهى من كتاب ارتفع وارتقى، وهكذا. قال رحمه الله تعالى: «قال: فلابد من التأصيل والتأسيس لكل فن تطلبه». بماذا؟ وكيف يكون ذلك؟ قال الشيخ: «بضبط أصله ومختصره على شيخ متقن، لا بالتحصيل الذاتي». وآخذني الطلب بالتدرج. قوله رحمه الله: «بضبط أصله ومختصره»، مثلا إنسان على سبيل المثال أراد أن يبدأ كما سمعنا في علم التوحيد، يبدأ مثلا في «الأصول الثلاثة»، يأخذ «الأصول الثلاثة» يحفظ هذه «الأصول الثلاثة». إن آتاه الله جل وعلا حفظا، ولا يستعجل، فيقرأها بنفسه، يعرضها على كما ذكر رحمه الله تعالى على شيخ متقن. إن وقد إن وقد هذا الوصف شيخ متقن يحتاج أن يقرأ عليه، كما يقال: هذا نور على نور، وخير على خير. فإن لم يوجد نظر بمن يراه في مجتمعه، أو في بلده، أو في قريته إلى من هو أتقل من يعرف، أو من يعرف بذلك الفن، فيقرأ عليه ذلك المختصر، ويضبط ما يحتاج إلى ضبط، ويضبط ما يحتاج إلى ماذا؟ إلى ضبط، حتى لا يحفظ خطأ. القرآن كذلك، وهذا كما هو معلوم، أم العلوم، لا ينبغي للطالب أن يأخذ الكتاب كتاب الله جل وعلا، يقول: أنا عندي حفظ طويل والحمد لله، أنا عربي والقرآن عربي، سأقرأ القرآن وأحفظه بنفسي، لا أحتاج إلى أن أقرأه على أحد، ولا أن أعرضه على أحد، هذا خطأ، لأنه سيحفظ القرآن على غير الصواب، على غير الصواب. بل لا بد، ولا بد، ولا بد أن يعرضه على غيره من الحفاظ المتقنين المجودين لكتاب الله جل وعلا. وكما سمعتم كل بحسبه، إن وقد في بلده فيها علماء القراءات وما شابه ذلك، الحمد لله نعمة، إن استطاع أن يرحل نعمة. فإن لم يستطع، فإن لم يستطع لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، نظر إلى أعلم وأتقن من يراه، يقرأ عليه ما استطاع إلى ذلك سبيلا. قال رحمه الله تعالى: «لا بالتحصيل الذاتي وحده»، أي: لا ينبغي للطالب أن يكتفي بتحصيله الذاتي وحده، بل لا بد من معلم، لا بد له من معلم. وإن كان التحصيل الذاتي لا بد منه، لكن ليس في الأصول، الأصول لا بد أن تدرس على معلمين. لكن في المستقبل قد أصلت الأصول، وقعدت القواعد، والحمد لله، فتح الله عليك بالخير الكثير، واستطعت أن تدخل في كتب أهل العلم وتقرأها وتفهمها وتحصل الحمد لله. أما أنت ابتدأ أمرك بالتحصيل الذاتي، وتقول: الحمد لله شروحات كثيرة موجودة، مفرغة، أقرأها وأفهمها، هذا من الخطأ ومن الزلل. وكما قيل: «من كان شيخه كتابه كان خطأه أكثر من صوابه». من يقول: سأعتمد على الكتاب، سيكون الخطأ الكثير. وقد رأينا وسمعنا ممن اعتمد على هذا الشيء، فتجد عنده عجائب في بعض المسائل، من أين لك هذا؟ كلام يقول: قد ذكره فلان في كتب كذا وكذا. أرني هل المكان تقرأ الكلام في واد، وفهمه في واد آخر؟ ولا سيما إذا كان في باب العقائد والتوحيد، في باب التوحيد والعقائد باب خطير، ومنزلقه كذلك ماذا؟ خطير. فالحاصل أنه ينبغي للطالب أن يتدرج، وأن يأخذ العلم أولا فأول، وخطوة فخطوة. والله المستعان. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.