المحاضرة بعنوان جمال الداعية في حسن خلقه، والتي كانت ضمن الدورة العلمية الثانية والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الخميس 8 ذو القعدة 1445هـ الموافق 16 مايو 2024م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يثني الله على خُلق النبي العظيم ويبين أن غاية بعثته تزكية النفوس وإتمام مكارم الأخلاق. ويُشبّه الناس في أخلاقهم بالمعادن المختلفة مؤكداً أن أخلاق الصحابة كانت سبباً رئيسياً في دخول الناس الإسلام.
يستعرض المقطع كيف استند النبي ﷺ إلى صدقه وأمانته المعروفة عند قومه تمهيداً لدعوته. مبيناً أن العبادات شُرعت لتحقيق مقاصد أخلاقية كترك الفحشاء والتقوى وطهارة النفس.
يؤكد المتحدث أن الأخلاق الحسنة أصبحت المؤثر الأقوى في قلوب الناس اليوم أكثر من الكلام. مستشهداً بمواقف النبي مع ثمامة بن أثال والأعرابي حيث أسلموا بسبب خلقه الكريم.
يحذر المقطع من تحنيك الصبيان بالبدع بدلاً من القرآن مؤكداً أن الدين يقوم على الرحمة والرفق. وينبه إلى أن الشدة في التربية تؤدي إلى نتائج عكسية داعياً إلى تحسين الأخلاق.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فمشاركة في هذه الدورة في مثل هذا الوقت، ما بين أذان العشاء والصلاة، الذي خصص لإلقاء نصائح وتوجيهات، نقف في هذا المقام في هذا الدرس مع قوله عز وجل وهو يثني على نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. هذا فيه الثناء من الله عز وجل لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام من الله عز وجل. ﴿وَإِنَّكَ﴾ هذا فيه توكيد، ﴿لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم، الغاية القصوى منها تزكية النفوس، أن تزكى هذه النفوس. فما شرعت العبادات إلا لتزكية النفوس، لتتخلق النفوس بالأخلاق الفاضلة. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. ف الغاية من بعثة الأنبياء، بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، تزكية النفوس. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في بعض السنن: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وفي لفظ: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق». أي يخبر عليه الصلاة والسلام عن نفسه وعن سبب بعثته، وأنه إنما بعث لإتمام مكارم الأخلاق ولإتمام صالح الأخلاق. الأخلاق التي كان عليها الناس، فهو عليه الصلاة والسلام بعث لإتمامها ولتوكيدها. الأخلاق التي كانت عند أهل الجاهلية، والخصال الطيبة الحميدة التي كانت عند أهل الجاهلية، بعث النبي عليه الصلاة والسلام ليتممها. وقال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا». الناس معادن في ماذا؟ في أخلاقهم. فمن الناس من أخلاقهم ذهب، ومن الناس من أخلاقهم فضة، ومن الناس من أخلاقهم نحاس، ومن الناس من أخلاقهم حديد، ومنهم خرّ حديد، حتى الحديد ما هو حديد. الناس معادن، المعادن معلومة، يعرف العرب أشياء المعادن: المعادن الذهب والفضة والقصدير والنحاس والحديد إلى غير ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الناس في أخلاقهم كالمعادن. حتى الذهب أنواع: بعض الناس أخلاقه ذهب لكن إنما هو ذهب ثمانية عشر، وبعض أخلاقه ذهب لكن ذهب واحد وعشرون، وما الناس من هو ذهب عيار أربع وعشرون. وإن كانت أخلاقهم ذهبا لكن ليسوا سواء في أخلاقهم. فهناك الذهب الصافي، من هو في أخلاقه ذهب صافٍ، والناس من أخلاقه ذهب لكن فيه خلط، وبقدر هذا الخلط يضعف عيار الذهب والمعدن. والحديد أنواع، والناس أخلاقهم حديد، والحديد أنواع، ليس الحديد نوعاً واحداً، هناك الحديد الجيد، وهناك الحديد، وكما سمعتم بل الحديد فيه خرّ حديد، ما هو غير حديد. الناس بأخلاقهم ومعادنهم، فمن أخلاقه ذهب ليس كمن أخلاقه فضة. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا». فلذلك عليه الصلاة والسلام بعث لإتمام هذه المكارم، مكارم الأخلاق. لما بعث عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح، سمع أبو ذر الغفاري رضي الله عنه بأن نبياً بعث في مكة، فقال لأخيه: «دعني أذهب إلى هذا الذي زعم أنه نبي يبعث، أسمع ما يدعو إليه». فلما ذهب إلى مكة ورجع، قال أخوه: «ماذا سمعت من هذا النبي الذي بعث؟» قال: «سمعته يأمر بمكارم الأخلاق، سمعته يأمر بمكارم الأخلاق». فالدعوة إلى مكارم الأخلاق في دين الإسلام تعتبر من أوائل ما دعا إليه نبينا صلى الله عليه وسلم. في البخاري ومسلم، في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، في حوار هرقل عظيم الروم مع أبي سفيان قبل إسلامه، لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام رسالته إلى هرقل عظيم الروم: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم الأريسيين». فلما وصلت هذه الرسائل إلى هرقل عظيم الروم، قال: «هل أحد من أصحاب هذا في الشام؟» قال له: «نعم، جماعة». وكان تجار قريش يتاجرون إلى اليمن وإلى الشام، يرحلون إلى اليمن في وقت الشتاء، وإلى الشام في وقت الصيف، رحلة الشتاء والصيف. فكان من تجار قريش في ذلك الزمان أبو سفيان، فجمعه فدعاه هرقل عظيم الروم، فجاء أبو سفيان ومن معه. فقال هرقل لأبي سفيان: «تقدم، أدنه» يعني كن قريباً، وجعل أصحابه خلفه. فقال لهم، وله ترجمان يترجم كلامه: «إني سائل هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه». يقول لأصحاب أبي سفيان، جعلهم خلفه، ثم سأله: ومن ضمن الأسئلة: «ماذا يأمركم؟ ماذا يأمركم هذا النبي؟» فقال أبو سفيان: «يقول لنا: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً» الدعوة إلى التوحيد. «قال: ويأمرنا بالصدق والعفاف والصلة». الصدق والعفاف والصلاة، مكارم أخلاق. إذن دعوة إلى التوحيد، وكان يدعوهم إلى مكارم الأخلاق عليه الصلاة والسلام. فكان عليه الصلاة والسلام حريصاً في دعوته إلى الدعوة إلى مكارم الأخلاق، لأن الأخلاق تزين هذا الدين وتظهر محاسن هذا الدين الذي يحمله المسلم. المسلم يحمل دينا عظيماً، أين آثار هذا الحمل لهذا الدين في واقعه وفي أخلاقه؟ الناس إنما ينظرون إلى آثار ما تحمل. الذي في قلبك ما يرى، الذي في قلبك ما يرى، لكن الذي يظهر للناس هو أخلاقك، ما يخرج من لسانك وما يصدو منك في أفعالك، هذا الذي يراه الناس، وهذا الذي له أثر على الناس. فُتح الصحابة المشارق والمغارب بأخلاقهم قبل أن يدعوا، قبل أن يتكلموا. لما رأى الكفار أخلاق الصحابة دخلوا في الدين. الصحابة ما تكلموا بعد، ما تكلموا بعد، ولا دعوا بعد، مجرد ظهور الآثار الطيبة التي تخلقوا بها، ورأى الكفار، كان ذلك من أعظم الدوافع التي دفعت الكفار إلى الدخول في دين الإسلام. سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت للسائل كما جاء في الصحيحين: «أ تقرأ القرآن؟» قال: «بلى». قالت: «كان خلقه القرآن». عليه الصلاة والسلام. وكما يعبر البعض: يقول كان عليه الصلاة والسلام قرآنا يمشي في الأرض. كان خلقه القرآن عليه الصلاة والسلام. من أعظم المؤثرات التي أثرت على المشركين ودفعتهم إلى الدخول في دين الإسلام هي أخلاقه عليه الصلاة والسلام، أخلاقه عليه الصلاة والسلام. فكانوا يدعونه بالصادق الأمين، الصدق والأمانة من أعظم الأخلاق الفاضلة. وليك لما دعاهم عليه الصلاة والسلام إلى الدخول في هذا الدين، عندما أمره الله جل وعلا بقوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، كان في بداية الأمر لم يؤمر عليه الصلاة والسلام في الدعوة، ثم أمر بها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. ونزل عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. جاء في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: فخرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى الصفا، جبل الصفا الذي يسعى الآن بينه وبين المروة، ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. صعد على الصفا ونادى: «يا صباحاه، يا صباحاه». وهذا النداء لا ينادي به إلا لأمر عظيم، وهذا معروف عندهم. اجتمعوا، ألا يريد أن يدعوهم عليه الصلاة والسلام إلى دين الإسلام؟ هل مباشر؟ عليه الصلاة والسلام قال لهم: «يا أيها الناس، أرأيتم لو قلت لكم إن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟» الآن لو قلت لكم في عدو في خيل هنا سفح هذا الجبل سيغيرون عليكم، تصدقوني ولا ما تصدقوني؟ قالوا: «ما جربنا عليك كذبة، ما جربنا عليك كذبة». تمهيد للدعوة بذكر خلق يعرفونه به له عليه الصلاة والسلام، وأنه ما جربوا عليه كذبة. فقال: «فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد». تصدقون؟ إذن فأنا نذير لكم، يعني أنذركم وأدعوكم، أنذركم ما أنتم عليه من الكفر والشرك. هم يفهمون، مجرد يقول: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، وأسمعوا أنكم أنتم مع الذين باطل، «اتبعوني» كما دعوتكم. لأنه كان عليه الصلاة والسلام قد قال وأخبرهم أنه رسول مبعوث من عند الله تبارك وتعالى. لكن الشاهد: انظروا كيف جعل إقرارهم له عليه الصلاة والسلام بأنه ما كان يكذبهم، وكان صادقاً معهم، تمهيداً لدعوته. الناس إذا رأوك تكذب، كيف يقبلون منك؟ لا يدعك من هذا كذا. رأوك تكذب في أقوالك، هذا مانع من قبول دعوتك. أو إذا رأوك أن... صلى الله، العافية والسلامة، تنظر إلى الحرام، ما شاء الله يرونك في السوق، في الشارع تنظر إلى النساء، تطلع المنبر بعد ذلك، وهذا الذي كان هناك ينظر إلى النساء، هذا الذي على المنبر، والله لو كانت خطبتك رنانة إلى أبعد حدود، ما تنفع، لا فايدة، ما يقول لك: «على كلام هذا لا يغرك، لا يغرك، لا يغرك، لا يغرك، لا يغرك، لا يغرك». هذا الذي... صلى الله، العافية والسلامة، يكذب أو يسمع الغنى أو ينظر إلى الحرام أو كذا أو كذا. فالدعوة تحتاج إلى إظهار الأخلاق حسنة فاضلة حتى تزين هذا المحمول من دعوة الله تبارك وتعالى. هذه العبادات ما شرعت إلا لأجل الأخلاق. انظروا إلى الصلاة، لماذا شرعت الصلاة؟ ما الغاية من الصلوات؟ الغاية من الصلوات أن تنهانا عن الفحشاء والمنكر، أن تنهانا عن الفحشاء والمنكر، حتى نترك الفحشاء. الفحشاء في ألسنتنا، الفحشاء في أبصارنا، الفحشاء في أسماعنا، الفحشاء في تعاملاتنا، وتنهانا عن المنكر. إذن هذا الغرض من الصلاة، هذا الغرض من الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. لتنهانا الصلاة عن الفحشاء والمنكر. أما إذا كنا نصلي، وصلاتنا لم تنهنا عن الفحشاء والمنكر، إذن أين آثار الصلاة؟ أين آثار الصلاة؟ بعض الناس تسمعون: «فلان ما شاء الله في الصف الأول»، يقول لك: «ما عليك، يشف الصف الأول، الصف الأول، ولا في الصف الأول، ولكن كذا وكذا وكذا، ولا فلان من المصلين، أين آثار الصلاة؟ أخلاقه سيئة، لسانه بذيء، أفعاله، نصر الله، العافية والسلامة، سيئة الأخلاق، أين آثار الصلاة؟» أنت أسقطت فرضاً فقط. الله جل وعلا ما يريد مننا أن نسقط الفرض فقط، لا، يريد مننا أن تكون لهذه العبادات الآثار الطيبة عليها شرع. الصيام لأجل التقوى، لكن الإنسان صعيف، ثم هو يشهد الزور ويقول الزور ويعمل به، أين آثار الصيام؟ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. في البخاري، عن أبي هريرة: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». المعنى: أين آثار الصيام؟ أين آثار القيام؟ «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، أين آثار الصيام؟ الصيام ليس أنك أن تجوع وتعطش. ورب قائم حظه من قيامه التعب والسهر». أي أن آثار هذه الطاعات لم تحقق ولم تحصل، إذن في خلل، لا بد أن تراجع نفسك. والحج كذلك، كل العبادات ما شرعت إلا لأجل تزكية النفس. الزكاة، والله جل وعلا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾. زكاة، الزكاة طهارة للقلوب والنفوس من البخل والشح. الصلاة لتنهان عن الفحشاء والمنكر، الصيام لينهان عن شهوات الزور، إذن هذه العبادات منها ما نهى عن الفحشاء والمنكر، ومنها ما ينهى عن شهوات الزور، ومنها ما ينهى عن البخل والشح. شرعت العبادات متنوعة: عبادات بدنية، عبادات مالية، عبادات مشتركة بين المال وبين الأقوال وبين الجوارح، كلها لتهذيب الجوارح. وما من أحد إلا ويحب أن يكون له الذكر الحسن بين الناس، وأنه إذا خرج من هذه الدنيا يذكره الناس بالذكر الحسن، إذا ذكروه قالوا: «رحمه الله، ما إن شاء الله جزاله، كان كذا وكان كذا»، يذكرون من مآثره. كل أحد يتمنى ذلك، أن يكون له الذكر الحسن. هذا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. واجعل لي لسان صدق في الآخرين، لسان الصدق يتحدث عنه، يتحدث عنه الحديث الحسن. فهذا يطلبه كل أحد، ما من أحد إلا هو يريد أن تكون له الوجاهة في الدنيا والآخرة. سالوجاه التعالي على الناس أو الترفع عن الناس أو التصلف لا، الوجاهة أي أن يجعل الله جل وعليه القبول بين الناس، وله مكان في قلوب الناس. هذه الوجاهة، الوجاهة المكان في قلوب الناس، له مكان في قلوب الناس، إذا رأوه، إذا جاء عندهم يقدرون، يحبون، له مكان في قلوبهم. هذا كل حد يريده ويتمنى. وكما أثنى الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. كيف وجيها في الدنيا؟ وجيها في الدنيا أي أن يكون له الثناء الحسن على ألسنة الناس، المكانة في قلوب الناس. هذا أمر كل أحد يحبه ويريد أن يكون له القبول في الأرض، وأن يذكره الله عز وجل في الملأ الأعلى، والملائكة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا أحب عبداً نادى: يا جبريل، إن الله أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي في الملأ: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض». من لا يريد هذا؟ كلنا يريد هذا، كلنا يريد هذا، أن يذكره الله عز وجل في السماء، جل وعلا العظيم سبحانه وتعالى، وأن يحبه الله عز وجل، وأن يحبه جبريل والملائكة، وهكذا يحب أن يكون له القبول في الأرض، مكانة عند الناس في قلوب الناس. لكن من أين يتحقق هذا إذا كان الشخص لم يتخلق بالأخلاق الحسنة؟ فنحن في وقت وفي زمن يحتاج المسلمون جميعا والدعاة خصوصا، المسلمون جميعا وعموما والدعاة خصوصا وعلى وجه الخصوص، إلى إظهار الأخلاق الحسنة، الدعوة إلى الله تبارك وتعالى. فنحن في زمن صار أكثر الناس يتأثرون بالأخلاق أكثر من ما يتأثرون بالكلام. الأخلاق صارت تؤثر، ولذلك أهل الباطل صاروا يعتنون بهذا الباب اعتناناً عظيماً، يركزون على الأمر الخلال، يتكلفونها ويتصنعونها، لماذا؟ ليغراء الناس حتى يكونوا معهم. يتصنعون الأخلاق، يتكلفون الأخلاق. أهل الحق أولى، أهل السنة أولى وأولى من الاتصاف بالأخلاق الحسن وبإظهار هذه الأخلاق. كمن نماذج الورد عن نبي عليه الصلاة والسلام التي فيها أخلاقه عليه الصلاة والسلام، التي كانت من أعظم أسباب تأثير المدعوين والأثر على المدعوين حتى دخلوا في دين الإسلام. أذكر بعضها بما يتسع له المقام، وإلا في المقام يطول. انظروا إلى قصة عليه الصلاة والسلام مع ثمامة، ثمامة ابن أثال، هذا سيد أهل اليمامة، والحديث في البخاري ومسلم. هذا خرج من اليمامة يريد العمرة، فوجده بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فأسروه، أتوا به أسيراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، سيد أهل اليمامة. فربطه النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى سواري المسجد. ثم جاءوا عليه الصلاة والسلام، قالوا: «يا ثمامة، ماذا عندك؟» قال: «عندي يا محمد خير، إن تعفو أو إن تقتل، تقتل ذا دم، إذا قتلتني أنا قتلت صاحب دم، ما هو أي واحد، سيد أهل اليمامة، وإن تعفو تعفو عن شاكر، يعني أكون شاكر، أنا من من يحفظ المعروف إذا عفوت، وإن أردت ما لم سل ما شئت، هذا عندي ثلاث هادي». هل عنده غير ذلك؟ قال: «ما عندي إلا هذا». تركه النبي عليه الصلاة والسلام. جاء في اليوم الغد، يوم الثاني: «ما عندك يا ثمامة؟ كيف أصبحت؟» قال: «كما قلت لك يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعفو تعفو عن شاكر، وإن أردت ما لم سل ما شئت». تركه عليه الصلاة والسلام إلى اليوم الثاني، ثم قاله مثل ما قال له في اليومين السابقين، وكرر ثمامة نفس الكلام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أطلقوا ثمامة». فأطلقوه، فذهب واغتسل، ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. هل دعاه النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل قال له: «يا ثمامة، أترك الكفر، أترك الشرك الذي أنت عليه، أترك عبادة اللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى»؟ مجرد كلام، إيش عندك؟ عندي كذا وكذا وكذا، إيش عندك نفسك، إيش عندك؟ «أطلقوا»، فجاء بنفسه ودخل في الإسلام. ما الذي جعله؟ ما الدافع له؟ ما الذي أثر عليه؟ الخلق الحسن، الكلام الطيب من نبي عليه الصلاة والسلام. ما في أشياء، ثمامة صفع في الوجه، «يا حمار، يا كلب»؟ لا، ما في، ما في لا صفع ولا رفس ولا كلام، طيب أثر عليه. الناس قلوب، ما عليك لا تظهر الله وعضها، يأتوا حتى مثل المسجد هذا، ما يقول له كلها الديكور، ما عليك منه، لا يرحبك ولا يمزعك، بعضه كبير لكن قلبه صغير، قلبه ضعيف. ها هكذا حال الناس، بعضهم شاب الشخص لا تحسب أنه قلبه هكذا، بعضهم إذا كبر الجسم ضعف القلب، إذا ضعف الجسم كبر القلب. فهكذا أثر عليه. فذهب إلى فقال: «يا رسول الله، إني أردت العمرة فأسروني أصحابك». فأذن له نبي عليه الصلاة والسلام بالعمرة، فذهب يعتمر. فقال: «صبوت يا ثمامة». يقول: «صبوت» يعني دخل في دين محمد. «صبوت» من أسلم كان يقول: «صبا». قال: «لا، بل أسلمت، والله لن تأتيكم حبة بر من اليمامة». كانت اليمامة حبة حنطة تأتي من اليمامة، «والله ما تأتيكم حبة حنطة يا أهل مكة، حبة حنطة، والله ما تأتيكم حتى يأذن فيها رسوله عليه الصلاة والسلام». دadan قال: «دخل الحبة، دخل الحبة، والحبة حبة حبة حنطة، سيدها اليمامة، وقال قريش يحتاجون البر، البر الحب، حب اليمامة، ما هو أي حب، يضيع علينا الحب هذا». سكت، بس لا أحد يأتي ولا ماشي لحب، شيء بعد، ولا حب واحدة، حتى يأذن فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام. شاهدنا الأثر الذي ترتب من خلقه عليه الصلاة والسلام. كذلك أيضاً ذلك الأعرابي الذي بال في المسجد، تعامل مع النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين أيضاً، لما دخل الأعرابي بال في حد نواحي المسجد، دعاه النبي عليه الصلاة والسلام برفق، حتى قال: «اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً». قال: «قد حجرت واسعاً». وذاك الأعرابي الذي جحد عليه الصلاة والسلام، وذاك الذي أعطاه غنماً بين جبلين، حتى ذهب إلى قومه قائلاً لهم: «جئتكم من عند خير الناس، محمد يعطي عطاء من لا يخشى الفقر». ده راح يدعو إلى قومه. في البخاري عن جابر قال: «لما قفلنا من غزوة ذات الرقاع، فجلس النبي عليه الصلاة والسلام تحت شجرة، وذهب كل واحد منه يستظل». قال: «فجاء أعرابي، علق النبي عليه الصلاة والسلام سيفه على الشجرة التي استظل تحتها، فجاء أعرابي وأخذ السيف، استيقظ النبي عليه الصلاة والسلام والأعرابي قد سل السيف على النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله. سقط السيف من يده، فأخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال له: من يمنعك مني؟ فقال له: يا محمد، كن خير آخذ. فعفى عنه عليه الصلاة والسلام، وذهب، تأثر بهذا العفو». فالدعوة إلى دين الإسلام، والدعوة إلى منهج أهل السنة والجماعة، ليس هو فقط حفظ محفوظات، ليس هو فقط حفظ محفوظات وحفظ آثار عن السلف. نعم، الدعوة محفوظات ومفعولات وأخلاق. نحن نجد هذا الباب التقصير فيه حاصل مننا جميعا. فأهل السنة أعرف الناس بالحق وأرحم الناس بالخلق. هذان وصفان يختص بهما أهل السنة والجماعة عن سائر الفرق الأخرى: العلم بالحق، هم أعلم الناس بالحق، أعلم الناس بكتاب الله، أعلم الناس بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. إذن هذا يحتاج إلى اجتهاد عظيم، طلب العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة، هذا من أعظم ميزاتها لأهل السنة والجماعة، أنهم على علم غزير وعلى علم كبير. ثانياً: أرحم الناس بالخلق. إذن علم ورحمة. قال عز وجل: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾. وانظروا إلى رسالة الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدية: «اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم ثلاث مسائل». «اعلم رحمك الله»، «اعلم رحمك الله». أول حديث كانوا يعلمونه ويحفظونه: حديث عبد الله بن عمر، هو الحديث المسلسل بالأولية: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». لابد أن نعلم الأولاد أن هذا الدين رحمة، وأن هذه الدعوة رحمة. ما غلظة، ما هو شدة. الآن عكس، الآن في خلل في التربية، خلل في الدعوة. الأولاد أول ما يعلمون، نعم، أول ما يحنكون، يحنكون بدعية فلان وبدعية فلان، تحنيك الصبيان بدعية فلان، لا، تحنيك الصبيان أولاً القرآن، تحنيك الصبيان أن هذا الدين مبني على الرحمة، مبني على الرفق، مبني على اللين. ما نحنكم بالشدة، بالغلظة، يطلعون بعد عشر سنوات، قلوا: «كذا كيف هذا ما يصل؟» عذابي إلى بيت، يقول: «خرج ما شاء الله عندنا ورجع كذا»، كيف هذا لا يخرج هكذا يرجع ما شاء الله؟ هكذا ما يخرج هكذا يرجع، يعني يعكسون، يعني عثاراً سيئة، الله المستعان. لعله قد جاء وقت السلام، نكتفي بهذا القدر. نسأل الله عز وجل أن يحسن أخلاقنا وأن يوفقنا لمرضاته. صلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.